ليعلم الله من يخافه بالغيب

الخطبة بعنوان ليعلم الله من يخافه بالغيب، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 21 ربيع أول 1445هـ الموافق 6 أكتوبر 2023م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الابتلاء التشريعي وقصة أصحاب السبت تحذيرًا من الحيل الشرعية

يبيّن المقطع مفهوم الابتلاء التشريعي بأن الله يختبر العباد بالأوامر والنواهي، ويضرب مثلًا بقصة أصحاب السبت الذين ابتلوا بتحريم الصيد يوم السبت فلجأوا إلى الحيل. محذرًا من أن الحيل لا تُحل الحرام بل تزيده تحريمًا مستدلًا بأحاديث نبوية في ذم من يستحل المحارم بأدنى الحيل.

أصناف أهل السبت وعبرة الصحابة في عمرة الحديبية

يستعرض المقطع قصة أهل السبت وتقسيمهم إلى معتدين وآمرين بالمعروف وساكتين مبيناً عاقبة كل صنف. ثم يقيس على ذلك ابتلاء الصحابة في عمرة الحديبية بصيد البر فاجتازوا الاختبار بالطاعة محذراً من الاستسلام للمكاسب المحرمة.

تحذير من المكاسب الحرام وفتنة النساء عبر الهواتف

يحذر الخطيب من اكتساب المال الحرام والمشبوه داعياً إلى طيب المطاعم والتحري للحلال والدعاء النبوي. ويستعرض قصة كعب بن مالك ويوسف عليهما السلام كأمثلة على الصبر أمام الفتنة محذراً من سهولة الوصول للمحرمات عبر الهواتف الذكية.

