التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 59

التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 59

الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 59، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

القاعدة الثامنة والعشرون: الاحتراز في آيات الإفساد والصم

يشرح المقطع القاعدة الثامنة والعشرين في ذكر الأوصاف مستعرضاً آية النمل التي احترزت بعبارة «ولا يصلحون» لنفي الخير عن المفسدين، وآيات الصم التي احترزت بـ «إذا ولوا مدبرين» لبيان نهاية الإعراض. ويبين كيف يأتي الاحتراز القرآني دقيقاً في نفي الصلاح والقبول عن المعرضين.

تشبيه المعرضين بالصم وبيان طبيعة الصمم المعنوي

يفسر المقطع تشبيه القرآن للمعرضين عن الحق بالصم الذين لا يسمعون الدعاء بالإشارة بسبب إعراضهم العمدي، مبيناً أن هذا الصمم معنوي لا حسي. ويوضح أن هذا الوصف يصور حال من أعرض عن آيات الله فلم ينتفع بها.

حكمة الله في الهداية وكونها بأسباب لا جزافاً

يبيّن المقطع أن هداية الله تعالى ليست عشوائية بل تابعة لحكمته وعلمه بمن يصلح للهداية كما دلت الآية «وهو أعلم بالمهتدين». ويؤكد أن الهداية لها أسباب ومن اتبع سبيلها هداه الله ومن أعرض لم يُهدَ وهذا من وضع الأشياء مواضعها.

