الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 65، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
توضح القاعدة أن أمر الله بفعل شيء يستلزم النهي عن ضده، وأن النهي عن شيء يستلزم الأمر بضده، لأن الامتثال الكامل لا يتم إلا بترك المقابل. وقد مثل المؤلف ذلك بالتوحيد والشرك، والصلاة وتركها، وبر الوالدين وعقوقهما.
تنص القاعدة على أن نهي الله عن أمر يقتضي الأمر بضده، كنهي الشرك يستلزم الأمر بالتوحيد، ونفي النقائص عن الله أو كتابه أو رسوله يستلزم إثبات كمال الضد كالقيومية والعدل والصدق. ويؤكد الداعية على وجوب التفطن لهذه القاعدة وتطبيقها على نصوص الوحي لاستخراج معاني الكمال.
يختتم المتحدث الدرس مشيراً إلى أن هذه القاعدة أصل عظيم ينتفع به قارئ القرآن وطالب التفسير، ثم يكتفي بهذا القدر ويحيل العلم إلى الله تعالى. كما ينوه إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.
قَلَمْ أَلِّفْ رَحِمَهُ اللَّهُ الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ: إِذَا أَمَرَ اللَّهُ بِشَيْءٍ كَانَ نَاهِيًا عَنْ ضِدِّهِ، وَإِذَا نَهَى عَنْ شَيْءٍ كَانَ آمِرًا بِضِدِّهِ. وَإِذَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى أَوْلِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ بِنَفْيِ شَيْءٍ مِنَ النَّقَائِصِ كَانَ ذَلِكَ إِثْبَاتًا لِلْكَمَالِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِمْتِثَالُ الْأَمْرِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ إِلَّا بِتَرْكِ ضِدِّهِ. فَحِينَ أَمَرَ بِالتَّوْحِيدِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَالْعَدْلِ، كَانَ نَهْيًا عَنِ الشِّرْكِ وَعَن تَرْكِ الصَّلَاةِ وَتَرْكِ الزَّكَاةِ وَتَرْكِ الصَّوْمِ وَتَرْكِ الْحَجِّ وَعَنِ الْعُقُوقِ وَالْقَطِيعَةِ. وَحِينَ نَهَى عَنِ الشِّرْكِ وَإِضَاعَةِ الصَّلَاةِ إِلَى آخِرِ الْمَذْكُورَاتِ كَانَ آمِرًا بِالتَّوْحِيدِ وَفِعْلِ الصَّلَاةِ إِلَى آخِرِهَا. وَحَيْثُ أَمَرَ بِالصَّبْرِ وَالشُّكْرِ وَإِقْبَالِ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ إِنَابَةً وَمَحَبَّةً وَخَوْفًا وَرَجَاءً، كَانَ نَاهِيًا عَنِ الْجَزَعِ وَالسَّخَطِ وَكَفْرَانِ النِّعَمِ وَإِعْرَاضِ الْقَلْبِ عَنِ اللَّهِ فِي تَعَلُّقِ هَذِهِ الْأُمُورِ بِغَيْرِهِ. وَحَيْثُ نَهَى عَنِ الْجَزَعِ وَكَفْرَانِ النِّعَمِ وَغَفْلَةِ الْقَلْبِ كَانَ آمِرًا بِالصَّبْرِ إِلَى آخِرِ الْمَذْكُورَاتِ. وَهَذَا ضَرْبُ مَثَلٍ، وَإِلَّا فَكُلُّ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي عَلَى هَذَا النَّمَطِ. نَعَمْ، الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ. وَبَعْدُ، فَهَذِهِ أَيْضًا قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ تَسْتَطِيعُ مِنْ خِلَالِهَا أَنْ تُدْرِكَ التَّوْسُّعَ فِي فَهْمِ الْآيَةِ. فَقَالَ: إِذَا أَمَرَ اللَّهُ بِشَيْءٍ كَانَ نَاهِيًا عَنْ ضِدِّهِ. الْأَمْرُ لَا يَتَعَلَّقُ فَقَطْ بِقِيَامِكَ بِهَذَا الْأَمْرِ، بَلْ كَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِتَرْكِكَ لِمَا يُضَادُّهُ. فَمَا الَّذِي يُضَادُّ التَّوْحِيدَ؟ الشِّرْكُ. فَإِذَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالتَّوْحِيدِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَنْهَى عَنْ ضِدِّهِ، وَهُوَ الشِّرْكُ. فَأَخَذْتَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْأَمْرَ بِالتَّوْحِيدِ وَالنَّهْيَ عَنِ الشِّرْكِ. وَلِذَلِكَ لَوْ مَثَلًا قُلْتَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَهَى عَنِ الشِّرْكِ، وَاسْتَدْلَلْتَ مَثَلًا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، فَهَذَا فِيهِ الْأَمْرُ بِالتَّوْحِيدِ. طَيِّبٌ، نَسْتَفِيدُ مِنْ هَذَا أَيْضًا النَّهْيَ عَنِ الشِّرْكِ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ ذَلِكَ، لَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ الْأَمْرِ بِالتَّوْحِيدِ. هَذِهِ قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ بِهَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُكْثِرَ مِنْ أَدِلَّةِ الْأَوَامِرِ وَأَدِلَّةِ النَّوَاهِي. فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِي: إِذَا أَمَرَ بِشَيْءٍ كَانَ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ، وَإِذَا نَهَى عَنْ شَيْءٍ كَانَ أَمْرًا بِضِدِّهِ. مَثَلًا: نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الشِّرْكِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ﴾، هَذَا لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِالتَّوْحِيدِ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: «وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِمْتِثَالُ الْأَمْرِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ إِلَّا بِتَرْكِ ضِدِّهِ». هَذِهِ قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ أَيْضًا وَكَلَامٌ رَزِينٌ، فَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَمْرِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ حَتَّى يَبْتَعِدَ عَمَّا يُضَادُّهُ. مَثَلًا التَّوْحِيدُ: هَلْ يُمْكِنُ لِشَخْصٍ أَنْ يَصِلَ إِلَى دَرَجَةِ الْكَمَالِ فِي التَّوْحِيدِ وَهُوَ يُعَلِّقُ التَّمَائِمَ؟ لَا يُمْكِنُ، لِأَنَّ هَذَا مِنَ الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ، وَهُوَ مَا يُضَادُّ التَّوْحِيدَ. وَلِذَلِكَ مَرَّ مَعَنَا فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ أَنَّ هُنَاكَ بَابًا: «مَنْ أَحْرَزَ التَّوْحِيدَ دَخَلَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ». أَحْرَزَ التَّوْحِيدَ يَعْنِي أَتَى بِهِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، يَعْنِي أَتَى بِالتَّوْحِيدِ وَابْتَعَدَ عَمَّا يُضَادُّهُ مِنَ الشِّرْكِ، وَأَتَى بِالْأَوَامِرِ وَابْتَعَدَ عَنِ النَّوَاهِي. هَذَا هُوَ الَّذِي أَحْرَزَ التَّوْحِيدَ، لِأَنَّ كُلَّ هَذَا مِنْ مُكَمِّلَاتِ التَّوْحِيدِ. وَاضِحٌ؟ مِنْ مُكَمِّلَاتِ التَّوْحِيدِ. فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِمْتِثَالُ الْأَمْرِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ إِلَّا بِتَرْكِ ضِدِّهِ». نَعَمْ، قَدْ يَمْتَثِلُ الشَّخْصُ الْأَمْرَ لَكِنْ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، بَلْ عَلَى وَجْهِ النَّقْصِ. إِنْسَانٌ مُوَحِّدٌ لَكِنَّهُ زَانٍ، هَذَا تَوْحِيدُهُ فِيهِ نَقْصٌ. إِنْسَانٌ مُوَحِّدٌ لَكِنَّهُ يَحْلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ، هُوَ مُوَحِّدٌ لَكِنَّ تَوْحِيدَهُ فِيهِ نَقْصٌ. فَهِمْتُمْ هَذَا الْآنَ؟ إِذًا: إِذَا أَمَرَ اللَّهُ بِشَيْءٍ نَهَى عَنْ ضِدِّهِ. فَإِذَا أَتَى الْعَبْدُ بِالْأَمْرِ وَابْتَعَدَ عَنِ النَّهْيِ فَقَدْ أَتَى بِكَمَالِ هَذَا الْأَمْرِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ الْكَمَالُ إِلَّا بِالْإِتْيَانِ بِالْأَمْرِ وَالِابْتِعَادِ عَمَّا يُضَادُّهُ مِنَ النَّهْيِ. هَذَا مُرَادُ قَوْلِهِ فِي هَذَا: «وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِمْتِثَالُ الْأَمْرِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ إِلَّا بِتَرْكِ ضِدِّهِ». ثُمَّ ذَكَرَ أَمْثِلَةً: فَحَيْثُ أَمَرَ بِالتَّوْحِيدِ فَهُنَا يُقَابِلُهُ النَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ. وَالصَّلَاةُ يُقَابِلُهَا النَّهْيُ عَنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ. وَالزَّكَاةُ النَّهْيُ عَنْ تَرْكِ الزَّكَاةِ. وَالْحَجُّ النَّهْيُ عَنْ تَرْكِ الْحَجِّ. وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ النَّهْيُ عَنْ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ. وَصِلَةُ الرَّحِمِ النَّهْيُ عَنْ الْقَطِيعَةِ. وَالْعَدْلُ النَّهْيُ عَنْ الظُّلْمِ. وَاضِحٌ هَذَا الْآنَ؟ فَكُلُّ هَذَا يَعْنِي الْأَوَامِرَ لَا بُدَّ أَنْ يَنْضَمَّ إِلَيْهَا تَرْكُ النَّوَاهِي، تَرْكُ النَّوَاهِي. ثُمَّ قَالَ: «وَحَيْثُ نَهَى عَنِ الشِّرْكِ» أَيْضًا الْقَاعِدَةُ تَنْعَكِسُ: إِذَا نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ شَيْءٍ كَانَ أَمْرًا بِضِدِّهِ، كَانَ أَمْرًا بِضِدِّهِ. فَإِذَا نَهَى عَنِ الشِّرْكِ فَفِيهِ أَمْرٌ بِالتَّوْحِيدِ. وَإِذَا كَذَلِكَ أَضَاعَ الصَّلَاةَ، فَهَذَا فِيهِ نَهْيٌ عَنْ إِضَاعَةِ الصَّلَاةِ، فَفِيهِ أَمْرٌ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا. طَيِّبٌ، وَهَكَذَا إِلَى آخِرِ الْمَذْكُورَاتِ. نَعَمْ، قَالَ: «وَحَيْثُ أَمَرَ» يَعْنِي آخِرَ الْمَذْكُورَاتِ يُرِيدُ مَثَلًا: نَهَى عَنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ، نَهَى عَنْ تَرْكِ الزَّكَاةِ، عَنْ تَرْكِ الصَّوْمِ، عَنْ تَرْكِ الْحَجِّ، عَنْ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ، عَنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ. فَإِذَا نَهَى عَنْ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ فَفِيهِ الْأَمْرُ بِالْبِرِّ بِهِمَا وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا. إِذَا نَهَى عَنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ فَفِيهِ الْأَمْرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، الْأَمْرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَهَكَذَا. قَالَ: «وَحَيْثُ أَمَرَ بِالصَّبْرِ وَالشُّكْرِ» مَا الَّذِي يُضَادُّ الصَّبْرَ؟ ذَكَرَهُ هُنَا: الْجَزَعُ وَالسَّخَطُ. وَمَا الَّذِي يُضَادُّ الشُّكْرَ؟ كَفْرَانُ النِّعَمِ. وَمَا الَّذِي يُضَادُّ إِقْبَالَ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ؟ الْإِعْرَاضُ، إِعْرَاضُ الْقَلْبِ عَنِ اللَّهِ. طَيِّبٌ، وَهَكَذَا إِنَابَةً وَمَحَبَّةً وَخَوْفًا وَرَجَاءً، فَكُلُّ ذَلِكَ يُضَادُّ مَا يَكُونُ مِنَ الْإِعْرَاضِ عَنِ اللَّهِ، تَعَلُّقِ هَذِهِ الْأُمُورِ بِغَيْرِهِ، فَيَرْجُو غَيْرَ اللَّهِ وَكَذَلِكَ يَخَافُ غَيْرَ اللَّهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. قَالَ: «وَحَيْثُ نَهَى عَنِ الْجَزَعِ وَكَفْرَانِ النِّعَمِ وَغَفْلَةِ الْقَلْبِ كَانَ آمِرًا بِالصَّبْرِ إِلَى آخِرِ الْمَذْكُورَاتِ». وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ. نَعَمْ، اقْرَأْ: «وَكَذَلِكَ الْمَدْحُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِإِثْبَاتِ الْكَمَالَاتِ، حَيْثُ أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ وَذَكَرَ تَنَزُّهَهُ عَنِ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ كَالنَّوْمِ وَالسِّنَةِ وَاللُّغُوبِ وَالْمَوْتِ وَخَفَاءِ شَيْءٍ فِي الْعَالَمِ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَعْمَالِ وَغَيْرِهَا وَالظُّلْمِ، فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِكَمَالِ حَيَاتِهِ وَكَمَالِ قِيُومِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَسَعَةِ عِلْمِهِ وَكَمَالِ عَدْلِهِ، لِأَنَّ الْعَدَمَ الْمَحْضَ لَا كَمَالَ فِيهِ حَتَّى يُنْفَى تَكْمِيلًا». نَعَمْ، أَيْشَ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ؟ هَذَا مِنْ قَوَاعِدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ. طَيِّبٌ، أَنَّ أَيَّ اسْمٍ أَوْ صِفَةٍ فِيهِ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ النَّقَائِصِ، يَتَضَمَّنُ هَذَا الِاسْمُ وَتِلْكَ الصِّفَةُ مَا يُقَابِلُ هَذِهِ الصِّفَةَ مِنَ النَّوَاقِصِ، مِنَ الْكَمَالِ، مِنَ الْكَمَالِ. لِأَنَّهُ كَمَا ذُكِرَ هُنَا: «الْعَدَمُ الْمَحْضُ لَا كَمَالَ فِيهِ». يَعْنِي النَّفْيُ الْمَحْضُ لَا كَمَالَ فِيهِ. إِنْسَانٌ لَوْ قَالَ لَكَ: فُلَانٌ لَا يَسْرِقُ، هَذَا لَيْسَ مَدْحًا، صَحَّ؟ هَذَا لَيْسَ مَدْحًا. أَنْتَ الْآنَ نَفَيْتَ عَنْهُ هَذَا النَّقْصَ. إِنْسَانٌ لَا يَخُونُ، يَعْنِي إِذَا كَانَ إِنْسَانٌ لَا يَسْرِقُ مَعْنَاهُ تُثْبِتُ لَهُ كَمَالَ الْأَمَانَةِ، كَمَالَ الْأَمَانَةِ، أَنَّهُ إِنْسَانٌ أَمِينٌ. وَاضِحٌ؟ فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الْعَدَمَ الْمَحْضَ لَا كَمَالَ فِيهِ، طَيِّبٌ، وَأَنَّ النَّقْصَ الْمَحْضَ لَا كَمَالَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْكَمَالُ بِإِثْبَاتِ كَمَالِ ضِدِّهِ، بِإِثْبَاتِ كَمَالِ ضِدِّهِ. ذَكَرَ هُنَا أَمْثِلَةً، قَالَ: «وَكَذَلِكَ الْمَدْحُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِإِثْبَاتِ الْكَمَالَاتِ، فَحَيْثُ أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ وَذَكَرَ تَنَزُّهَهُ عَنِ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ كَالنَّوْمِ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، فَنَفْيُ النَّوْمِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا فِيهِ إِثْبَاتُ كَمَالِ الْقِيُومِيَّةِ، وَأَنَّهُ حَيٌّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَنَامُ، وَأَنَّهُ حَيٌّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، فَنُثْبِتُ كَمَالَ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الصِّفَةُ مِنَ الْقِيُومِيَّةِ. وَكَذَلِكَ اللُّغُوبُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾، فَإِذَا أَثْبَتْنَا هَذِهِ الصِّفَةَ، يَعْنِي إِذَا نَفَيْنَا هَذِهِ الصِّفَةَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَثْبَتْنَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ، مَا يُقَابِلُهَا مِنَ الْكَمَالِ. فَمَا الَّذِي يُقَابِلُ اللُّغُوبَ؟ الْقُدْرَةُ، تَامَّةٌ، قُدْرَتُهُ وَكَمَالُ قُدْرَتِهِ، فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَكَذَلِكَ تَامَّةُ قُوَّتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَهَكَذَا إِذَا نَفَيْنَا عَنِ اللَّهِ الْمَوْتَ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾، فَإِنَّا نُثْبِتُ لَهُ كَذَلِكَ كَمَالَ الْقِيُومِيَّةِ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَبِخَلْقِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَهَكَذَا إِذَا نَفَيْنَا عَنِ اللَّهِ خَفَاءَ شَيْءٍ فِي الْعَالَمِ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَعْمَالِ وَغَيْرِهَا، كَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَثَلًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، شَيْءٌ نَكِرَةٌ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْأَعْيَانِ أَوْ مِنَ الصِّفَاتِ أَوْ مِنَ الْأَعْمَالِ. فَإِذَا نَفَيْنَا عَنِ اللَّهِ هَذِهِ الصِّفَةَ أَثْبَتْنَا لَهُ مَا يُقَابِلُهَا مِنَ الْكَمَالِ، فَأَثْبَتْنَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَالَ سَعَةِ عِلْمِهِ، كَمَالَ سَعَةِ عِلْمِهِ، وَأَنَّهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَاضِحٌ؟ وَهَكَذَا إِذَا أَثْبَتْنَا، إِذَا نَفَيْنَا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الظُّلْمَ فَإِنَّا نُثْبِتُ لَهُ مَا يُقَابِلُهَا مِنْ صِفَةِ الْكَمَالِ، وَهِيَ الْعَدْلُ، كَمَالُ الْعَدْلِ. فَهِمْتُمْ هَذَا؟ هَذِهِ قَاعِدَةٌ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، فِي الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى، أَيْضًا ذَكَرَ هَذَا الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. لِأَنَّ يَعْنِي النَّقْصَ لَيْسَ مَدْحًا، نَفْيُ النَّقْصِ لَيْسَ مَدْحًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَدْحًا إِذَا أَثْبَتْنَا مَا يُقَابِلُ هَذِهِ الصِّفَةَ مِنَ الْكَمَالِ، مِنَ الْكَمَالِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «لِأَنَّ الْعَدَمَ الْمَحْضَ لَا كَمَالَ فِيهِ حَتَّى يُنْفَى تَكْمِيلًا لِلْكَمَالِ»، يَعْنِي حَتَّى يُثْبَتَ مَا يُقَابِلُهُ مِنَ الْكَمَالِ، مَا يُقَابِلُهُ مِنَ الْكَمَالِ. نَعَمْ، وَكَذَلِكَ إِذَا نَفَى اللَّهُ عَنْ كِتَابِهِ الرَّيْبَ وَالِاخْتِلَافَ وَالشَّكَ وَالْأَخْبَارَ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ، كَانَ ذَلِكَ لِكَمَالِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْيَقِينِ فِي جَمِيعِ الْمَطَالِبِ، وَاجْتِمَالِهِ عَلَى الِانْتِظَامِ الْكَامِلِ وَالصِّدْقِ الْكَامِلِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ كِتَابِهِ. طَيِّبٌ، أَيْضًا مَا نَفَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ كِتَابِهِ مِنَ النَّقَائِصِ نُثْبِتُ مَا يُقَابِلُهَا مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ. فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَفَى عَنْ كِتَابِهِ الرَّيْبَ، يَعْنِي الشَّكَ. طَيِّبٌ، فَنَحْنُ نُثْبِتُ مَا يُقَابِلُ تِلْكَ الصِّفَةَ، وَهِيَ دَلَالَتُهُ عَلَى الْيَقِينِ، لِأَنَّ مَا يُقَابِلُ الرَّيْبَ الْيَقِينَ، الْيَقِينَ فِي جَمِيعِ الْمَطَالِبِ، وَاجْتِمَالِهِ عَلَى الْإِحْكَامِ، الْإِحْكَامُ يَعْنِي أَنَّهُ نَفَى عَنْهُ الِاخْتِلَافَ. قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أَلِفٌ لَامٌ مِيمٌ * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، وَذَكَرَ فِي الِاخْتِلَافِ وَالشَّكِ قَوْلَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، فَنَفَى عَنْهُ الِاخْتِلَافَ، فَنُثْبِتُ مَا يُقَابِلُ هَذِهِ الصِّفَةَ الْمَنْفِيَّةَ عَنِ الْقُرْآنِ، فَنُثْبِتُ لَهُ اجْتِمَالَهُ عَلَى الْإِحْكَامِ وَالِانْتِظَامِ التَّامِّ وَالصِّدْقِ الْكَامِلِ، لِأَنَّ كُلَّ هَذَا يُقَابِلُ الِاخْتِلَافَ، الصِّفَةَ الَّتِي نَفَاهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ كِتَابِهِ. نَعَمْ، كَذَلِكَ إِذَا نَفَى عَنْ رَسُولِهِ الْكَذِبَ وَالتَّقَوُّلَ وَالْجُنُونَ وَالسِّحْرَ وَالشِّعْرَ وَالْغَلَطَ وَنَحْوَهَا، كَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ إِثْبَاتِ كَمَالِ صِدْقِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، وَلِكَمَالِ عَقْلِهِ، وَلِزَوَالِ كُلِّ مَا يَقْدَحُ فِي كَمَالِ نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ. فَافْتَطِنْ، «فَافْتَطِنْ» هَذَا فِعْلُ أَمْرٍ، فَافْتَطِنْ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِكُلِّ مَا يَمُرُّ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَغَيْرِهَا، كَانَ الْخَيْرُ كَثِيرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. نَعَمْ، أَيْضًا نَفَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ نَبِيِّهِ صِفَاتِ النَّقْصِ مِنَ الْكَذِبِ، مِنَ التَّقَوُّلِ، مِنَ الْجُنُونِ، مِنَ السِّحْرِ، مِنَ الشِّعْرِ، مِنَ الْغَلَطِ، فَنُثْبِتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُقَابِلُ هَذِهِ الصِّفَاتِ مِنَ الْكَمَالِ. فَنَفَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ رَسُولِهِ الْكَذِبَ، فَنُثْبِتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَالَ صِدْقِهِ، كَمَالَ صِدْقِهِ. نَفَى كَذَلِكَ عَنْ رَسُولِهِ التَّقَوُّلَ، فَنُثْبِتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَالَ الْأَمَانَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. كَذَلِكَ الْجُنُونُ نَفَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ نَبِيِّهِ، فَنُثْبِتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَالَ عَقْلِهِ. نَفَى عَنْ رَسُولِهِ السِّحْرَ، فَنُثْبِتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كُلَّ مَا يَقْدَحُ فِي كَمَالِ نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ، لِأَنَّ السِّحْرَ وَالشِّعْرَ وَالْغَلَطَ هَذِهِ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى زَوَالِ عَقْلِهِ، صَحَّ؟ عَلَى زَوَالِ عَقْلِهِ. فَنُثْبِتُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَالَ نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ، وَأَنَّهُ نَبِيٌّ وَرَسُولٌ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ مَجْنُونٌ أَوْ سَاحِرٌ أَوْ شَاعِرٌ. نَعَمْ، فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ: أَيُّ صِفَةِ نَقْصٍ سَوَاءٌ كَانَتْ نَفَاهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ عَنْ كِتَابِهِ، أَوْ عَنْ رَسُولِهِ، أَوْ عَنْ أَوْلِيَائِهِ أَيْضًا. مَا هَذَا فَقَطْ عَلَى سَبِيلِ الْمَثَلِ، وَإِلَّا فَفِيهِ أَيْضًا نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ نَفَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ صِفَاتٍ عَنْ أَوْلِيَائِهِ، مِثْلَ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، فَنَفَى عَنْ أَوْلِيَائِهِ أَنْ يَتَخَيَّرُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، هَذِهِ صِفَةُ نَقْصٍ، صَحَّ؟ فَنُثْبِتُ لَهُمْ كَمَالَ اسْتِسْلَامِهِمْ لِأَحْكَامِ اللَّهِ. فَأَنْتُمْ هَذَا الْآنَ، وَقِسْ عَلَى هَذَا، سَتَجِدُونَ مَلَايِينَ رُبَّمَا الْأَمْثِلَةَ، أَوْ آلَافَ الْأَمْثِلَةِ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. أَيُّ صِفَةِ نَقْصٍ ذُكِرَتْ فِي حَقِّ اللَّهِ، أَوْ فِي حَقِّ كِتَابِهِ، أَوْ فِي حَقِّ رَسُولِهِ، أَوْ فِي حَقِّ أَنْبِيَائِهِ، أَوْ فِي حَقِّ أَوْلِيَائِهِ، فَنُثْبِتُ كَمَالَ الصِّفَةِ الَّتِي تُقَابِلُهَا. وَأَضَعْتُ هَذَا الْآنَ، فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ يَسْتَفِيدُ مِنْهَا قَارِئُ الْقُرْآنِ، وَكَذَلِكَ طَالِبُ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ. وَبِهَذَا نَكْتَفِي، وَإِلَى هُنَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَى. تَرْجَمَةُ نَانْسِي قِنْقَرْ.