الدعاء الختامي والثناء على الله والصلاة على النبي

يختتم المتحدث بالدعاء بأن يمنح الله النفوس تقواها وتزكيتها مؤكداً أن الله خير من زكاها ووليها ومولاها. ثم يصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه ويختتم بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، اعلموا أنه كما يبتل العبد بالخير والشر، فكذلك يبتلى بالأمر والنهي، وهو ما يسميه العلماء بالابتلاء التشريعي. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. قال الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره: أي ليختبركم أيكم له أيها الناس أطوع، وإلى طلب رضاه أسرع. وجاء في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء». فقوله عليه الصلاة والسلام: «لينظر كيف تعملون»، هل تمتثلون أوامره؟ هل تجتنبون نواهيه؟ وإن البلاء يا عباد الله يعظم ويشتد بتيسير الحرام حتى يكون سهل المنال، ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾، ليعلم الله الصادق في إيمانه، الممتثل لأمر ربه، من الكاذب في إيمانه، المتمرد على أوامر ربه. ولذلك يا عباد الله، فإن لنا عبرة وعظة من قصة أصحاب السبت، هذه القصة العظيمة التي ذكرها لنا ربنا عز وجل في موضع من كتابه في سورة البقرة ذكرها مختصرة مجملة، وفي سورة الأعراف ذكرها مفصلة. فقال سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾. فهي موعظة لنا يا عباد الله كي نعتبر بها. وأما ما جاء في سورة الأعراف، ففي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. وملخص هذه القصة: أن قرية كانت على ساحل البحر، وكانت أرزاقهم ومعايشهم مما يصطادون من هذا البحر، فبسبب فسقهم ابتلاهم الله عز وجل بلاء عظيم، فحرم عليهم الاصطياد في يوم السبت، حرم عليهم ذلك، فابتلاهم الله عز وجل بأن جعل السمك يكثر ويأتي ويظهر في يوم السبت، وفي غيره من الأيام لا يأتي ولا يظهر ولا يكون له أثر. فانقسم أهل هذه القرية إلى ثلاثة أقسام: قسم منهم لم يصبر على هذا البلاء، فاتخذ الحيلة مركبًا له، فتحيل على أمر الله عز وجل. جاءت هذه الطائفة المعتدية فألقت شباكها في يوم الجمعة، وتركت هذه الشباك في البحر، وحفرت الحفر في يوم الجمعة، وتركت تلك الحفر، يأتي الصيد ويقع فيها يوم السبت، ويقع في شباكهم يوم السبت، فلا يأخذون هذا السمك في يوم السبت ظنًا منهم أنهم لا يزالون ممتثلين لأمر الله، فإذا كان يوم الأحد جاءوا وأخذوا ذلك السمك، وسحبوا شباكهم، وأخذوا الأسماك من حفرهم. فاتخذوا الحيلة، وإن الحيل يا عباد الله لا تزيد الحرام إلا حرامًا، فهي أشد وأعظم من مجرد الوقوع في المحرم. ولذلك حذرنا نبينا عليه الصلاة والسلام من اتخاذ الحيل في ديننا، فقد أخرج ابن بطة في كتاب إبطال الحيل، ويحسنه العلامة الألباني، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فاستحلوا محارم الله بأدنى الحيل». وجاء في الصحيح من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «قاتل الله اليهود، لما حرم الله عليهم الشحوم جملوها، أي أذابوها، جملوها وباعوها فأكلوا ثمنها». هذا من الحيل، قالوا: نحن ما نبيع شحمًا، وإنما نبيع سمنًا أو زيتًا، ومن أين هذا الزيت؟ أليس هو من الشحم؟ فاتخذوا هذه الحيل. فحرم الله عز وجل على أمته الحيل، كما سمعت. هذه الطائفة الأولى وقعوا في عين المحرم. وأما الطائفة الثانية، فإنهم امتثلوا أمر الله، وقاموا بما أوجب الله عز وجل عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. قامت هذه الطائفة ونهت تلك الطائفة المعتدية عن فعلها. وأما الطائفة الثالثة، فهي الطائفة الساكتة التي لم تقع في المحظور، ولكنها يئست من الطائفة المعتدية فلم تأمرها بمعروف ولم تنهها عن منكر. فبين الله عز وجل في ختام هذه القصة أنه أنجى الطائفة الآمرة الناهية، وأهلك الطائفة المعتدية، وسكت عن الطائفة الساكتة، والجزاء من جنس العمل. فقال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، أي ذليلين حقيرين. فانظروا كيف ابتلاهم الله عز وجل بهذا البلاء، وانظروا إلى أصناف الناس تجاه تلك الابتلاءات وتلك التيسيرات التي يبتلى بها الخلق. ونظير ذلك وقع لصحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيسر لهم الحرام، ولكنهم رضي الله تعالى عنهم كانوا على مستوى من الإيمان ومن الامتثال والاستجابة، فلم يؤثر فيهم ذلك البلاء. ففي عمرة الحديبية، حرم الله عز وجل على المحرم أن يصيد صيد البر، فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾. فابتل الله عز وجل الصحابة وهم في الإحرام من عمرتهم، فجعل صيد البر بين أيديهم، وجعل صيد البر يكثر في مواقعهم امتلاءً واختبارًا، حتى أن أحدهم يستطيع أن يأخذ ما صغر من هذا الصيد بيده، ويتناوله بيده، ويستطيع أن يرمي برمحه ما كبر من هذا الصيد لكثرته وقربه منهم، ابتلاءً واختبارًا من الله، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فامتثل صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذا الأمر الرباني. أيها المسلمون، عباد الله، وإن الناظر في زمننا هذا يرى التيسير والتسهيل في انتشار المحرمات، لا سيما في باب الأرزاق والمكاسب والمعايش. انظروا إلى البنوك الربوية والمعاملات الربوية، والمكاسب الخبيثة، والأعمال المشبوهة السيئة، والمظالم التي لضعف الوازع السلطاني تجرأ كثير من الناس على حقوق الخلق من سلب ونصب وظلم وصطو ونحو ذلك. انظروا يا عباد الله إلى تلك المكاسب التي ابتلي بها كثير منا، كم من شخص ضاقت عليه الحال فلم يجد طريقًا إلا أن يقترض قرضًا ربويًا، فيضعف ويستسلم لهذا التيسير الذي فتحت أبوابه وسهلت معاملاته. أخي المسلم، وإن ضاقت بك الحال، فاكتفي بما يسر الله عز وجل لك من الحلال، ولا يغرنك الشيطان، ولا تستسهل كسبًا محرما ولو كان يسيرًا، فالأبوان أخرجا من الجنة بأكلة واحدة، فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، فأهبطا من الجنة بهذه المعصية، وهي كسب محرم وأكلة محرمة، فكيف بأكلات، وكيف بأموال كثيرة يكتسبها المرء من الحرام؟ أخي المسلم، كم من شخص لربما ضاع عليه مال، فيتحسر ويلجأ إلى طرق محرمة في معرفة مكان هذا المال، فلربما ذهب إلى العرافين وإلى الكهان، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من أتى كاهنًا وعرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد». ابتلاء واختبار. كم من شخص يا عباد الله لربما يبيع الخبائث في دكانه من السجائر أو القات أو غيرهما، فإذا نصح، سول له الشيطان أن الحركة التي في دكانه، وأن جلب الزبائن الذين يترددون على دكانه، إنما هو بسبب هذه السجائر أو هذه الخبائث، فإذا أراد أن يتركها، يخوفه الشيطان: سيذهب عنك المشترون، سيضعف عندك العمل. ابتلاء واختبار. أخي المسلم، اعلم أنك إن تركت شيئًا لله، عوضك الله سبحانه وتعالى خيرًا منه، فأطب مطعمك أخي المسلم. وهكذا، كم من شخص لربما نصح ألا يتعاون على الإثم والمحرم، فبسبب ضعف توكله يظن هذا المسكين أن الرزق لا يأتيه إلا بهذه الطرق المشبوهة. كم من شخص لربما نصح ألا يعين أهل القات في أخذهم أو في نقلهم أو نحو ذلك، فيقول: هؤلاء الذين هم يعطون ويتحركون ونحو ذلك، فيخوفه الشيطان: إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه، فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين. وهكذا كم من مكاسب خبيثة، لربما يُنصح ولي أمر في ابنته التي تعمل مع المنظمات المشبوهة المفسدة، فيقول: تُعطى من المال كذا وكذا، وتُعيننا في أمر معاشنا. سبحان الله، أصون عرضي بمالي، لا أدنسه، لا بارك الله بعد العرض في المال. فاحذروا يا عباد الله من هذه المكاسب الخبيثة، ومن هذه المكاسب المشبوهة، وطيبوا مطاعمكم، وتحروا الحلال، وأكثروا من هذا الدعاء النبوي: «اللهم أكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني من فضلك عمن سواك». أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، وهكذا هذا البلاء، بلاء الدنيا والأموال المحرمة والأرزاق المشبوهة، ينبغي للمسلم أن يقف موقف المؤمن الصادق، كموقف كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه وأرضاه في قصة حديث الإفك، فقد هجره النبي صلى الله عليه وسلم مع صاحبيه خمسين ليلة، فبينما هو كذلك قد ضاقت به الأرض بما رحبت، وضاقت به نفسه، إذ يخرج إلى سوق المدينة، فإذا بنبطي من نبط أهل الشام يأتي إلى سوق المدينة بطعام يبيعه في السوق، وهو يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فأشار الناس إليه، أي: لكعب بن مالك. قال: فأعطاني رسالة من ملك غسان، قال: فقرأتها، فإذا فيها: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد قلاك، وأن الله قد جفاك، وأن الله لم يجعلك بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، تعال إلينا واترك هذا الدين واترك هذا الطريق، نعطيك ما تريد، نواسيك بما تريد. فقال كعب بن مالك بعدما قرأ هذه الرسالة، وهذا أيضًا من البلاء، من البلاء، فأخذ هذه الرسالة وتيمم بها التنور، أي وضعها في التنور، فسجرها وأحرقها. هكذا هو حال الصادقين مع تلك الدنيا المحرمة التي فيها من المكاسب الخبيثة. وهكذا لربما كذلك من البلاء تيسير شهوات الفروج وفتنة النساء، فقد ذكر الله عز وجل لنا قصة نبيه يوسف عليه السلام، وكيف أن امرأة العزيز دعته إلى هذه الفتنة العظيمة، وتيسرت ليوسف أسباب الوقوع فيها ودواعيه، ولكن عصمه الله بالإيمان والعلم والتقوى والخوف من الله سبحانه وتعالى. ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾. انظروا إلى هذه الدواعي: شاب في مقتبل شبابه، والشاب أشد شهوة من الصغير والكبير، وهو أعزب، والأعزب أشد شهوة من المتزوج، وهو كذلك غريب، والغريب كذلك بالنسبة لابن البلد لا يخاف، لأن ابن البلد يخاف من الفضيحة بين أهله وبين جيرانه. وكذلك يوسف عليه السلام، هي التي دعته، وهي التي طلبت منه ذلك، فلم تكن ممتنعة، وهو كذلك عبد لها يخدمها، وهي سيدته، فلا شبهة في وجوده في بيتها. ومع هذا، فهذه المرأة ذات حسب وجمال، فهي امرأة العزيز، والغالب في العزيز أنه يتزوج من النساء أحسنهن. ثم بعد ذلك تغلق الأبواب، وتحكم المكان. ومع هذا، فإنه استبق الباب، وهرب من هذه الفتنة، ﴿فَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾، فبرأه الله عز وجل وعصمه من هذه الفتنة العظيمة. فانظروا يا عباد الله في هذا الزمان، كيف تيسرت فتن النساء مع ظهور هذه الجوالات الذكية والأجهزة الحديثة. لربما قبل ظهور هذه الأجهزة في الأزمان المتقدمة، يصعب على الشخص أن ينظر إلى فيلم إباحي، أو إلى صور خليعة، أو إلى أفلام خليعة. لكن في هذا الزمان يا عباد الله، انظروا إلى فتنة هذا الجوال الذي صار في يد الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والعاقل والطائش، وفي متناول كل أحد، فصارت الحرام سهلاً ميسرًا، لربما بضغطة زر أو بلمسة شاشة يظهر لك من الفساد، ومن النساء العاريات، ومن الأفلام الإباحية، بل ربما يأتيك هذا الأمر من غير قصد في بعض البرامج وفي بعض كذلك المواقع. فانظروا إلى هذه الفتنة يا عباد الله، كيف عصفت بشبابنا، وكيف أفسدت أمتنا، فينبغي علينا أن نراقب الله، وأن نخاف الله، ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾. يا من خلوت مع هذا الجوال، لا تظن أن الله عز وجل غافل عما ترى، أو أن الله عز وجل لا يعلم سرك، ولا يعلم نظرك إلى هذا المحرم. ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾. فاتقوا الله يا عباد الله، واعلموا أن تيسير الحرام ابتلاء وامتحان من الله عز وجل، ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾. اللهم إننا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.