الدرس في شرح كتاب الطهارة من عمدة الأحكام 38، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض المقطع أحاديث الغسل من الجنابة مبينًا وجوب الغسل بمجرد الإيلاج وإن لم يحصل إنزال، ويوضح الفرق بين المني الموجب للغسل والمذي الذي يوجب الوضوء فقط. كما ينبه على أهمية تعلم هذه الأحكام لتجنب المشقة والجهل مع ذكر حديث جابر بن عبدالله عن كفاية الصاع للغسل.
يُبيّن المقطع مكانة علي بن الحسين زين العابدين بوصفه إمامًا ثقة ورعًا كثير العبادة، وينسبه إلى أم ولد فارسية مما يفسر اهتمام الشيعة بذرية الحسين. ثم ينتقل إلى ترجمة الراوي جابر بن عبد الله الأنصاري الصحابي الجليل مكثر الرواية.
بين المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، وأن جابر بن عبد الله أنكر على من قال إن الصاع لا يكفيه. وفي ذلك اتباع للسنة، وذم للإسراف في الماء، ومشروعية سؤال أهل العلم، والتحذير من الوسوسة في الطهارة.
يختتم المتحدث بالصلاة على النبي محمد وآله، ويحمد الله رب العالمين، مع الإقرار بأن الله تعالى أعلم. وهذا ختام المجلس العلمي بالدعاء والثناء.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا. أما بعد: فقد مر معنا في الدرس الماضي الكلام حول بعض أحاديث كتابي الطهارة، ومن بابي الغسل من الجنابة. ومضى معنا أن حديث عائشة رضي الله عنها في كيفية إزالة المني من الثوب، سواء كان رطبًا فيغسل، أو يابسًا فيفرك ويحك، ويجوز أن يغسل. بل مضى معنا أن الغسل يعتبر أنقى وأنظف. وكذلك مر معنا حديث أبي هريرة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل»، وفي لفظ لمسلم: «وإن لم ينزل، وإن لم ينزل». وهذا الحديث فيه بيان حكم الغسل من الجماع إذا حصل الإيلاج ولو بدون إنزال. وهذا -وإن كان من الأمور التي قد يستحيا من ذكرها ومذاكرتها- إلا أنها من العلم الواجب. يا إخوان، يوجد من الناس من شابت لحاهم ولا زال يجهل كثيرًا من مثل هذه المسائل المهمة، فيجامع أحدهم، وله عشرين، ثلاثين، أربعين سنة، يجامع أحدهم فإذا لم ينزل الماء لا يغتسل، وإذا أنزل الماء اغتسل. ما سبب ذلك؟ سبب ذلك هو عدم الاهتمام بالعلم، ولربما غلب الخجل والحياء على ذلكم المتعلم، على ذلكم المتعلم. وكما سبق معنا في درس ماضٍ: هناك من الشباب ومن الرجال من لربما يتجرع برودة الماء الشديدة البرودة في ليالي الشتاء، يغتسل ويعاني مشقة عظيمة. وما سبب اغتساله؟ نزل منه مذي، نزول المذي يجعله يغتسل، يظن ذلك منيًا يجب فيه الغسل، يجب فيه الغسل. فيجلس مجلسًا من مجالس العلم، وحلقة من حلق الفقه وغيرها، فيسمع المدرس يذكر أن المذي صورته كذا، ويخرج في حالة كذا، وأنه نجس، وفيه الوضوء: «اغسل ذكرك وتوضأ»، «انضح فرجك وتوضأ»، وأنه لا يجب فيه الغسل، فيضع يده على رأسه يقول: سبحان الله، لي سنين وأنا أعاني من هذا الأمر وأجد منه مشقة، ولا سيما أن بعض الناس قد يبتلى بكثرة نزول المذي، «كنت رجلًا مذاءً». فيا إخوان، ما أجمل العلم، وما أنفع مجالس العلم! ختم الحافظ أبو محمد المقدسي رحمه الله تعالى أحاديث باب الغسل من الجنابة بقوله رحمه الله تعالى: قال: عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. ولا يدخل في قولنا «رضي الله عنهم» أبو طالب، فهو مذكور لكنه لا يدخل في قولهم «رضي الله عنهم». لماذا لا يدخل يا صالح؟ أبو طالب، لماذا لا يدخل؟ نعم، أحسنت: لأنه لم يسلم. فقولهم «رضي الله عنهم» أي: عن الحسين بن علي، وعن أبيه علي. قال: أنه كان هو وأبوه عند جابر بن عبد الله -أي: بن عمر بن حرام الأنصاري، الصحابي المعروف- قال: وعنده قوم، فسألوه عن الغسل، فقال -أي: جابر بن عبد الله- للسائل: «يكفيك صاع، يكفيك صاع». فقال رجل: «ما يكفيني صاع، ما يكفيني». فقال جابر رضي الله عنه: «كان يكفي من هو خير منك، من هو أوفى منك شعرًا وخير منك»، يريد النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «ثم أمنا»، أي: صلى بنا في ثوب. قال: وفي لفظ: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرغ على رأسه ثلاثًا». قال: الرجل الذي قال «ما يكفيني» هو الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، وأبوه ابن الحنفية. الحديث هذا تضمن ذكره مجموعة من الشخصيات المشهورة المعروفة. أولها: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وأبو جعفر هذا وهو محمد بن علي كان يلقب بـ «محمد الباقر». محمد الباقر تابعي مدني، كان فاضلًا وسيدًا في قومه، قالوا: اتفقوا على إمامته وجلالته، اتفقوا على إمامته وجلالته، وهو من أئمة أهل البيت، وممن تعظمهم الشيعة من أئمة الشيعة الاثني عشر إمامًا، هذا يعتبر من أعظمهم، هذا يعتبر من أعظمهم. وليس معنى ذلك أنه كان شيعيًا، ليس معنى ذلك أنه كان شيعيًا. قال: أنه كان هو وأبوه، وأبوه هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، الملقب بماذا؟ علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب... نعم، زين العابدين، أحسنت. الملقب بزين العابدين. ولماذا لقب بزين العابدين؟ قالوا: لكثرة عبادته، كان كثير العبادة، وكان ثقة جليلًا مأمونًا ورعًا من أئمة أهل البيت، كان كثير الحديث، عالٍ رفيع. بل ذكر الإمام يحيى بن سعيد قال: كان أفضل هاشمي أدركته، أفضل هاشمي أدركته. وأمه كانت أم ولد، أم ولد... ماذا معنى أم ولد؟ قالوا: أمه أم ولد... نعم، أحسنت: أمه مملوكة للإمام أو للحسين بن علي رضي الله تعالى عنها، رضي الله تعالى عنه. وقيل اسمها غزالة، غزالة، وقيل اسمها سلامة، وقيل اسمها سلافة بنت ملك الفرس يزدجر. يعني: عندما فتح المسلمون أرض فارس كانت ابنة ملك الفرس تحت الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما. وهذا يبين لنا لماذا الشيعة يهتمون كثيرًا بالحسين وذريته. فالحسين ماذا كان يطأ هذه المرأة بملك اليمين، وأنجبت له زين العابدين علي بن الحسين وغيره من إخوانه. فلذلك الفرس يا إخوان يشيدون، يعني أحفاد الفرس من الرافضة فيشيدون بذرية الحسين أكثر من ماذا؟ من ذرية الحسن وغيرهم من أهل البيت الآخرين. وعلي بن الحسين هذا، زين العابدين، كان يوم قتل أبوه الحسين بن علي في كربلاء كان مع أبيه، وكان عمره ثلاثًا وعشرين سنة، لكنه لم يقتل. ولماذا لم يقتل مع أبيه وغيرهم من أهل البيت؟ ما سبب ذلك؟ أحسنت: قالوا كان مريضًا، فتوسط له أحد القادة من بني أمية وهو عمر بن سعد، فقال: لا تتعرضوا لهذا المريض. العرب كان عندهم أنفة حتى عند القتل: مريض تركوا هذا المريض، امرأة قد لا يتعرض لها، شيخ كبير، طفل صغير قد لا يمسوه بسوء. وعلي بن الحسين هذا إمام من أئمة العلم والحديث، حتى قال أبو بكر بن أبي شيبة رحمه الله تعالى: قال: أصح الأسانيد: الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي -أي: بن أبي طالب-. وهذا كما هو معروف في المصطلح هذا أحد الأقوال في هذه المسألة، في هذه المسألة. وذكر الإمام مالك رحمه الله قال: بلغني أنه كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة إلى أن مات، إلى أن مات، وكان كثير الصدقة والإحسان أيضًا. ذكر في هذا الإسناد قال: عند جابر بن عبد الله. وجابر بن عبد الله هو ابن عمر بن حرام الأنصاري الخزرجي المدني، أبو عبد الله، صحابي جليل، شهد العقبة الثانية مع أبيه -أي: بيعة العقبة الثانية مع أبيه-، وغزا مع النبي صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة، لم يشهد بدرًا ولا أحدًا، وبيّن أن سبب ذلك هو أن أباه كان يمنعه، كان يمنعه، يعني يتركه مع أخواته في المنزل. فلما قتل أبوه في غزوة أحد لم يتخلف عن غزوة مع النبي صلى الله عليه وسلم. قال هشام بن عروة بن الزبير: قال: رأيت لجابر بن عبد الله حلقة في المسجد يؤخذ عنه العلم، حلقة في المسجد، أي: المسجد النبوي، يؤخذ عنه العلم. فكان من علماء الصحابة، وكان من المكثيرين في رواية الحديث. ذكروا أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوًا من ألف وخمس مئة وأربعين حديثًا. أخرج له الشيخان مئتين وعشرة، واتفق على ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بست وعشرين، وأما مسلم فقد انفرد بمئة وست وعشرين حديثًا. وهو يعتبر من المكثرين كما سبق معنا قول القائل: والمكثرون في رواية الأثر: أبو هريرة، يليه ابن عمر، وأنس، والحبر، والخدري، وجابر، وزوجة... وزوجة النبي، وجابر، أي: جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه. وكان قد شهد معركة صفين مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومات بعد أن عمي سنة ثمان وسبعين من الهجرة عن أربع وتسعين سنة، وقيل غيرها. وصلى عليه أبان بن عثمان، وقيل كان آخر الصحابة موتًا بالمدينة، وقيل ليس جابر بن عبد الله هذا، وإنما آخر هو جابر بن عبد الله بن رياب بن النعمان بن سنان، الذي هو آخر من مات من الصحابة بالمدينة. هذا الحديث موضوعه بيان قدر الماء الذي يكفي في الغسل، الماء الذي يكفي في الغسل. ويذكر... يذكر أبو جعفر محمد بن علي أنه... أنه كان هو وأبوه في مجلس جابر بن عبد الله، ومجالس العلماء كانت مليئة بيئة الدرر والفوائد والأسئلة الهادفة النافعة. فسئل جابر... جابر فسئل جابر عن الغسل، يعني الغسل من الجنابة، فقال للسائل، يعني كان السؤال عن قدر الماء الذي يغتسل به الشخص، فقال جابر للسائل: «يكفيك صاع، يكفيك صاع». ما هو الصاع يا إخوان؟ ما هو الصاع يا أنس؟ ما هو الصاع؟ صاع من تمر، صاع من شعير، الشوفان... كم حبة؟ حبة واحدة تعتبر صاع؟ أخبرهم أو يبقى بيني وبينك بس... أحسن واحدة. طيب، ننظر هل من يصوب... نعم عندك أنت: الصاع ما هو؟ طيب، نعم، أنا أرى وما أسمع، أرى هكذا ملء هذا كم مرة؟ أو ثنتين أو ثلاثة أو أربعة أو خمس؟ مرة واحدة... أحسنت. إذن علبة ماذا؟ الشوفان... الشربة، أي... طيب، أو غير ذلك... آه عندك أنت هذا بس واحد. طيب، نعم يا أبا سعيد... آه واحد، أبو عبد الله يشير لكن تحول الجانب الثاني، صالح يشير... نعم يا بانس: أربعة، أحسنت. إذن هذا مد، علبة الشوفان مد واحد، والصاع عبارة عن أربعة... آه مدات أو أمداد، أربع يعتبر صاع، وواحدة تعتبر مد. طيب، فقال الرجل: «ما يكفيني». وهذا أيضًا قد يقوله أكثرنا اليوم، أكثرنا يختسل بعلبة حليب من الماء، لا، قد لا يكفي. لماذا لا يكفي؟ لأننا اعتدنا على المبالغة والإسراف، اعتدنا على المبالغة والإسراف. وإلا فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث أنس في الصحيحين قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد، ويتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة... إلى خمسة أمداد»، يعني: من صاع إلى خمسة أمداد، والصاع أربعة أمداد، قد يزيد مد خامس مع الغسل، مع الغسل. وهذا يا إخوان فيه فائدة عظيمة جدًا، ألا وهو حرص السلف الصالح على اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، اتباع السنة، حتى في مقدار الماء الذي يتطهر به، الذي يتطهر به. وهكذا فيه ذم الإسراف في الماء وغيره من أنواع الإسراف، لا يجوز الإسراف، لا يجوز الإسراف. وهكذا أيضًا فيه سؤال أهل العلم، سؤال أهل العلم، وأن سؤالهم يعتبر سببًا للفائدة وتحصيل العلم. أيضًا فيه مشروعية المباحثة في العلم، فجابر لما قال له ذلك الرجل: «ما يكفيني»، قال: «كان يكفي من هو أوفى منك شعرًا»، يعني: أكثر منك شعرًا، «وخير منك»، يريد النبي صلى الله عليه وسلم، يريد النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «ثم أمنا»، أي: صلى بنا في ثوب، ويعني بذلك أنه صلى بهم في ثوب واحد، في ثوب واحد. وهكذا أيضًا يستفاد من هذا الحديث الإنكار على من يخالف السنة، على من يخالف السنة، ولا يمنع من هذا الإنكار نسب هذا المخالف وحسبه. فكما جاء في آخر الحديث: الرجل الذي قال «ما يكفيني» هو الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، فجده علي بن أبي طالب، وأبوه محمد الحنفية، محمد الحنفية، أي: محمد بن علي بن أبي طالب، والحنفية قيل: نُسب إلى أمه، واسمها خولة بنت جعفر. رأى بعض الصحابة كعمر، وماذا روى عن أبيه علي وغيره، فهو يعتبر ماذا؟ من كبار التابعين. فابنه الحسن بن محمد، وكان ثقة، قالوا: من أوثق الناس، من أوثق الناس. ومع هذا انظروا إلى جابر بن عبد الله لم يسكت، وإنما أنكر عليه في ذلك. أخيرًا أيضًا مما يستفاد: الحذر من الوسوسة، وماذا؟ عدم الوقوع في أعمال الموسوسين. والوسوسة يا إخوان مرض قد يبتلى به البعض ويتعبه ويمرضه، بل ربما يتطور حتى يصل إلى حالات جنون. فالوسوسة من الشيطان، ويجاهد المسلم نفسه على تركها، ولا يفتح أذنه أو قلبه... لماذا؟ للشياطين. بعض الناس يدخل قبل أو مع أذان الفجر إلى الحمامات، ما يخرج إلا وقد طلع... وقد طلعت الشمس. عاد الله، كمل الوضوء، واتطلعت الشمس. لماذا؟ بسبب الوسوسة، يعني: وسوس في البول، وسوس في الوضوء، وعدد المرات التي يغسل فيها الأعضاء، وسوس في الاستنجاء، إلى غير ذلك. فالبعد عن مثل هذا المرض من الأمور المطلوبة الواجبة. طيب، نكتفي بهذا. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.