شرح كتاب التوحيد 168

شرح كتاب التوحيد 168

الدرس في شرح كتاب التوحيد 168، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في شرح باب المحبة

يبدأ الشرح ببيان أهمية مقام المحبة في الدين وتناول قول الله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله﴾ كعنوان للباب. يُبين أهمية المحبة في الإسلام.

صور المحبة في الإسلام

المحبة في الإسلام لها صور متعددة تشمل محبة الله، ومحبة دينه وشريعته، ومحبة الصالحين والأنبياء والرسل في الله. هذه المحبة تعتبر من مقامات الإيمان العظيمة.

أنواع المحبة المتعلقة بالله تعالى

تنقسم المحبة المتعلقة بالله إلى ثلاثة أنواع: محبة الله، ومحبة في الله، ومحبة مع الله. النوعان الأول والثاني مرغب فيهما، بينما النوع الثالث يعتبر محبة شركية.

ختام بالصلاة على النبي

يختتم الشرح بالدعاء بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه والتسليم، وهي عبارة دينية شائعة الاستخدام في الختام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب، قال: وقول الله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، لكنه بالمقابل لم يذكر له عنوان. قد سبق في الأبواب السابقة تجد أن المؤلف رحمه الله تعالى يذكر لنا الباب مع العنوان، فيقول: باب ما جاء في التنجيم، باب ما جاء في التطير، باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء، إلا أن هذا الباب قال: باب، ما ذكر شيء، ثم قال: وقول الله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله﴾. وهنا اختلف العلماء في فهم هذا التبويب الذي ترك من غير عنوان، ما المراد؟ ما المراد؟ ومن على أقوال ثلاثة. القول الأول: من قال أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد أن يكتب ترجمة وعنوان لهذا الباب، إلا أن المنية وافته، مات رحمه الله، وما استطاع أن يترجم هذا. احتمال. الاحتمال الثاني: قال العلماء أن المؤلف رحمه الله إنما ترك هذا الباب بلا ترجمة لأنه سابق للذي قبله، أي أن هذا كالملحق لما قد مضى ذكره من الباب السابق. ومنهم من قال: بل المؤلف رحمه الله قد عنوانًا وبوابًا وترجم، وأين الترجمة؟ قال: الآية، الآية، الآية هي الترجمة والعنوان لهذا الباب، فيكون المعنى أن المؤلف رحمه الله تعالى قال: باب قول الله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله﴾، فهو رحمه الله تعالى جعل الآية هي التبويب. وهذا نعم محتمل، وهو الاحتمال الكبير، وهذا هو الاحتمال الكبير؛ لأنه فعل هذا ليس فقط في هذا الباب، في هذا الباب والذي بعده، والذي بعده يذكر باب ثم يذكر آية. فعلى القول الصحيح: يحمل على أن المؤلف رحمه الله تعالى إنما ترجم بهذه الأبواب بهذه الآيات. ومن سينظر في هذا الباب الذي هو معنى، وما سيأتي من الأبواب القادمة بإذن الله، يجد أن المؤلف جعلها في بعض الأمور التي بها يتعامل الخلق مع الله، فذكر مثلاً المحبة، وذكر الخوف، وذكر الرجاء، وذكر التوكل، وذكر الصبر. إذن ما المراد؟ أن المؤلف رحمه الله تعالى أورد لنا هذه الأبواب على هذا النسق. قال العلماء: أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يذكر لنا مكملات التوحيد، مكملات التوحيد الذي ينبغي أن يتخلق بها كل مسلم ومسلمة وموحد في تعامله مع ربه، فأشار في هذا المقام إلى مقام المحبة، ثم يشير إلى مقام الخوف، ثم يشير إلى مقام التوكل، وغيرها من المقامات التي أشاد بها الإسلام، وهي من أعظم ما ينبغي أن يتعامل به الخلق مع الله سبحانه وتعالى. إذن سنحن في هذه الدروس، وما سيأتي سنسير مع المؤلف في ذكر الأبواب المتعلقة بكمال التوحيد. في هذا الباب الذي بين أيدينا، ومن خلال العنوان في قول المؤلف رحمه الله: باب قول الله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله﴾، إشارة إلى أن المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب سطره وجعله لمسائل المحبة، لمسائل المحبة. ولماذا بدأ المؤلف على القول الصحيح في مكملات التوحيد بمقام المحبة؟ مقام المحبة من أعظم مقامات الدين. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "قال: محركات القلوب إلى الله ثلاثة، أي: هذه المقامات الثلاثة من أعظم المقامات للعباد دفعًا إلى الله. قال: محركات القلوب إلى الله ثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء، وأقواها المحبة، وأقواها المحبة، وهي مقصودة لذاتها، ولأنها يراد بها في الدنيا والآخرة". فالشاهد أن مقام المحبة من أعظم مقامات الدين، والذي بها يكون تحرك القلوب إلى رب العالمين. ولا أدل الإخوان في الله على عظيم مقام المحبة في الدين؛ إذ أنها هي الأس والأساس في باب العبادة. العبادة هي قوام الدين، ما يقوم دين الله إلا على العبادة. يا ترى ما هي العبادة؟ العبادة هي التأله والتذلل لله مع المحبة والخضوع، هذا هو أصل العبادة كما ذكر ذلك أهل اللغة في العربية. ولهذا التأله بمعنى التعبد لله: "در الغانيات المده سبحنا واسترجعنا من تأله"، أي: من تعبد. وقال العلماء: والتعبد هو التذلل لله مع المحبة، ولابد. فذكروا أن العبادة ما تقوم إلا على ركنين أساسيين، ولا يكون عابدًا لله إلا بهما. وما هما؟ غاية الخضوع مع غاية المحبة، حينها يا عبد الله تكون عبدًا لله حقًا وصدقًا. غاية الخضوع: خاضع، خاشع، خانع لله، مستسلم لشرعه ولدينه فقط، لا مع، مع الغاية المحبة والإجلال والإعظام والتوقير لله جل وعلا. فمن جمع بين أمرين اثنين فيكون عابدًا لله، فدل ذلكم على أن مقام المحبة لله من أعظم المقامات. وهنا إخواني في الله نأتي إلى مسألة مهمة، وهي مسائل وصور المحبة المتعلقة بالله. ذكر العلماء أن المحبة المتعلقة بالله لها عدة صور. الصور الأولى: محبة الله، محبة الله بمعنى الإجلال والإعظام والتوقير والتقدير لرب الأرباب جل في علاه، أن يملأ قلبك المحبة والإعظام لله عز وجل. ومن هنا لعظم هذه المحبة جعلها العلماء شرطًا من شروط لا إله إلا الله. لا إله إلا الله القيام بها بشروط، وقد أشار العلماء إلى سبعة شروط من شروط لا إله إلا الله مأخوذة من الكتاب ومن السنة. ومن شروط لا إله إلا الله: المحبة المنافية للبغض. فمن أراد أن يقوم بلا إله إلا الله ينبغي أن يكون محبًا لله، محبًا للتوحيد، محبًا لربه سبحانه وتعالى. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه». هذا هو المحبة. والنوع الأول من أعظم صور المحبة في الله: أن يكون المحبة محبة الله. ويتفرع من هذا المقام إخواني في الله ما يكون من محبة دينه، يتفرع من المحبة محبة الله ما يكون من محبة دينه وشريعته وإسلامه. فعلى قدر محبتك للدين تكون محبتك لرب العالمين على قدر محبتك للدين تكون. وهذا برهان على مقدار محبتك لله جل وعلا. ولهذا أهل النفاق وأهل الكفر والشقاق عندما أخفوا ما في قلوبهم من الكره والبغض لله أظهر الله ذلك في تعاملهم مع العبادات. قال سبحانه: ﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم﴾. فالذي عنده كره وبغض وسخط لدين الله ولشرعه وهو في حقيقة أمره كره الله جل وعلا. ومن هنا يا عبد الله عليك أن تنظر في هذا المقام في تعاملك مع الدين ومع الشريعة. فالمسلم عليه أن يكون محبًا لكل ما أنزله الله عز وجل؛ لأن محبة الدين هي من محبة الله سبحانه وتعالى. هذا النوع الأول من أنواع المحبة المتعلقة بالله: محبة الله. النوع الثاني من أنواع المحبة: المحبة في الله، والمحبة في الله هي أن تكون في محبة الصالحين، في محبة الأنبياء، في محبة الرسل، في محبة الأخيار. ومنه من أتى بضابط قال: المحبة في الله أن تحب كل ما أحبه الله. فمن أحب ما أحبه الله فهذه المحبة في الله، وهي من المقامات العظيمة، من المقامات العظيمة. فالله جل وعلا أحب أزمنة، أحب أماكن، أحب أشخاص، أحب أوصاف، فانظر يا عبد الله كيف في تعاملك معها؛ لأن الله سيعاملك بالمثل، سيعاملك الله بالمثل. ولهذا عندما زار ذلكم الرجل أخًا له في الله فأرسل الله جل وعلا ملكًا في مدرجته، فسأله الملك: إلى أين تذهب؟ قال: إلى فلان. قال: لما؟ هل لك من نعمة ربها عليه؟ قال: لا، إلا أني أحبه في الله فقط، أحبه في الله؛ لأنه من أهل الصلاح. أحببته لله وفي الله. فقال هذا الملك: إن الله قد أحبك كما أحببته. يعامل الله جل وعلا العباد كما ترى من تعاملك مع ما يحبه الله سبحانه وتعالى، ويذوق حينها الإنسان حلاوة الإيمان. «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله». هذه المحبة في الله: تحب الناس لأن الله يحبهم فقط، تحبه لهذا. فنحن في هذه البلاد عندنا الآلاف من البشر، هل كلهم تحبهم؟ حين الاختيار يا عبد الله إذا أردت أن تختار صحبة انظر للصحبة التي يحبها الله فأحبهم. يحب الله جل وعلا أهل المساجد، يحب الله أهل الصلاة، يحب الله أهل الصلاة، فأحبهم أنت، فإن أحببتهم تؤجر، تؤجر يا عبد الله لما كان من محبتك لهم. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله». هذا إذا فعلها الإنسان قد بلغ القمة في الإيمان. لا تحب ما تحب شيئًا في هذه الدنيا إلا وهي من محبوبات الله. لا تحب زمان، لا تحب مكان، لا تحب أشخاص، لا تحب كلام، لا تحب مقال، ما تحب شيء إلا إذا كان شيئًا محبوبًا عند الله، هذا عروة الإيمان، قوة الإيمان. فـ«أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله». فهذا إخواني، وبهذا نعلم خطأ ما عليه كثير من الناس من جعل الروابط التي في قلوبهم تربطهم بغيرهم لا على أساس الدين، بل هي نعرات عصبية كالنزعات القبلية والطائفية والحزبية. ولربما يحب شخص إنسانًا إنما يحبه لأنه وافق هواه هذا فقط، ثم يقول: هذه محبة في الله. لا يعبد الله كون صادق ما أحببته لله في الله، وإنما أحببته لأنه وافق هواه. بدليل إن خالف هواك فركته وما بأليت به، مع أنه على صلاحه هو هو ما تغير. فالمحبة في الله إخواني في الله من المقامات العظيمة. ثالثًا من صور المحبة المتعلقة بالله: المحبة مع الله، وهذه من محاب المشركين أن يزاحموا الله جل وعلا في محبتهم مع الله. فإن المشرك ما سيأتي معنا فإنه أحب الله وأحب مع الله ندًا غيره إلهًا غيره، فزاحم المحبة مع الله ومع غير الله. هذه المحبة مع الله هي المزاحمة والمحبة الشركية يبغضها الله، لا يرضاها الله ولا يريدها، بل يحكم على أصحابه بالكفر والشرك. وهذا للأسف قد يقع من بعض الناس في حال من تعلق قلبه بالقبور، تعلق قلبه بالأولياء، لربما يحب الأولياء والأموات كمحبة لله سواء بسواء. لا يا عبد الله أعد نظرًا في هذه المحبة. أعد نظرًا في هذه المحبة. إذن أنواع المحاب المتعلقة بالله على أنواع ثلاثة: محبة الله، ومحبة في الله، ومحبة مع الله. فالأول والثاني مما أمر الله به وندب إليه وحث عليه. وأما الثالث فهو مما حرمه الله. وأما المقام، وهناك نوع من أنواع المحبة، وهذه ليس لها علاقة بالمحبة بالله، وهي المحبة الطبيعية، المحبة الطبيعية وهو التي يعاشر بها الإنسان غيره: محبة الوالدين، محبة الأزواج، محبة المال، محبة الأولاد، محبة الأصحاب. هذه محاب طبيعية. فإن أراد بها التقرب تكون محبة عبادة، تكون عبادة. وهذا المحاب الأصل فيها الجواز إذا خلت عن معصية الله. وكما أشرنا والإنسان يحرص يحرص على أن محابه إن كانت علاقة طبيعية يجعلها تعبدية، فلا يجعل محبته تذهب يمنة ويسرة، وإنما يجعلها لله وفي الله. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «المرء يحشر مع من أحب». أنت تحشر يا عبد الله مع من تحب يوم القيامة. فمن كان قد أحب المغنين والممثلين والمطربين فهو يحشر معهم، ومن أحب الفاسدين والمفسدين فهو يحشر معهم، ومن أحب الملاحدة والفسقة وأهل الفجور والمجون سيحشر معهم، ومن أحب الصالحين يحشر معهم. ولهذا عندما سمع أنس سمع أنس رضي الله تعالى عنه من رسول الله أن المرأة مع من أحب، قال: فأنا أحب أبا بكر وعمر. مباشرة لما سمع أنس أن المرأة مع من أحب يوم القيامة نظر إلى أعظم صحبة، قال: فأنا أحب أبا بكر وعمر، وإني أرجو أن أكون معهم، وهو معهم بإذن الله. ولهذا يا عبد الله انظر في طبيعة علاقتك في محابك مع غيرك، فعليك أن تكون طبيعيًا في محابك واختيارك، ويا حبذا أن يكون ذلك طمعًا لما عند الله حتى تتحصل على الأجر الأخروي. هذه مقدمة مهمة حول مسائل المحبة، وسيأتي معنا في درس غد الدخول في صلب الموضوع والنظر في الأدلة التي استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى على هذا المقام العظيم من مقامات الدين، وهي مقام المحبة لرب العالمين. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.