شرح لمعة الاعتقاد 37

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 37، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إثبات رؤية الله عز وجل في الآخرة

المحور يتناول إثبات رؤية الله عز وجل في الآخرة لأهل الإيمان بأدلة من القرآن والسنة، ويُعتبر ذلك أعظم ما يعطيه الله لأهل الجنة.

الرد على منكري رؤية الله تعالى يوم القيامة

يتناول الرد على المعتزلة الذين أنكروا رؤية الله يوم القيامة، ويُوضح أن استدلالهم بقول الله لموسى "لن تراني" غير صحيح.

رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة وتأصيلها

يناقش المحور مسألة رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة، ويُفهم أن رؤيته في الدنيا مستحيلة بينما تُعتبر ممكنة ومحببة في الآخرة.

ختام الكلام على الرؤية والانتقال للدرس اللاحق

تم الانتهاء من الكلام حول الرؤية وسيتم الانتقال إلى فقرة أخرى من كتاب الله في الدرس اللاحق بإذن الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أخذنا مسألة الرؤية، رؤية الله عز وجل في الآخرة، وأن أهل الإيمان يرون ربهم جل وعلا بأبصارهم، وقد دلت عليه الأدلة المتكاثرة. وذكرنا حديث جرير بن عبد الله البجلي: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته». هذا حديث صريح. وأيضا قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾، قال المبتدعة: إن إلى ربها ناظرة، قالوا: إنها منتظرة بثواب ربها، فجعلوا الناظرة هنا أي المنتظرة، وهذا غير صحيح حتى في لغة العرب. وأيضا قول الله عز وجل: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾، كما قال الإمام الشافعي وأحمد وغيرهما: لما حجب الله عز وجل الكفار في حال السخط، فدل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا، كما قال الشافعي رحمه الله: فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا، وإلا لم يكن بينهما فرق. وأيضا من الأدلة على الرؤية قول الله جل وعلا: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾، فالزيادة فسرها النبي عليه الصلاة والسلام برؤية الله، فسرها برؤية الله. فلو كانت رؤية الله عز وجل مراد بها الثواب، لما كانت زيادة على الجنة، لكن الزيادة هذه على الجنة هي رؤية الله عز وجل، فهو أعظم ما أعطوه في الجنة، أعظم ما أعطوه في الجنة رؤية الله. كما جاء في حديث صهيب بن سنان الرومي، أخرجه الإمام مسلم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن ابن أبي ليلى، عن صهيب، قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، هل رضيتم؟ فيقولون: يا رب، وكيف لا نرضى وقد أدخلتنا الجنة؟ فيقول جل وعلا: فيأذن لهم جل وعلا في رؤيته، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إليه». وهذا بمعنى الزيادة التي ذكرها ربنا جل وعلا. وقد جاء تفسيرها عن النبي صلى الله عليه وسلم صحيحة، وعن الصديق، وعن جماعة من الصحابة. ولا خلاف بين السلف أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة. وأول من أنكر الرؤية من أهل البدع صفوان، ثم تتابع عليها أهل البدع. وجاء المعتزلة بأمر هزيل، قالوا: الله عز وجل لما قال لموسى: ﴿لن تراني﴾، لما طلب موسى من ربه جل وعلا أن يراه، أن يرى الله جل وعلا، فقال الله عز وجل: ﴿ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا. فقال بعض المعتزلة كالزمخشري وغيره: إن «لن» تفيد التأبيد، أي أنك لن تراني أبدا. وهذا كلام غير صحيح، لا من ناحية اللغة، وأيضا من ناحية الشرع. فـ«لن» لا تفيد التأبيد أبدا. ولهذا قال الله عز وجل في كلام مريم: ﴿فلن أكلم اليوم إنسيا﴾، فلو كانت «لن» للتأبيد لما قيدها باليوم. وأيضا قول الله عز وجل: ﴿ولن يتمنوه أبدا﴾، أي الموت. فلو كانت «لن» للتأبيد، لما احتاج أن يقول: ﴿أبدا﴾. قال ابن هشام أو ابن مالك: ومن رأى أن «لن» تفيد التأبيد، فقوله مردود. وسواء قال: فأبدا، أو حذف «أبدا»، فمعناه أن «لن» لا تفيد التأبيد أبدا، وإنما تفيد تأبيدا مؤقتا. ولهذا قال الله عز وجل لموسى: ﴿لن تراني﴾، أي أنك الآن لن تراني. وأيضا الله عز وجل لم ينكر على موسى سؤاله، مثل ما أنكر على نوح سؤاله، قال: ﴿إني أعظمك أن تكون من الجاهلين﴾. لكن موسى لم ينكر عليه سؤاله لأنه ممكن. وأيضا علق الله عز وجل رؤيته بشيء ممكن، قال: ﴿انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾، فعلق رؤيته جل وعلا على شيء ممكن، فدل على أن رؤيته ثابتة. لكن الله عز وجل جعل رؤيته يوم القيامة، فإن العبد لا يستطيع أن يرى الله عز وجل وهو في هذه الدنيا. ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «تعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا». على ما يكون هذه الرؤية إلا بعد الموت، إذا مات العبد يرى ربه جل وعلا يوم القيامة. وأما في الدنيا فلا يرى. ولهذا اختلف العلماء في رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لربه، هل رآه ببصره أم لم يره؟ والشيخ الإسلام يقول: إنه لا خلاف بينهم، وإنما ابن عباس أثبت رؤية القلب، وعائشة أنكرت رؤية البصر، لأن عائشة تقول: «من أخبركم أن نبيكم صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم الفرية». فهي أنكرت رؤية البصر، وابن عباس أثبت رؤية القلب، فلا خلاف بينهم كما ذكر الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وأيضا النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي ذر، أخرجه مسلم، قال: «نور أنى أراه»، وفي رواية أخرى: «رأيت نورا». فلهذا العبد في الدنيا لا يستطيع أن يرى الله لأنه معنى خلقه ضعيف، فلهذا لا يستطيع أن يرى الله. فجعل ربنا جل وعلا بينه وبين خلقه حجابا. ولهذا جاء في الحديث: «لو كشف عن وجهه، لا أحرق السبوح»، أو قال: «لو كشف عنه، لا أحرقت سبحات وجهه كل شيء انتهى إليه بصره». جل وعلا، وهذا لعظمته سبحانه وتعالى، فلم يجعل المخلوق يستطيع أن يراه في الدنيا، وإنما جعله يراه في الآخرة جل وعلا. فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم جل وعلا، كما جاء في حديث صهيب، في صحيح مسلم. وإن كان فيه خلاف، اختلف فيه على ثابت فرواه سليمان بن المغيرة، وحماد بن زيد على أنه مرسل. ومعناه: يقول ابن أبي ليلى عن النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه حماد بن سلمة عن ثابت، عن صهيب، وحماد بن سلمة من أثبت الناس فيه عن ثابت. وبهذا الكلام إن شاء الله وتعالى انتهينا من الكلام على الرؤية، وإن شاء الله وتعالى ننتقل في الدرس اللاحق إلى فقرة أخرى من كتاب الله تعالى.