الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 276، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
توضح السورة أنها مكية وتفتتح بأقسام عظيمة على البعث والنشور، مع ذكر خلاف القراء في عدد آياتها. كما تفصل القراءتين "الناخرة" و"النخرة" وتفسر آية موسى الكبرى بأنها عصاه التي صارت حية ويده البيضاء مما أدى لإيمان السحرة.
تفسر "الناخرة" بأنها العظام البالية المجوفة، وتصف أحداث يوم القيامة بدءاً من النفخة الأولى (الراجفة) التي ترجف الأرض والجبال. ثم تذكر النفخة الثانية (الرادفة) للبعث بعد أربعين، مع هول ذلك اليوم وبروز الجحيم للكافرين.
يسخر المشركون من البعث قائلين "أيان مرساها" مستبعدين العودة بعد التحول إلى عظام، ويبين أن علم الساعة مختص بالله وحده. ويوضح أن الكافرين سيرون حياتهم الدنيا وكأنها لم تطل إلا عشية أو ضحاها فيتحسرون على ما فاتهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: سورة النازعات. قال: سورة والنازعات. وهذه سورة هي من السور المكية باتفاق العلماء، التي نزلت في مكة، وسميت بالنازعات بغير واو، والنازعات. وذكر بعضهم لها تسمية وهي الساهرة، ومنهم من قال الطامة، لكن هذا على ذكر هذه الكلمات، وأنها لم تذكر في شيء من القرآن إلا في هذه السورة. لكن المشهور: والنازعات، أو النازعات، سورة النازعات. وهذه السورة ابتدأها ربنا جل وعلا بهذه الأقسام العظيمة بمخلوقات الله جل وعلا، إما الملائكة وإما غيرها مما ذكر في التفسير. وهذه الأقسام كلها ذكرها وأقسم على البعث، وعلى أيضاً النشور. ثم ذكر إنكار الكفار للبعث، وذكر بعد ذلك الأدلة والحجج عليهم في هذا الأمر، وأنه كائن. وذكر أيضاً بعض صفات أهل الجنة وصفات أهل النار، وغيرها مما ذكره ربنا جل وعلا في هذه السورة. وعند أكثر القراء أنها خمس وأربعون آية، وعند أهل الكوفة ست وأربعون، خاصة في قراءة عاصم. قال: وقال مجاهد: الآية الكبرى عصاه ويده. وفي بعض النسخ قبل هذه: زجرة، قال: صيحة. لكن هنا ذكر الآية الكبرى، فأراه الآية الكبرى، أي: أرى موسى فرعون الآية الكبرى، وآيته الكبرى عصاه ويده. عصاه لما صار كالحية تسعى، حية حقيقية، ليس كحيات السحرة التي يسحرون عين الناس، وإنما هذه حقيقة. ولهذا لما رأوها السحرة عرفوا أن هذا ليس بسحر، عرفوا أن هذا ليس بسحر بل هذا حقيقة، فآمنوا مع موسى وهارون. فلهذا قال: فأراه الآية الكبرى، فكذب وعصى. أراه العصى لما صارت حية، وأدخل يده فإذا هي بيضاء ليس فيها شيء من السوء. قال: يقال الناخرة والنخرة سواء، مثل الطامع والطمع، والباخل والبخيل. أنا يريد أن معناهما واحد: الناخرة والنخرة. وإلا فهذه اسم فاعل: الناخرة، وهذه صفة مشبهة: النخرة، لكن معناهما واحد، مثل الطامع والطمع، والباخل والبخيل، أو الباخل والبخل. وجاء في بعض النسخ: والناحل والنحل. قال: وقال بعضهم: والنخرة البالية، والناخرة العظم المجوف الذي تمر فيه الريح فينخر. فالنخرة: أي ذا كنا عظاماً نخرة. هذا على قراءة عاصم، قراءة الكوفة، وقراءة عاصم: ناخرة في رواية ببكر، قراءة نخرة وهي قراءة أكثر القراء، أو أقصد بالعلف قراءة الكوفيين إلا عاصماً، والبقية قرأوها نخرة. لكن أكثر الصحابة جاء عنهم أنها ناخرة، ويقرأون بناخرة. وكلها سواء عن هذه القراءة، وهذه القراءة كلها صحيحة. فالناخرة هي العظم الذي يمر به الريح، العظم المجوف الذي ليس فيه شيء، فتمر به الريح فينخر. معنى: يكون له صوت، الصوت هذا يسمى نخر. والنخر: البالية. وكل المراد به أنها عظام قد ماتت، مات أصحابها قديماً. ﴿ أَيْذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً * قَالُوا تِلْكَ إِذَا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ * فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ﴾. معنى: الله عز وجل يرجف هذه الأرض كما جاء في بداية السورة: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ﴾. أو قال الله عز وجل بعدما أقسم بالنازعات غرقاً، والناشطات نشطاً، والسابحات سبحاً، فالسابقات سبقاً، فالمدبرات أمر: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ﴾. الراجفة هذه هي النفخة الأولى، النفخة الأولى وهي نفخة الصعق. ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ﴾ التي تهز الأرض هزة عظيمة، ليس كهزة الزلزال، بل هزة أكبر من هذا. فهي ترجف الأرض: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً ﴾. أنا تصير هذه الجبال الشامخة والجبال الراسية تصير كثيباً مهيلاً بهذه الرجفة. فهي رجفة عظيمة، فتجعل الأرض تهتز هزة كبيرة، حتى الجبال تسقط، هذه الجبال وتصير كثيباً مهيلاً كما أخبر الله عز وجل. فقال: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ﴾. لهذا جاء في حديث أبي بن كعب أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقوم في الليل فيقول: «يا أيها الناس قد جاءت الراجفة تتبعها الراجفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه». فالراجفة هي الموت الصعق، نفخة الصعق، ترجف الأرض ويصعق الناس. والراجفة والراجفة... الراجفة هي التي ترجف بعدها، وهي نفخة البعث، كما تقدم معنا في سورة عم: أن بينهما أربعين، بينهما أربعين، أي بين النفخة الأولى والنفخة الثانية، نفخة الصعق ونفخة البعث. فقال الله عز وجل: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴾، خائفة لشدة الهول. فلهذا ذكر الله عز وجل في هذه السورة ما يحصل من هول يوم القيامة وشيء عظيم، حتى قال جل وعلا: ﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ ﴾. أي ظهرت الجحيم، ورآها المجرمون، ﴿ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ ﴾ أي أمامهم، ورعوها أمامهم. ثم ذكر الله عز وجل أن من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى، وغيرها من الآيات التي ذكرها ربنا جل وعلا في عقاب، وفي أيضاً مآل هؤلاء الذين كذبوا بذلك اليوم العظيم. قال: وقال بعضهم: النخرة البالية، والناخرة العظم المجوف الذي تمر فيه الريح فينخر. وقال ابن عباس: الحافرة إلى أمرنا الأول، إلى الحياة. ﴿ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ﴾. حافرة: أي الأمر الأول، وهو التراب. عنها يقولون: إذا كنا عظاماً، أمعنى إذا بلينا وصرنا عظاماً نرد مثل ما كنا أولاً، ونحيا بعد أن كنا في الحفرة. قالوا: ﴿ قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ﴾. قال: وقال غيره: أيان مرساها، متى منتهاها؟ معنى: متى منتها هذا الذي تذكرونه من الساعة؟ ﴿ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴾. والمرسى هو مرسى السفينة حيث تنتهي السفن. ﴿ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴾: معنى منتها هذه الساعة، متى سيكون منتهاها؟ والله عز وجل قد قال: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ﴾. وقال في سورة الأعراف: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ﴾. يعني: لا يظهرها ويظهر آياتها إلا هو سبحانه وتعالى، وهو أعلم بذلك. ما المسئول أعلم من السائل، أو بأعلم من السائل، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل. فقال الله عز وجل حاكياً عن هؤلاء الذين كذبوا: ﴿ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴾. يقولون: متى يكون هذا، هذا الذي ينتهي به العالم، وينتهي به الدنيا، ويكون هناك دار آخرة؟ فالله عز وجل ذكر أنها علمها عند الله، كما قال الله عز وجل في هذه الآية: ﴿ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ﴾. ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴾. أي: في ذلك اليوم يتيقنوا أنهم لم يلبثوا إلا شيئاً يسيراً في هذه الحياة. قال الله عز وجل: ﴿ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴾. العشية هي غالباً ما بين العصر إلى المغرب. قيل: العشية أيضاً ما بين الظهر إلى المغرب. عشية أو ضحاها: وهو وقت الضحى. أنا شيئاً يسيراً، لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، كما ذكر الله عز وجل: ﴿ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ﴾ كما في سورة إبراهيم. فلهذا فهذه ساعة فقط، معنى الشيء والساعة المراد به الزمن اليسير. لما يرون تلك الأهوال وتلك الأمور العظيمة، يرون هذه الدنيا التي عاش بعضهم فيها مئة سنة أو أكثر من ذلك، يرون أنها شيئاً يسيراً قد ذهب، وأنهم ما عاشوا تلك الفترة إلا ساعة من نهار. فلهذا فربنا جل وعلا يحذر هؤلاء وينذرهم بما سيلقون يوم القيامة من الأهوال العظيمة. فقال: وقال غير: أيان مرساها، متى منتهاها؟ أي: مرسى السفينة حيث تنتهي، أنا حيث تنتهي السفينة. فهذه بعض الكلمات التي ذكرت في هذه السورة. فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.