الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول المقطع تقديم منظومة شعرية قيمة في الآداب والزهد، وينسبها إلى أبي إسحاق إبراهيم بن مسعود التجيبي الإلبيري الغرناطي المولود نحو 375 هـ في الأندلس. وقد أثنى ابن سعيد المغربي على براعة نظمه وموافقته للكتاب والسنة.
تتعدد أسماء منظومة الإلبيري، وهي تتناول فضائل العلم وآدابه والحث عليه. نظمها أبو إسحاق الإلبيري نصيحةً للشاعر أبي بكر الذي هجاه، فقابل الهجاء بالعفو والوعظ.
يتحدث المقطع عن منظومة شعرية في الآداب والأخلاق مكونة من 115 بيتاً في بحر الوافر، مؤكداً وجوب حفظها والعمل بمضمونها. ثم ينتقل للرد على سؤال عن جواز زواج الرجل دون علم أهله وأولاده، مبيناً أن الشرع لا يشترط إذن الزوجة الأولى.
يوضح المقطع أن إخبار الأهل ليس واجباً شرعياً، لكنه من تمام العشرة وحسن المعاشرة ودوام الألفة. ويختتم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر مراعاة للظروف الراهنة، داعياً بالتوفيق للجميع.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. أما بعد، فكما سبق أن درسنا في هذا الزمان وفي هذا الوقت سيكون حول منظومة هي تعتبر من أجود المنظومات ومن أكثرها نفعا، ولا سيما في باب الآداب، وهكذا أيضا الزهد وغيرها من الأمور. وهذه المنظومة هي لأبي إسحاق إبراهيم بن مسعود بن سعيد التجيبي الغرناطي الإلبيري الأندلسي. وقد ولد رحمه الله تعالى في نحو عام ثلاثمائة وخمس وسبعين من هجرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونشأ في بلاد الأندلس. وبلاد الأندلس كانت في فترة من الفترات تعتبر منارا من منارات العلم وحاضرة من حواضر أهل الإسلام، يرحل إليها طلاب العلم وأهل العلم لأنها تعتبر من معاقل العلم، وبها من العلماء الذين يرحلوا لطلب العلم عندهم. واليوم يلوثها النصارى بالصليب، وهكذا المعتقدات الباطلة، وهكذا محاربة الإسلام والمساجد ودور العلم هناك. والمؤلف والناظم رحمه الله تعالى نشأ في بلاد الأندلس، وأصله من موضع يقال له حصن العقاب، فقد ولد هناك ونشأ فيه، ثم انتقل إلى المدينة المجاورة له يقال لها البيرة، وإليها ينسب فيقال الإلبيري. وفيها تلقى مزيدا من العلوم وتبحر في العلوم الشرعية، واشتهر بالفقه والقراءات والحديث وغيرها. وبعد تهدم البيرة رحل إلى غرناطة، ولهذا يقال أيضا الغرناطي، وكان ذلك في عام أربعمائة وواحد خلال القتال الذي دار بين الصنهاجيين وأعدائهم. والناظم رحمه الله تعالى له جهود عظيمة في فضح اليهود وبيان مكائدهم وخطرهم ودسائسهم على أهل الإسلام من خلال القصائد التي كان ينظمها ويكتبها. والناظم رحمه الله تعالى توفي فيما يقارب عام أربعمائة وتسع وخمسين من الهجرة، يعني عاش نحو من ستين سنة يكثر قليلا. ولهذا قال رحمه الله تعالى في نظمه: «فقد وفيتها ستين حولا ونادتني ورائي هل أمام» يعني ألمنية. والناظم رحمه الله تعالى له قصائد كثيرة، ذكروا له نحو من أربعين قصيدة، وجلها يتناول الحكم والمواعظ والآداب والزهد. وقد عرف رحمه الله تعالى ببراعة النظم، حتى قال ابن سعيد المغربي رحمه الله تعالى: «ونظمه بديع موافق للكتاب والسنة». وهذه القصيدة وهذه المنظومة ليس لها اسم خاص، وإنما سماها الكتاب بأسماء متعددة، فمنهم من سماها منظومة الإلبيري، وهكذا سماها بعضهم بتائية الإلبيري لأنها ينتهي أبياتها بحرف التاء، وسماها بعضهم بقصيدة الإلبيري، وأطلق عليها بعض آخر بقصيدة التوبة والحث على طلب العلم ووصية ناصح، إلى غيرها من الأسماء التي أطلقت على هذه المنظومة العظيمة. وهذه المنظومة كما يعلم الكثير منكم أنها في ذكر العلم وفضله، وفيها الحث عليه والعناية به، وبيان جملة من آدابه. والشاعر والناظم رحمه الله تعالى في هذه القصيدة ينصح -أجل، ينصح- شاعرا شابا قد هجاه، أي هجى الناظم رحمه الله تعالى، يقال له أبو بكر. وقابل الناظم أبو إسحاق الإلبيري هذا الهجاء وهذا الذم بالعفو والوعظ والنصح والتوجيه. وهذه يا إخوان هي آداب العلماء، هذه أخلاقهم. ووجهه بهذه المنظومة وبهذه الأبيات التي بلغ عدد أبياتها مئة وخمسة عشر بيتا، وقيل مئة واثني عشر بيتا كما هو موجود في ديوان الإلبيري رحمه الله تعالى، ديوان الإلبيري الذي طبع لتحقيق الدكتور محمد رضوان الداية في سنة ألف وأربع مئة وإحدى عشر من الهجرة، طبع ب... بأبيات بلغت مئة واثني عشر بيتا، وثلاثة أبيات... ذكرت، وهكذا ثبتت في نسخ هذه القصيدة الأخرى، وهو البيت الثامن والعشرون، وهكذا البيت مئة وسبعة، والبيت الأخير. هذه ثلاثة أبيات تكمل المئة والخمسة عشر. وبعض الناس ظن أن الشاعر يخاطب ابنا له، هذا هو المشهور أن الشاعر والناظم يخاطب ابنا له، وممن ذهب إلى هذا العلامة حسن بن محمد المشاط في مقدمته أو في مقدمة تعليقه على هذه المنظومة التي جعلها في آخر كتابه «التقريرات السنية شرح المنظومة البيقونية»، ذلكم الشرح الذي غلافه أصفر، في آخره ذكر هذه المنظومة، منظومة الإلبيري، فذهب إلى أن الناظم يخاطب ابنه. وهذا ليس بصحيح، فأبو بكر هذا ليس ولدا له، وإنما هو شاعر معاصر للإلبيري، كما يدل على هذا قول الناظم في أبياته: «أبا بكر كشفت أقل عيبي وأكثره وأكثره سترت، فقل ما شئت في من المخازي وضاعفها، فإنك قد صدقت». وهذا لا يليق أن يخاطب بها والد ولده وأب ابنه، كما نبه على هذا غير واحد من أهل العلم، منهم العلامة عبد الرزاق البدر، وهكذا غيرهم ممن تكلم حول هذه المنظومة. فأبيات هذه المنظومة مئة وخمسة عشر بيتا، وكل ذلك بأسلوب سهل وسلس، كما قيل رقراق يطرب النفس ويأخذ القلوب ويبهر الألباب. فحقها يا إخوان أن تحفظ، حقها أن تحفظ، وحقها أن تدرس وتدرس، ويعمل بما فيها من الآداب والأخلاق والمواعظ. وقد كان العلماء يوصون طلابهم بحفظها والعمل بما فيها من الآداب. وهذه القصيدة هي تعتبر من بحر من بحور الشعر يقال له الوافر، يقال له الوافر. وسيأتي معنا إن شاء الله عز وجل الكلام حول مقدمة وحول كذلكم أيضا بداية هذه الأبيات في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل. فهي منظومة وقصيدة تستحق العناية وتستحق الاهتمام، وينبغي أن نحرص على أن نحفظ، وهكذا أيضا نحرص على العمل بما فيها من الآداب. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. هنا يقول سؤال محرج يا إخوان، طيب، يقول: هل يجوز أن يتزوج الرجل من دون علم أهله وأولاده؟ جزاك الله خيرا وبارك الله فيك، وزوجك الله. ما رأيكم في السؤال؟ شغال الخارج. طيب، الزواج يا إخوان كما لا يخفى على الجميع أن الله عز وجل رغب فيه، قال: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾. هذه الواحدة لمن؟ للخائفين. وإلا فديننا، فديننا يرغب فيه الزواج والتعدد في ذلك، ولا يشترط أن يستأذن الرجل زوجته إذا أراد أن يتزوج، ليس شرطا، وإنما هذا يكون بحسبه، وقد يكون من تمام العشرة وحسن الألف أن يخبر الرجل أهله بما عزم عليه، بما عزم عليه من أمر الزواج. والمصيب يا إخوان أن الزواج اليوم، ولا سيما إذا كان بعد الأولى، في الأولى الكل يفرح لك ويشجعك ويبارك لك ويحمد فعلك، لكن إذا دخلت في الثانية فما بالك بالثالثة والرابعة؟ فهنا تنقلب الأمور رأسا على عقب. وهذا يا إخوان من الأمور غير الصحيحة، غير الصحيحة. كان الناس في أزمنة قريبة يفتخرون بأن الواحدة منهم عنده أكثر من زوجة، أكثر من زوجة. فأتت الأنظمة الغربية والشرقية المخالفة لدين الله عز وجل فمنعت، كان في أيام الحكم الاشتراكي ممنوع أن يتزوج الشخص زيادة على زوجة واحدة، على زوجة واحدة. وهذا يخالف الشريعة ويخالف الفطرة ويخالف العقول الصحيحة وغيرها من الأمور التي يعتمد عليها الناس. فلا يشترط إخبار الأهل بذلك، ولكن كما سبق قد يكون من تمام العشرة ودوام الألفة فعل ذلك، فعل ذلك. طيب، أظن ما يحتاج نتوسع زيادة على هذا لأن الأجواء ساخنة والحال يعلمه الجميع. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.