الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 50، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يضرب الله مثل الحياة الدنيا بزهر الربيع الذي يعجب الناظرين ثم ييبس ويزول سريعاً، مستشهداً بآيات من سورة يونس والكهف، ومبيناً أن الاغترار بالدنيا ناتج عن سكر الشهوات، وأن العاقل يأخذ منها ما يعمر به آخرته.
يشرح القاعدة الثالثة والعشرين التي تقسم إرشادات القرآن إلى نوعين: إرشاد إلى أمور معلومة شرعاً أو عرفاً، وإرشاد إلى استخراج المنافع والعلوم من أصول قرآنية عبر التفكر في خلق السماوات والأرض، ضارباً المثل بأرض تخضر ثم تيبس.
يستعرض آيات قرآنية تحث على التفكر في خلق السماوات والأرض والأنعام والحديد والطعام، مبيناً أن الغاية من التفكر استخراج المنافع والعلوم، وتعظيم الخالق، وشكره على التسخير، مما يقوي الإيمان ويورث الخشية.
يؤكد أن الكون كله مسخر لانتفاع الإنسان، وأن التفكر في ذلك أثمر علمين جليلين، معلناً ختام المحاضرة الحالية على أن يستكمل الموضوع في الدرس القادم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فمثال الله الحياة الدنيا، قال المؤلف رحمه الله: "ومثال الله الحياة الدنيا وزهرتها، والاغترار بها، بحالة زهرت الربيع؛ تعجب الناظرين، وتغر الجاهلين، ويظنون بقاءها، ولا يؤملون زوالها، فلاهوا بها عما خلقوا له، فأصبحت عنهم زائلة، وأبحوا لنعيمها مفارقين، في أسرع وقت، كهذا الربيع إذا أصبح بعد الاخضرار هشيماً، وبعد الحياة يبساً رميماً". وهذا الوصف قد شاهده الخلق، واعترف به البر والفاجر، ولكن سكر الشهوات وضعف داعي الإيمان اقتضى إيثار العاجل على الآجل. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: فهذا هو المثل الأخير الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذه القاعدة في مقاصد الأمثال. فالله عز وجل ضرب لنا أمثلة للحياة الدنيا وزهرتها والاغترار بها، فضرب لنا هذا المثل بفصل الربيع؛ فصل الربيع وفصل أخضرار الأشجار ونزول الأمطار. فتنزل المطر على الأرض، وقد كانت يابسة قاحلة، فتحيا، فتنبت فيها الأشجار وتطلع فيها الثمار، ويغتر صاحبها بها، وأنه قادر على حصدها وعلى الانتفاع بها. فبينما هي كذلك، إذ تأتي آفة، أو ينتهي هذا الموسم -موسم الربيع- فتصير هذه الأرض يابسة سوداء، كأن لم تكن من قبل خضراء. فهكذا هي الحياة الدنيا؛ يعني يراها الإنسان... ماذا يعني؟ مزينة مزخرفة، يرى هذه الحياة الدنيا حلوة خضرة، كما جاء في الأحاديث، فسرعان ما تذهب هذه الزهرة، وهذه جنة الدنيا، سرعان ما تذهب؛ إما بآفة، وإما بموت صاحبها، إما أن تتركه، وإما أن يتركها. وهذا المثل ضربه الله عز وجل في القرآن في مواضع، منها في سورة يونس: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: 24]. فهذا مثل ضربه الله عز وجل في حال الحياة الدنيا: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ مَّطَرٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾، يعني النبات الذي في الأرض اختلط بالماء، ﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ﴾، يعني هذا النبات نبات ينتفع منه الإنسان، كالذرة، كالحبوب، كالفواكه، كالخضروات، كل هذه ينتفع منها الإنسان والأنعام، مثل العشب، العلف الذي يأكله الأغنام، ﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾، والزينة