الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 284، ألقاها
شرح حديث "من الشعر حكمة" وبيان أن الشعر ليس كله سواء، بل منه ما هو جائز وما فيه حكمة، ومنه ما هو فسق ومجون. بين أن الحكمة في الشعر تعني القول الصادق أو المنع.
ناقش المقطع جواز الشعر في الإسلام مستندا إلى أدلة من السنة النبوية وإجماع أهل العلم، ويشير إلى أن الشعر جائز إذا خلا من المحاذير الشرعية. ذكر أمثلة من الصحابة الذين كانوا ينشدون الشعر.
شرح الحديث النبوي «إن من الشعر حكمة» وبيان أن الشعر يمكن أن يكون محمودا إذا اشتمل على ذكر الله وتوحيده، ويمكن أن يكون مذموما إذا تضمن أمورا محرمة. ذكر حديثا آخر يدل على جواز مدح الله بالشعر.
بين جواز الشعر الذي يحتوي على الثناء على الله وتعظيمه، مستدلاً بمواقف النبي عليه الصلاة والسلام. النبي أقر شعراً يحتوي على هذا المعنى ولم يعترض عليه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله من كتابه «الأدب المفرد»، باب «من الشعر حكمة»، قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا أبو عامر قال: حدثنا أيوب بن ثابت، عن خالد، هو ابن كيسان، قال: كنت عند ابن عمر، فوقف عليه إياس بن خيثمة، قال: ألا أنشدك من شعري يا ابن الفاروق؟ قال: بلى، ولكن لا تنشدني إلا حسنا، فأنشده حتى إذا بلغ شيئا كرهه ابن عمر، قال له: أمسك. هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: «باب من الشعر حكمة»، وأراد أن يذكر في هذا الباب ما يتعلق بحكم الشعر، وأتى بلفظ الترجمة بلفظ حديث ثابت عن نبي عليه الصلاة والسلام، وهو في صحيح الإمام البخاري من حديث أبي بن كعب، وسيأتي ذكره في هذا الباب. «من الشعر حكمة» وأراد أن يبين أن من الشعر ما هو جائز، بل ما فيه حكمة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. ومن الشعر حكمة تبعيضية، أي أن من الشعر ما هو حكمة، ومنه ما ليس بحكمة. من الشعر ما هو فسق ومجون وضياع، بل ومنه ما هو إلحاد وزندقة وخروج عن دين الله وعن شريعة الله. ومن الشعر ما فيه حكمة، والحكمة قيل: هي القول الصادق الموافق للواقع. وقيل: المراد بالحكمة هي بمعنى المنع. وأصل الحكمة أو لفظ الذي فيه الحاء والكاف والميم تدل على المنع. منه الحكمة وهي ما يوضع في لجام الدابة حتى تمنعها من الإسراع. فقيل: المراد «من الشعر حكمة»، أي من الشعر ما فيه نفع، ويمنع صاحبه من الوقوع في الحرام والفسق. فالشاهد المراد أن من الشعر ما فيه حكم ومنافع، وكذلك أيضا ما هو ممدوح مما فيه ثناء على الله وذكر التوحيد، وتعظيمه، وغير ذلك من المعاني الحميدة. وذكر هذا الأثر أن ابن كيسان قال: كنت عند ابن عمر، فوقف عليه إياس بن خيثمة، قال: ألا أنشدك من شعري يا ابن الفاروق؟ قال: بلى، ولكن لا تنشدني إلا حسنا. وهذا هو الشاهد في قوله: «لا تنشدني إلا حسنا»، يعني أن من الشعر ما هو حسن. قال: فأنشده حتى إذا بلغ شيئا كرهه ابن عمر، قال له: أمسك، يعني أمسك عن إلقاء الشعر وأوقفه، رضي الله تعالى عنه. لكن هذا الأثر لا يصح، ففيه أيوب بن ثابت وهو لين الحديث، وخالد بن كيسان مقبول. لكن من حيث جواز الشعر، فتدل عليه أدلة كثيرة سأتي معنا شيء منها مما هو ثابت عن نبي عليه الصلاة والسلام في سماع الشعر، وهكذا في حثه لحسان بن ثابت بإلقاء الشعر وهجاء المشركين، وغير ذلك من الآثار كثيرة. وقد نقل الإمام عبد البر رحمه الله إجماع أهل العلم على جواز الشعر إذا خلا من محذور، إذا خلا من المحاذير الشرعية، بأن لا يكثر منه في المساجد، وكذلك إذا خلا من الهجاء الممنوع، وكذلك خلا من الكذب الذي يستعمله الشعراء في المدح أو الذم، فإنه في الأصل إذا خلا من ذلك أنه جائز. وقد كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يتناشدون الأشعار في مجالسهم، كما صح ذلك