الاحتراز في الرواية والاكتفاء بالواحد من الكثير

يشير المقطع إلى ذكر احتراز في سياق الرواية حيث رأى الراوي أشياء كثيرة من نوع معين ويكتفى بذكر واحد منها. ويختتم الدرس بالدعاء والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال المؤلف رحمه الله: القاعدة الثامنة والعشرون في ذكر الأوصاف. منتهين من القاعدة، قال المؤلف رحمه الله: ومنها قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: 48]. ربما وقع في الذهن أنهم يفسدون وقد يصلحون، أزال هذا بقوله: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، أي: لا خير فيهم أصلًا مع شرهم العظيم. طيب، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، على آله وصحبه، الله وبعد. من أمثلة الاحترازات أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ﴾، فقد يتبادر إلى الذهن أن هؤلاء إفسادهم إفساد جزئي، يعني: يفسدون في أشياء ويصلحون في أشياء أخرى، فقد بعض الناس يتصف بهذا. فمثلًا: مفسد في باب الأخلاق، لكنه مصلح في باب المعاملات، أو مفسد في باب العبادة، لكنه مصلح في باب الأخلاق، قد يكون ذلك. فحتى يرفع هذا الوهم، احترز بقوله: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، أي: لا خير فيهم أصلًا، ففسادهم فساد لا صلاح فيه، لا صلاح فيه بأي وجه من الوجوه. فذكر قوله ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ من أجل رفع الوهم، ومن أجل ما قد يعلق في الذهن أن عندهم شيئًا من الصلاح أو الإصلاح. نعم، ومنها أنه قال في عدة مواضع: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [النمل: 80، والروم: 52، وفاطر: 22]. ربما يتوهم أحد أنهم وإن لم يسمعوا فإنهم يفهمون الإشارة، أزال هذا الاحتمال بقوله: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: 80]. فهذه حالة لا تقبل سماعًا، لا تقبل سماعًا ولا رؤية لتحصل الإشارة، وهذا نهاية الإعراض. نعم، يعني قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾، يعني: ما تدعوهم به من الحق ومن الهدى، فإنهم مثل الصم لا يسمعون، الصم الذي لا يسمع. طيب، فهم لا يقبلون منك هذا الحق. قد يتبادر إلى ذهن أحد أنهم لا يفهمون بالسمع، لكن قد يفهمون بالإشارة، قد يفهمون بالإشارة، يعني: إذا أشرت إليه قد يفهمك، لكن إذا كلمته لأنه ما يسمع ما سيفهمه. الصم الآن لما تتكلم عنده ما يفهمه لأنه ما يسمع أصلًا، لكن لهم إشارات خاصة، صح؟ لهم إشارات خاصة. فقد يقول قائل: نعم، هم ما يسمعون، لكنهم قد سيفهمون بالإشارة. فاحترز ربنا عز وجل من ذكر هذا الوهم، فقال: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، بمعنى أنهم لا يفهمون لا بالسماع ولا بالإشارة، إذا كان ولوا... ها، بهذه التولية ما يفهمون منها شيئًا، ما يفهمون منها شيئًا. فهم مغلقون. طبعًا هذا الصم هو شيء معنوي، ليس شيء حسي. يعني الآن الكفار، الكفار أو المنافقون، الرسول صلى الله عليه وسلم يخاطبهم ويكلمهم ولكن لا يستجيبون، فما مثلهم إلا كمثل ماذا؟ الصم الذي لا يسمع، الذي لا يسمع. فهم لا حيلة لك فيهم، سواء كلمتهم باللسان أو أشرت إليهم بالبنان، لا فائدة، لأن الإدبار إشارة. ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، قال: فهذه حالة لا تقبل سماعًا ولا رؤية لتحصل الإشارة، وهذا نهاية الإعراض. هذا غاية في الإعراض. الصم ربما يفهم بالإشارة، لكن هؤلاء ما يفهمون لا بالكلام ولا بالإشارة، لأنهم أصلًا معرضون، ما يريدون أن يفهموا، وما يريدون أن يعرفوا الحق. فما مثلهم إلا كمثل الأصم، بل وأشد، وأشد من الأصم. نعم، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56]. ربما توهم أحد أن هدايته تقع جزافًا من غير سبب، أزال هذا بقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: 56]، أي: بمن يصلح للهداية لزكائه وخيره ممن ليس كذلك. فأبان أن هدايته تابعة لحكمته التي هي وضع الأشياء مواضعها. ومن كان حسن الفهم رأى من هذا... حسن الفهم، حسن هنا اسم ليس فعل. ومن كان حسن الفهم أو حسن الفهم كان هو حسن الفهم، ومن كان حسن الفهم رأى من هذا النوع شيئًا كثيرًا. نعم، ختم بهذا المثال، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. فقد يتبادر إلى ذهن بعضنا أن الله عز وجل يهدي من يشاء جزافًا. أيش معنى جزافًا؟ يعني: اعتباطًا، بدون سبب. جزافًا يعني أن تفعل الشيء هكذا بدون حكمة ولا سبب، ولا سبب. فأزال الله عز وجل هذا التوهم بهذا الاحتراز، فقال: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، أي: أن هدايته ليست جزافًا، وإنما هدايته تكون لمن يصلح للهداية واتبع سبيل الهداية. فمن اتبع سبيل الهداية وأخذ بأسباب الهداية هداه الله، هداه الله عز وجل. وأما من ابتعد عن أسباب الهداية فالله عز وجل لا يهديه. فإذا الهداية لها أسباب، ليس الله عز وجل يعطيها من يشاء جزافًا، يعني: من غير سبب، من غير سبب. فرفع هذا التوهم بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، أي: بمن يصلح للهداية لزكائه وخيره ممن ليس كذلك. فأبان أن هدايته تابعة لحكمته، يعني: ما هناك شيء من فعل الله عز وجل بدون حكمة سبحانه وتعالى، فلا يكون في خلقه شيء عبثًا، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]. فتعالى الله الملك الحق. فالله عز وجل ما خلق الخلق، وما هدا من هدا، ولا أضل من أضل، وما أضل من أضل إلا لحكمة، علمها من علمها وجهلها من جهلها. فهذا معنى قوله: فأبان أن هدايته تابعة لحكمته التي هي وضع الأشياء مواضعها. فهو يعرف من يصلح للهداية فيوفقه لأسباب الهداية، ويعرف من لا يصلح للهداية فلا يوفقه لأسباب الهداية. ثم قال: ومن كان حسن الفهم رأى من هذا النوع شيئًا كثيرًا. يعني: إنما هذه أمثلة يسيرة ذكرها المؤلف رحمه الله، ومن تأمل القرآن لوجد أمثلة غير هذه الأمثلة. فأنتم بكره إن شاء الله، كل واحد يأتي بمثال جديد. تمام، فيه ذكر احتراز، لأن هنا قال: يعني رأى من هذا النوع شيئًا كثيرًا، فنحن نريد بس الواحد يأتي بواحد من الكثير. طيب، إن شاء الله، إلهنا سبحانه الله.