يعني صارت هذه الأرض في تمام وكمال زينتها، يعني كبرت الأشجار ونضجت الثمار، ﴿أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾، ظن صاحبها أنه قادر على الانتفاع بهذه الأرض وبهذا الشجر، ﴿قَدْ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً﴾، يعني أتاها ما يفسدها مما يسخره الله عز وجل، رياح شديدة فيها نار فاحترقت هذه الأشجار، أو كذلك أمطار غزيرة فجاءت السيول فجرفت هذه الأشجار، آفة من الآفات. هذه الآفة قد تأتي في النهار، وقد تأتي في الليل. وكذلك الموت بالنسبة للإنسان: هل الناس يموتون في الليل فقط، أو يموتون في النهار فقط؟ لا، الموت قد يأتيك في الليل، وقد يأتيك في النهار، والموت هو يحول بين الإنسان وبين هذه الحياة الدنيا. فشبه ما يأتي من آفة لهذا الزرع بالموت بالنسبة للإنسان في هذه الحياة، وشبه ما يجده الإنسان من زهرة هذه الدنيا ومن زخرف هذه الدنيا بهذه الأرض الخضراء، الأرض كذلك المزينة بما فيها من أشجار وثمار ونحو ذلك. فهذا أيضاً من الأمثال التي وردت في القرآن، وورد مثال آخر أيضاً في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: 45]، كما ذكر هنا بمعنى: ذهب اخضراره، فصار يبساً رميماً، هشيماً يعني أصبح يبساً رميماً، فتأتي الرياح فتأخذه، تذروه الرياح، يعني تأخذه الرياح، صار لا شيء، لا ينتفع منه صاحبه. فهذا هو مثل هذه الحياة الدنيا، فهل بعد ذلك يغتر بها مغتر، أو يركن إليها راكن؟ أبداً. وإنما يأخذ العاقل من هذه الدنيا ما يكون سبباً في عمارة أخرى. ولذلك قال هنا: "وهذا الوصف قد شاهده الخلق"، الوصف هذا المحسوس الذي نشاهده في الجنات، نشاهده. قبل أيام ذهبنا إلى منطقة يقال لها "حوف"، هذا في فصل الربيع تكون خضراء، جبال خضراء، فإذا انتهى الربيع صارت أشجاراً سوداء، يعني ما تستطيع أن تنظر إليها من شدة قبحها ومن شدة سوء منظرها، كانت من قبل خضراء. هذا شيء يشاهده الناس، ويعينه الناس في كثير من الأرض، واعترف به البر والفاجر، الكل معترف بهذا. هل أحد ينكر أن بعض الأراضي تكون مخضرة ثم تذهب، يذهب اخضرارها وتصير هشيماً، تصير سوداء قاحلة؟ لا أحد ينكر ذلك. قال: "ولكن سكر الشهوات"، يعني السكر ما يكون بالخمر فقط، بعض الناس سكره بالدنيا، تجده منتعشاً بالدنيا، بجمع أموالها، بالجري خلف نسائها، بالجري خلف جاهاتها ونحو ذلك، تجده منشغلاً بهذه الدنيا، منشغلاً بهذه الدنيا، فهو مثل السكران، لا ينتبه لا لصلاة، ولا لعلم، ولا لذكر، ولا لقرآن، وإنما سكران بهذه الدنيا. فهذا معنى قوله: "سكر الشهوات، وضعف داعي الإيمان اقتضى إيثار العاجل على الآجل"، يعني إيثار العاجل، الدنيا، الدنيا عاجلة لأنها سرعان ما تذهب، والآخرة آجلة لأنها... (مفتاح السيارة، مفتاح الباب، وطلعه مفتوح). نعم، اقرأ القاعدة الثالثة والعشرين: "إرشادات القرآن على نوعين: أحدهما أن يرشد أمراً ونهياً وخبراً إلى أمر معروف شرعاً أو معروف عرفاً كما تقدم، والنوع الثاني أن يرشد إلى استخراج الأشياء النافعة من أصول معروفة، ويعمل الفكر في استفادة المنافع منها". وهذه القاعدة شريفة جليلة القدر. أما النوع الأول فأكثر إرشادات القرآن في الأمور الخبرية والأمور الحكمية داخلة فيها، والأمور... والأمور الحكمية... لا، الحكمية، والأمور الحكمية داخلة فيها. طيب، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: هذه القاعدة... هذه القاعدة... طيب، خذ، خذ الحجة، وإذا حين يبغى يأخذ هذا ويفتح الباب. معنى هذه القاعدة تقدم معنا في قاعدة سابقة، وهي القاعدة التاسعة، ذكر شيء من الإرشادات التي فيها الأوامر والنواهي، وكذلك ذكر بعض الأخبار. فقال: وفي أحد... وفي أحد... وفي أحد... أحدهما: أن يرشد أمراً ونهياً وخبراً، يعني مثلاً: الأمر بالصلاة، الأمر بالتوحيد، هذا كله مأمور به شرعاً، صح؟ مأمور به شرعاً. وكذلك النهي: نهى عن الشرك، نهى عن الزنا، نهى عن الربا، هذا كله نهي شرعاً. وخبراً: مراد بالخبر الخبر عن ذاته سبحانه وتعالى، وعن صفاته، وعن أسمائه، وعن كذلك ما يقع في ملكه مما سبق، هذا موجود في القرآن كقصص الأنبياء، هذا كله من باب الإخبار، من باب الإخبار، هذا كله مر معنا. طيب، أو معروف عرفاً، كذلك مر معنا في قاعدة قريبة: أعمال العرف، وهذا أيضاً من الأمر والنهي، من الأمر والنهي؛ لأن العرف يعمل به عند عدم وجود الشرع، فيكون به الأمر والنهي. وقوله: "وهذه... والنوع الثاني: أن يرشد إلى استخراج الأشياء النافعة من أصول معروفة، ويعمل الفكر في استفادة المنافع منها". يعني الإرشاد الثاني يستنبطه الإنسان من أمور ذكرها الله عز وجل في كتابه، وليست هذه الأمور أمر الله عز وجل بها شرعاً أو نهى عنها شرعاً، وإنما تستنبط وتستخرج من أمور وأصول ذكرت في القرآن، أمرنا بالتفكر فيها، فمتى تفكر الإنسان والمؤمن فيها استخرج منها المنافع والفوائد، وهذا سيأتي معنا. قال: "وهذه القاعدة شريفة جليلة القدر، جليلة القدر". أما النوع الأول فأكثر إرشادات القرآن في الأمور الخبرية والأمور الحكمية داخلة فيها. الأمور الخبرية: كما تقدم، ما أخبر الله عز وجل به عن ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله، وكذلك ما أخبر الله عز وجل به من قصص الأنبياء وأخبار الأمم السابقة ونحو ذلك. وأما الأمور الحكمية أو الحكمية، يراد بها الأمر والنهي، فهي أحكام شرعية حكمية، يراد بها الأمر والنهي. طيب، اقرأ: "وأما النوع الثاني وهو المقصود هنا، فإنه دعا عباده في آيات كثيرة إلى التفكر في خلق السماوات والأرض وما خلق الله فيها من العوالم، وإلى النظر فيها، وأخبر أنه سخرها لمصالحنا ومنافعنا، وأنه أنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، ونبه العقول على التفكر فيها واستخراج أنواع العلوم والفوائد منها". وذلك أننا إذا فكرنا فيها ونظرنا حالها وأوصافها وانتظامها، ولأي شيء خلقت، ولأي فائدة أبقيت، وماذا فيها من الآيات، وما احتوت عليه من المنافع، أفادنا هذا الفكر فيها علمين جليلين. طيب... ما عرفت لهذه السيارة... لا أحد جالس هنا من الأولاد وخلا يفتحها لك، وإذا فتح لي السيارة روح، وروح، روح، كل محمد، هذاك محمد، محمد، روح، بيفتح لك السيارة. طيب، افتح، فتح للسيارة، باب، يطلع في السيارة، مفتوح، أي ما عرف يفتح الباب. طيب، هذا هو النوع الثاني. قوله: "وهو المقصود هنا"، أي أن يستخرج المؤمن من آيات الله عز وجل الكونية المنافع والفوائد. فقوله: "فإنه دعا عباده في آيات كثيرة إلى التفكر في خلق السماوات والأرض وما خلق الله فيه من العوالي"، يشير إلى قوله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 190-191]. فهذه الآية فيها ثناء، وفيها مدح لهؤلاء المؤمنين، وذلك بتفكرهم في خلق السماوات والأرض، لأن من هذا التفكر يقوى