عنهم في كثير من الآثار. قال: حدثنا عمرو بن مرزوق، قال: أخبرنا شعبة، عن قتادة، أنه سمع مطرفا، قال: صحبت عمران بن حسين من الكوفة إلى البصرة، فكل منزل ينزله إلا وهو ينشدني شعرا. وقال: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب. وهذا الأثر فيه أن عمران بن حسين رضي الله تعالى عنه صحابي جليل، صحب مطرفا من الكوفة إلى البصرة، فكان قل أن ينزل منزلا -يعني الاستراحة- إلا وينشده شعرا، يعني كان يحفظ شيئا من الشعر وكان ينشده، رضي الله تعالى عنه. وهذا يدل على أن من الشعر ما هو مباح. وقوله: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب»، المعاريض جمع معراض، والمعراض هو أن يأتي المتكلم بكلام محتمل يفهم منه السامع خلاف مراد المتكلم. وقوله: «في المعاريض لمندوحة عن الكذب»، يعني فيه بديل واستغناء عن الكذب. بدل من أن يكذب فإنه يأتي بالمعاريض، وينبغي استعمالها عند الحاجة. كان يقال مثلا: أين فلان؟ أو هل فلان في البيت؟ فيقول: لا، غير موجود في هذا المكان، ويشير إلى يده، يعني في هذا المكان في يده غير موجود، هذا فيه تعريض، تعريض وليس بكذب صريح، أو ليس من الكذب. لكن ينبغي أن لا يكثر من استعماله خشية أن يقع في الكذب، لكن يستخدمها عند الحاجة، ففيها غنية عن الكذب. قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن، أن مروان بن الحكم أخبره، أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أخبره، أن أبي بن كعب أخبره، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من الشعر حكمة». وهذا الحديث صحيح، هو في صحيح البخاري، وعليه بواب الإمام البخاري رحمه الله هذا الباب «من الشعر حكمة». فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من الشعر ما فيه حكمة، وذلك إذا كان الشعر فيه ذكر لله سبحانه وتعالى، وذكر توحيد الله، وتعظيمه، وكذلك فيه حث على طاعة الله وترغيب في ذلك، وحث على التمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو نحو ذلك من الأمور الحسنة، فإن هذا من الشعر المحمود، هذا من الشعر الممدوح. وأما إذا كان على خلاف ذلك، فهو من الشعر المذموم، وليس من الحكمة ما كان فيه مثلا ثناء على المحرمات كالخمر، أو وصف النساء والغزل، أو كذلك فيه ذكر لعيوب الناس ونحو ذلك من هذه الأمور، فهو من الشعر المذموم. ففي هذا الحديث بيان لجواز الشعر، أن من الشعر ما هو مباح، وفيه حكم ومنافع. قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا أبو همام محمد بن الزبرقان، قال: حدثنا يونس بن عبيد، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، قال: قلت: يا رسول الله، إني مدحت ربي عز وجل بمحامد، قال: «أما إن ربك يحب الحمد». ولم يزده على ذلك. والأثر أو هذا الحديث حسن، حسنه علام الألباني رحمه الله. وفي هذا الحديث أن الأسود بن سريع رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، إني مدحت ربي عز وجل بمحامد، يعني أثنيت على الله عز وجل بثناء. وأصل الحمد هو الثناء على الله عز وجل مع المحبة والتعظيم. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه أثنى على الله عز وجل بأبيات من الشعر بذكر أسماء الله وصفاته، وذكر عظمته عز وجل ونعمه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أما إن ربك يحب الحمد»، أي أقره النبي عليه الصلاة والسلام على قول الشعر. وهذا فيه دليل على جواز الشعر، أن من الشعر ما هو جائز، وما كان فيه هذا المعنى، معنى الثناء على الله سبحانه وتعالى، وتعظيم الله عز وجل وتمجيده، فإن ذلك من الشعر الممدوح، فقد قره النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «أما إن ربك يحب الحمد». قال: ولم يزد على ذلك. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.