شرح السنة للإمام البربهاري 28

شرح السنة للإمام البربهاري 28

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 28، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الخوارج وبداية خروجهم

يشرح المقطع الأول مفهوم الخوارج وعلاقتهم بالخروج على ولاة الأمور، ويبين بداية خروجهم على علي بن أبي طالب بعد مسألة التحكيم. كما يشير إلى أن الخروج بالسيف أصبح سمة للفرق الخارجة عن السنة.

استحلال السيف من قبل الفرق الضالة

يتناول هذا الفصل استحلال السيف من قبل مختلف الفرق الضالة مثل الخوارج والروافض والمعتزلة، ويوضح أنهم يتفقون على استخدام السيف لنشر بدعتهم بثلاث صور: بالفعل، وبالاعتقاد، وباللسان.

خطورة القعدية ودورهم في الفتن

يُناقش هذا المحور خطورة فئة القعدية الذين يزينون الخروج على ولاة الأمور دون المشاركة المباشرة، مما يؤدي إلى الفتن وسفك الدماء، ويشير إلى أن بعض العلماء يعتبرهم أخبث فرق الخوارج.

ختام الدرس والدعاء

يتضمن هذا الفصل الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر تواضع المتحدث واعترافه بقدرة الله تعالى.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فإن شاء الله أخواني في الله نستمر في قراءتنا لهذه الرسالة الموسومة بشرح السنة للإمام البربهاري رحمه الله تعالى. وكان الكلام أخواني في الله في هذه الفقرة، والذي قال فيها المؤلف رحمه الله تعالى: «والخلافة في قريش إلى أن ينزل عيسى بن مريم، عيسى بن مريم عليه السلام، ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين فهو خارجي، وقد شق عصا المسلمين وخالف الآثار، وميتته ميتة جاهلية، ولا يحل قتال السلطان والخروج عليهم وإن جاروا، وذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر الغفاري: «اصبر وإن كان عبدا حبشيا»، وقول النبي للأنصار: «اصبروا حتى تلقوني على الحوض»، وليس في السنة قتال السلطان، فإن فيه فساد الدنيا والدين». هذه الفقرة إخواني في الله قد مرت معنا وما يشابهها في دروس سابقة، وكذلك تم الكلام على ما يتعلق بالخلاف في قريش، وإيضاح هذا الأمر وما يعتقد أهل السنة والجماعة في الجمع بين الروايات المتعلقة بهذا الشرط. وقوله رحمه الله تعالى: «فهو خارجي»، أي الذي يخرج على ولاة الأمور فهو خارجي، ومعنى خارجي أي أنه صنع صنيع الخوارج. وسأتي معنا في دروس قادمة حول من هم الخوارج، ومن باب الإشارة لا غير، الخوارج هم تلكم الفرقة التي خرجت على علي رضي الله تعالى عنه، وكان ذلك في عام سبع وثلاثين للهجرة، أي في منتصف خلافة علي رضي الله تعالى عنه. وكان هؤلاء قبل أن يخرجوا على علي كانوا من جنده وكانوا في صفه، لكن لما وقعت مسألة التحكيم واصطلح علي رضي الله تعالى عنه مع معسكر الشام، غضب هؤلاء ورموا عليا بالكفر، وقالوا بأنك كفرت بالله. وكان علي رضي الله تعالى قد استغرب أيما استغراب من هؤلاء، إذ أنهم هم الذين ألزموه بالصلح والجلوس مع أهل الشام، وذلك ما وقع ما بين علي وبين أهل الشام، إذ بمعسكر الشام يرفعون المصاحف، فقام من كان مع علي بوقف الحرب، وقالوا لا يمكن أن نواصل الحرب وهم قد رفعوا الكتب ورفعوا كتاب الله لا نقاتلهم، فتمت المراسلات على وجوب التحكيم وأن يتحاكموا في هذه القضية. فلما نزل علي على طلبهم وعلى عرضهم هم والذين أرادوا التحكيم، وافق علي على أن يتم التحكيم، حكم منهم وحكم من هؤلاء، وأن يحضر التحكيم أناسا لم يباشروا القتال، فتفاجأ علي رضي الله تعالى عنهم قالوا أنك يعني كفرت، قالوا لما كفرت؟ قالوا أنك رضيت بالتحكيم، قال أنتم الذين ألزمتموني بالتحكيم، قالوا نعم نحن ألزمناك بالتحكيم فكفرنا وها نحن تبنا إلى الله، فأنت الآن اعترف بكفرك وتب إلى الله. فعلي رضي الله تعالى ما تنازل إلى هؤلاء السذج ماذا من الصبيان ممن تتحكم بهم الأهواء، فتركهم وما هم فيه وما هم عليه. الشاهد أن هؤلاء هم الخوارج، وكان من أعظم شعاراتهم الخروج بالسيف لكل من خالف السنة على حد زعمهم، والتكفير والتبرأ من عثمان رضي الله تعالى عنه، ولهم كذلك معتقدات شتى مختلفة على حسب مذاهبهم وعلى حسب فئاتهم. ومسألة إخواني في الله هذا الوصف والخروج بالسيف والخروج بالسلاح على الناس وعلى الولاة والأمور، خاصة لم تكن هذه السمة الخاصة بالخوارج، بل أصبحت هذه السمة العامة في كل طائفة وفي كل فرقة خرجت عن السنة. لهذا يقول أبو قلابة رحمه الله تعالى: «ما ابتدع قوم بدعة إلا واستحلوا السيف»، ما ابتدع قوم بدعة إلا واستحلوا السيف، فأصبح استحلال السيف هذه مطية لكل مبتدع. وأنت إذا نظرت يمنة وإذا نظرت يسرة لكل من خالف السنة تجد أنه يهرع إلى السيف، فالخوارج دعوتهم قائمة على السيف، المعتزلة كذلك، الروافض كذلك، الجهمية كذلك. بل كان أبو أيوب السختياني رحمه الله تعالى كان يسمي أهل الأهواء جميعا خوارج، يسميهم جميعا خوارج، ما يفرق بينهم، يقول هذا خارجي وهذا خارجي وهذا خارجي. لهذا يقول رحمه الله تعالى: «يقول الخوارج اختلفت في الإسم واتفقت على السيف»، اختلفت في الإسم واتفقت على السيف، فهم يختلفون في أسمائهم هذا معتزلي وهذا رافضي وهذا جهمي وهذا حروري، ثم بعد ذلك ماذا يتفقون؟ جميعا على السيف. فالكل يريد أن ينشر بدعته وينشر فكرته بالسيف، وهذا لا يخفى على من تتبع التاريخ قديما وحديثا. فأما الخوارج فأمرهم لا يخفى على أحد، فقد خرجوا على الرعيل الأول في صدر الإسلام، ولا زالوا يخرجون على الأمة. وهكذا الروافض فحالهم لا يخفى، فهاهم يقاتلون ويقتلون كل من خالف مذهبهم وخالف منهجهم، وأن من وقف أمامهم استأصلوه وأخرجوه من الدنيا. وهكذا المعتزلة، ولا يخفاكم ما الذي وقع على أهل السنة والجماعة عندما آلت الحكومة إليهم في عهد الإمام أحمد رحمه الله تعالى، في زمن المأمون والمعتصم والواثق من خلفاء بني العباس، عندما أخذوا برأي المعتزلة في خلق القرآن، كيف أنهم فتنوا المؤمنين، وسفكوا الدماء الحرام. وهكذا قس على ذلك حتى الفرق المعاصرة، تنظر يمنة ويسرة، ما من فرقة من الفرق المعاصرة حتى التي تلمز بأنها دعوة خالصة للدعوة، تدعو الناس في المساجد إلى الله عز وجل، وأنها بعيدة من العنف وأنها بعيدة عن السياسة وأنها عبارة عن دعوة روحانية، ومع ذلك تستخدم السيف إذا احتاجت إليه. إن كان أحد من أتباعها خرج عن منهجها لربما قتلوه ولربما آذوه، ويراجع في ذلك ما كتبه الإمام الشيخ التويجري في كتابه «القول البليغ». فهذه نبذة عن هذه الجماعة المسكينة، ومع ذلك تستعين بالسيف والقتل والقتال، فما ظنك بمن هو أشد منها وأشرس؟ هذا لا يقف إخواني في الله، أن جميع الفرق ماذا يؤول أمرها إلى السيف، وهذا من شر البدع، وهذا من شر البدع، كما قال أبو قلابة: «ما ابتدع قوم بدعة إلا واستحلوا السيف». وهنا يا أخواني في الله ننتقل إلى مسألة أخرى، وهي يقول علماء أن استحلال السيف يكون بصور ثلاث، استحلال السيف يكون بصور ثلاث، إما أن يكون استحلال السيف بالفعل، وهذا الذي عليه الخوارج، أنهم يخرجون بالسيوف يطبقون هذا تطبيقا عمليا فعليا. والاستحلال الثاني أن يكون بالاعتقاد، بالاعتقاد دون الفعل، وهذا الذي عليه الروافض وعليه المعتزلة، ووجه ذلك أنهم كعقيدة يعتقدون أنه يشرع لهم ويجوز في حقهم الخروج، يجوز هذا في حقهم، يعتقدون كعقيدة أن هذا جائز وهذا مباح وهذا مرخص لهم، لكن لماذا ما خرجوا بالفعل؟ ما طبقوا الخروج، يقولون وجود عوائق هناك عوائق هناك موانع منعتهم، إما خوف وإما عدم اكتمال الأهلية للخروج، أو تقية، أو عدم توفر الخروج بغياب الإمام المنتظر كما تدعي الرافضة عدم وجود الإمام المنتظر الذي سيخرجون ويجاهدون تحت رايته. فهم كعقيدة يعتقدون أن الخروج مستساغ، يخرج من أراد أن يخرج، لكن يتعذرون. فبقيت مسألة الخروج عندهم عقيدة. ومن درس في كتب الاعتقاد إخواني في الله، وخاصة ما يتعلق بالمعتزلة، ما يسمى بالأصول الخمسة التي بنوها، وهي الركيزة لهذه البدعة، البدعة المعتزلة، في الركن الخامس على هذا الترتيب، يقولون من أصولهم تغيير المنكر، ومقصود بالتغيير المنكر عندهم هو الخروج على ولاة المسلمين وعلى ولاة الأمور، وهم يعتقدون أن هذا من صميم اعتقادهم مشروعية الخروج، لكن ما فعلوه لماذا؟ لعدم تمكنهم. لذلك هناك صورة ثالثة وهو الخروج باللسان، وهو الخروج باللسان. قلنا الأول بالفعل، والثاني بالاعتقاد، والثالث الخروج باللسان، وهذا يشتهر عن فرقة تسمى بالقعدية. وقد تكلم العلماء رحمه الله تعالى على هذه الفرقة وبينوا عوارها، ومن ذلك ما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في «هدي الساري»، وهكذا في «تهذيب التهذيب»، عندما عرج على الكلام على بعض هؤلاء ممن ينتمي إلى القعدية، بين رحمه الله تعالى من هؤلاء. فذكر رحمه الله تعالى كما في «هدي الساري» قال: «هم الذين يزينون الخروج على الأئمة ولا يباشرون ذلك»، غرضهم من ذلك والتزيين يزين بالمقالات، بالخطب، بالتهييج، يهيجون الناس. مجتمع وإن الله الحمد حل عليه الأمن والأمان والاستقرار في أرضهم، فيقوم هذا ويهيج: «أنتم ما تنظرون؟ أنتم ما تدرون ما يحاك في السراديب؟ ذاك الوالي فعل وفعل»، وأخذ ينكش ما عليه الولاة من الذنوب. قد مر معنا النبي عليه الصلاة والسلام بين على أن قد يوجد من ولاة الأمور من فيه جور ومن فيه ظلم ومن فيه فسق، لكن هذا لا يوسعك، وهذا ما يحوجك يا عبد الله إلى الخروج. قال عليه الصلاة والسلام: «ألا من ولي عليه والي فرآه يأتي شيء من معصية الله فليكره الذي يأتي من معصية الله ولا ينزعن عنا يد من طاعة»، لا ينزعن عنا يد من طاعة، «فشره بجنبه وسيئاته سيلاقيها ربه جل وعلا»، سيحاسبه ربه على تفريطه في جنب الله عز وجل. لكن أن يجعل مثل هذه السقطات وهذه الهنات والآفات وقعت من ذاك وذاك تكون مسوغا للخروج فلا. فالشاهد يأتي هؤلاء ويأتي بمثل هذه السقطات: «أنتم ترغبون أيها المجتمع أيها الشعب بأكل الشهوات والملذات، وهذا يفعل وذاك يفعل، وهذا تلاعب بالأموال تلاعب»، فماذا؟ يهيج ويصف الأنظار عما فيه من خير من إقامة الصلاة ومن إقامة شعائر الدين إلى ما فيه الفتنة والفوضى الذي لا تنتهي والتي لا يعلم بعظم عاقبتها إلا الله جل وعلا. فعلا فهؤلاء القعدية يزينون الخروج على ولاة الأمور وانظر ولا يباشرون ذلك، ما يباشرون، يخرجون الناس: «اخرجوا الناس، اخرجوا، مظاهرات، يا أنت يا شيخ، زاك الله خير، أم أنت شجعتنا على الخروج؟ تخرج صف الأول، أنتم طالبوا حقوقكم»، سبحان الله، «أنتم تطالبوا حقوقكم يا عبد الله، ألا ترى هذا من صميم العقيدة ومن أسس الدين؟ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون؟». فالناس إخواني في عماية عن هؤلاء يزينون ويزينون ويزينون، فهم في خفاء وهم لا يباشرون ذلك. كما قال الحافظ رحمه الله تعالى. والأسف إخواني في الله قد عمت البلية بمثل هؤلاء في هذا الأزمان، عمت البلية بهؤلاء، لربما في الخفاء يتعاقدون ويتعاهدون مع بعض الأنظمة الكفرية، مع اليساريين أو مع الليبراليين أو حتى كذلك مع النصارى ومع الموساد ومع حتى اليهود يتعاقدون معهم. لماذا؟ حتى يتسنى لهم أن يشكلوا جبهات أو ما يسميهما بثورات تسقط ذاك النظام وذاك النظام، وماذا لا يستحق الإسقاط؟ فأثاروا الدماء وسفكوا الدماء وأزهقوا الأرواح وذهبوا بحرمة الإسلام وحرمة المسلمين من جراء هؤلاء. ثم بل إن بعض العلماء إخواني في الله لخبث هذه الفرقة، لأن بعض الناس قد يقول يعترف أن هؤلاء نعم هم هؤلاء على خطأ، لكن ليس خطأهم كخطأ الخوارج. فكما يقول الخوارج أو استحلال السيف طبقات بالفعل، بالاعتقاد، باللسان، من العلماء من جعل أخبث فرقة من هذه الفرق هذه الفرقة الأخيرة، أصحاب اللسان. ذكر أبو داود رحمه الله تعالى في مسائله ونقل ذلك عن محمد بن عبد الله رحمه الله تعالى أنه قال: «قعد الخوارج هم أخبث الخوارج»، قعد الخوارج هم أخبث الخوارج، أي هؤلاء القعدية، سمهم قعد الخوارج، قعدية، هم الذين ماذا؟ لا يباشرون، إنما عندهم المنابر، عندهم الخطب، عندهم الكراسي، عندهم المقالات، عندهم القصاصات، عندهم الكاسيتات، عندهم الأسطوانات، عندهم بعض الأبيات تخرج هنا وهنالك. هؤلاء يعتبرون عند بعض العلماء أخبث فرق الخوارج، لأن هؤلاء هم منشئون للانطلاق، لولا هؤلاء لما جاءت جموع الفتن، ترى المجتمع آمن في أمن وأمان، ثم يأتي ويحيي هذه الفتن الذي ماذا؟ لا يعلم بعظمها إلا الله جل في علاه. فأشهد إخواني في الله المؤلف رحمه الله تعالى ذكر أن لا يحل قتال السلطان، وأن النبي قد أمر بالصبر، فقال: «اصبر وإن كان عبدا حبشيا»، وهذا الذي رواه المؤلف رحمه الله تعالى ثبت في صحيح مسلم. وأما في قوله قال: «وقوله للأنصار اصبروا حتى تلقوني على الحوض»، لأن ذلك ثبت في البخاري ومسلم. وسأتي إن شاء الله معنا ما يتعلق بقول مؤلف رحمه الله تعالى: «ويحل قتال الخوارج إذا عرضوا للمسلمين»، ونتكلم حول ما يتعلق بأمر الخوارج وأحكامهم، في الدنيا. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.