الإيمان، وبهذا التفكر يزداد المؤمن خشية لله سبحانه وتعالى، وعظمة لله عز وجل، ونحو ذلك من الفوائد. فهذا مما دع إليه القرآن. كذلك قوله: "وإلى النظر فيها"، كقول الله عز وجل: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: 24]، تفكر في هذا الطعام: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُونَاً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: 25-32]. تفكروا في هذا. كذلك قول الله عز وجل في سورة الغاشية: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 17-20]. فهذا أيضاً دعوة إلى التفكر. ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 185]، كل هذه دعوة من الله عز وجل إلى التفكر. ما هي فائدة هذا التفكر؟ هل هكذا عبثاً؟ لا، يستخرج من هذا التفكر الإنسان فوائد عدة، سيشير إليها المؤلف. وقوله هنا: "وأخبر أنه سخرها لمصالحنا ومنافعنا"، كما قال الله عز وجل: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الجاثية: 13]، ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ [الجاثية: 13]، أي من أجل أن تستخرجوا فوائدها ومنافعها. وهكذا: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: 25]. تفكر في هذا الحديد، كما جاء في سورة الحديد: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: 25]. تفكر في هذا الحديد، وما هي منافعه، وكيف سخره الله عز وجل لهذا الإنسان. ولذلك قال: "ونبه العقول على التفكر فيها واستخراج أنواع العلوم"، ولذلك بعد آيات التفكر يقول مثلاً: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، كل هذا لأن من هذا التفكر يستفيد الإنسان فوائد عدة. ولذلك قال: "وذلك أننا إذا فكرنا فيها ونظرنا حالها وأوصافها وانتظامها"، يعني هذه المخلوقات، "ولأي شيء خلقت، ولأي فائدة أبقيت". يعني قوله: "نظرنا حالها"، مثلاً: أنظر إلى الإبل، تفكر في حال هذه الإبل، يعني مخلوقات عظيمة، فلربما طفل صغير يقودها، وذللناها لهم، فمنها ركوبهم، ومنها يشربون، هذا الجمل العظيم، طفل صغير يقوده، هذه آية من آيات الله. رجل بدوي ضعيف يملك مئة إبل، يقودها جميعاً، وتخضع لأمره، هو ضعيف جداً، لو واحد فقط هجم عليه لقتله، ومع هذا، هذا البدوي الضعيف يقود هذه الإبل جميعاً. تفكر في هذا، هذا يحتاج إلى تفكر: من الذي ذللها للإنسان؟ ومن الذي أخضعها له؟ إنه الله عز وجل. فهذا يحتاج منك إلى شكر، ويحتاج منك إلى رد جميل وإحسان إلى من سخرها لك، وهو الله سبحانه وتعالى. وهكذا أوصافها: انظر إلى صفة السماوات والأرض، ما هي عظمة هذه السماوات؟ كم سعتها؟ وكم ارتفاعها؟ وما الذي يمسكها؟ تفكر في هذا. لو تفكرت في كل المخلوق، لا تعجبت من خلق الله عز وجل. "وانتظامها"؟ وانتظامها: انظر الليل والنهار، يأتي الليل ويذهب النهار، ويأتي النهار ويذهب الليل، في أوقات منظمة، أوقات محددة، ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40]. لو تفكرت في هذا النظام الإلهي، لا تعجبت كل التعجب. "ولأي شيء خلقت؟" لماذا خلق الله السماوات؟ لماذا خلق الله الجبال؟ لماذا خلق الله البحر؟ كل هذا تسخيراً لهذا الإنسان، ينتفع منها، ينتفع منها ويستفيد منها. أفادنا هذا التفكر في علمين، أو علمين جليلين. طيب، نترك هذا للدرس القادم، إن شاء الله، في محاضرة، نختصر الدروس إن شاء الله، إلى هنا، والله الموفق.