تتناول الحلقة أحكام الصيام عن الوالدين المتوفين ولبس الكمامة في الإحرام. يُوضح الشيخ أحكام كل مسألة ويستند إلى الأدلة الشرعية.
يتناول المقطع مسائل فقهية متعددة منها مطالبة الأبناء للتعويض عن أرض والدهم وحكم الخلع في الطلاق ونصيحة لمن يأكل أو يشرب بالشمال.
يجب على المسلم اتباع شرع الله وعدم التقيد بمذهب معين، بل يأخذ بفتوى العالم المعروف بالعلم والتقوى، وينظر في الأدلة الشرعية.
تم اختتام الحلقة بالدعاء والسلام، واستقبال الأسئلة عبر واتساب البرنامج.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم الأخوة المستمعون الكرام في حلقة جديدة من حلقات برنامجكم الأسبوع "من أسئلة المستمعين"، والذي نسعد فيه باستضافة شيخنا الكريم أبي همام عبد الله بن علي باسعد، إمام مسجد عبد الرحيم والمدرس بدار الحديث بالشحر. في مطلع هذه الحلقة، أرحب بشيخنا الكريم، فأهلا وسهلا بكم. وأنا أرحب بك وأرحب بالمستمعين، عافانا الله وإياكم. أولى رسائل هذه الحلقة من المستمع أبو أحمد من حي المشراف، يقول: هناك رجل توفي والداه رحمهم الله تعالى بعد رمضان، وهما لم يصوما رمضان، وكانا كبيرين في السن وغير واعيين، فهل على أولادهما الصيام عنهما؟ جزاكم الله خيرا. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنسأل الله عز وجل التوفيق والإعانة والسداد. هذا السؤال الذي ذكره المستمع حفظه الله، في والدين كبيرين في السن لم يصوما رمضان لأجل كبر السن وكذلك عدم الوعي، فهل عليهما شيء؟ ليس عليهما شيء، ليس عليهما لا صيام ولا إطعام؛ لأنهما ليسا بوعيهما. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: "رفع القلم عن ثلاث، وذكر منهم عن المجنون حتى يفيق". وهؤلاء في حكم المجنون، كما هو معلوم عند الفقهاء. فالذي يذهب عنه الوعي ويزول عنه العقل، لا يكتب عليه القلم ولا يجب عليه شيء. وأما إذا كانا لازالا بوعيهما، فيجب على ورثتهما أن يخرجا عن كل يوم طعام مسكين. جزاكم الله خيرا. وبرك الله فيكم. أبو خالد من الشحر من الغربية حفظه الله تعالى يقول: أحد أرحامه أو أقاربه من النساء وفقت بإذن الله تعالى للسفر إلى الحج، فهل يجوز لها أن تلبس الكمامة أم أنها من المحظورات؟ هذا السؤال، إذا كان المقصود به المرأة، فالأصل أن المرأة منهية عن لبس النقاب في الحج، وهو ما يعصب ويوضع في الوجه ويعصب خلف، فهي منهية عن النقاب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين". وأدخل أكثر العلماء كل ما كان يشبه النقاب من اللثام ومن غيره مما يكون أو البرقع، ما يسمى بالبرقع أيضا عند النساء، فيدخل فيه في هذا النقاب الذي هو منهي عنه. وقد أجاز العلماء بما جاء بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في فعل أو في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في فعل عائشة وأسماء أنهن كُنَّ يسترن وجوههن بشيء ليس نقابا، وإنما ساتر يكون من الخمار، فإذا مر الرجال قالت عائشة: سترنا وجوهنا. فالمرأة مطالبة بستر وجهها عند الرجال، وأما عند محارمها وعند النساء فهي تكشف وجهها. فلا يجوز لها أن تستر وجهها بنقاب أو ببرقع. وأكثر أهل العلم على أن اللثام أيضا داخل في هذا، أنها لا تستر وجهها بلثام، فهو يعتبر مثل النقاب. وأما الرجل، فالرجل على القول الصحيح أنه يجوز لبس الكمامة، وبعض العلماء يقول: لا يجوز؛ لأنه لأن الرجل أيضا منهي عن أن يغطي وجهه في الإحرام. لما جاء في حديث ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في المحرم الذي وقصته الناقة: "ولا تغطوا رأسه ولا وجهه"، أو قالوا: "لا تغطوا وجهه ولا رأسه". فلو لا أنه لا يلبس مثل هذا في وقت الإحرام، لكن أجاز كثير من المحققين جواز مثل هذا إذا كان للضرورة، يعني إذا كانت هناك ضرورة لانتشار الأمراض المعدية وغيرها. فلا بأس أن تضع هذا اللثام أو ما يسمونه بالكمامة، فيضعونه إذا كان للحاجة الملحة أو الضرورة لوجود عدوى وغيره. أما لأجل أن تستر وجهها مثلا أو لأجل أشياء قد تكون ظنية أو كذا، فهذا لا ينبغي أن تفعله، ولا أولا أن تبتعد منه. وإن فعلت عند كثير من العلم أن فعلت، فحجها صحيح، لكن عليها الفدية عند أكثر العلم، وهي صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاه. جزاكم الله خيرا. هذا سائل للبرنامج كتب هذه الرسالة عن طريق الواتس من الجزائر، الأخ حميد يقول في سؤاله: أن الدولة تصرف مبلغا من المال إعانة لذوي الاحتياجات الخاصة، وكان هناك بنت يستلم والدها هذا المال، غير أنهما يصرفان هذا المال في شؤون البيت، فهل يجوز لهم ذلك أم أنه يصرف للبنت كون المال يعني خاص بها؟ هذه المسألة، إذا كان هذا المال لأجل هذه البنت، ففي الأصل أنه يصرف فيما يتعلق بها، ولو مثلا يأخذون جزءا من هذا المال لأجل مثلا شراء بعض المواد الغذائية كالأرز مثلا والدقيق وغيره، مما يكفيها لشهرها، ولا بأس أنهم يدخلونه معهم من باب المشاركة، تشارك هي بشيء من المال أو وليها يضع شيء من المال لأجل أن تشارك في هذا الطعام، فهذا لا بأس. وأما أنهم يأخذون المال كله ويضعونه في مثلا المواد الغذائية أو في ما يكون في البيت، فهذا ليس صحيحا. إلا أنه إذا كان الولي فقيرا، فليأخذ بالمعروف، إذا احتاج جدا احتاج إلى شيء أن يأخذه من هذا المال، لا بأس أن يأخذ لقول الله عز وجل: "ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف". فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم، من كان غنيا لا ينبغي له أن يأخذ شيئا من هذا المال، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف، يأكل لكن يأخذ بما تعارف عليه الناس أو بما يكون معروفا مما اضطر أو ما اضطر إليه من أخذ شيء من هذا المال. أما أنه يأخذ المال كله ويوضع في البيت، فهذا ليس صحيحا. جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم. هذا سائل للبرنامج يقول: أن والده عنده قطعة أرض، ثم أن هناك رجلا بنى في هذه القطعة بيتا، فطالب الوالد بهذا البيت، فذهب إلى العقار فقال له: نعوضك، فسامح الرجل مقابل هذا التعويض. توفي والدهم رحمه الله تعالى، الآن الأبناء هل يطالبون العقار أم يذهبون إلى هذا الذي بنى في قطعة أبيهم يطالبونه بالتعويض أو ماذا يفعلون؟ هذه المسألة، الأصل أن هذه الأراضي المسؤولة عنها الدولة أو العقار وهي ترى النفع وكذا للناس، فما دام أنها أصلحت بينهما وقد سامح أو قد أيضا كذلك رضي بهذا، فالأصل أن مطالبته تكون عند العقار. فإذا كان مثلا العقار لم يفعلوا له شيئا، فلا بأس أنه يطالب الرجل مرة أخرى أو يطالب الرجل مرة أخرى ويصطلح معه حتى مثلا يعطيهم أجر أو يعطيهم مال قدر الأرضية التي هم عليها أو التي بنى عليها. وأما مثلا أنهم يتكون ملكهم، لا ما تكون ملكهم، لكن ممكن يصطلح على أن يعطيهم مالا قيمة الأرضية في ذلك الوقت. والأصل أنهم يطالبون العقار بالتعويض، ما دام عندهم ورقة التعويض، لابد أنهم يطالبون العقار حتى يعوضهم. جزاكم الله خيرا. هذا سائل عين سين عين من أحد الأرياف يقول: أن الرجل إذا طلق امرأته طلقتين، ثم حصل نزاع بينه وبينها فخلعته، هل هذا الخلع يقوم مقام الطلاق الثالثة أم أنه لا يصير ذلك؟ هذه المسألة، إذا طلق الرجل تطلقتين وبقيت له ثالثة، فخلعته المرأة، فهل هذا الخلع يعتبر طلقة ثالثة؟ الصحيح أنه لا يعتبر طلقة ثالثة؛ لأن الله عز وجل لا ذكر الطلاق فقال: "الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان". "ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموه النساء إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله". ثم قال: "فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به". وهذا هو الخلع. فذكر الله عز وجل الخلع بين الطلقات الثلاث، ولم يحسبه طلقة، فقال: "فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به"، أي افتدت به من مالها لهذا الزوج حتى يطلقها، معنى حتى تخلعه ويطلقها. فقال الله عز وجل: "فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به"، تلك حدود الله، "فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون". ثم قال جل وعلا: "فإن طلقها فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره". فذكر الطلقة الثالثة بعد الخلع، ذكر الطلقة الثالثة بعد الخلع، دل على أن الله عز وجل لم يحسب الخلع طلقة ثالثة. فلهذا فالصحيح أن الخلع ليس طلاقا، وإنما أحكامه غير أحكام الطلاق، فلهذا لا يحسب على أنه طلقة ثالثة، وإنما يحسب أنه بينونة، لكن بينونة صغرى. معنى إذا أراد أن يتزوجها مرة أخرى يتزوجها بعقد جديد ومهر جديد، ما دام أنه لم يطلقها ثلاثا، فإن طلقها ثلاثا فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. جزاكم الله خيرا. هذا سائل يقول: أن له قريبة من أقاربه اعتادت الشرب باليسار، وقام بنصحها دائما، وهي يعني تفعل ذلك. والله أعلم هل تفعله عن عقيدة أو تفعله عن نسيان واعتياد، هل من نصيحة؟ وخاصة أن كثير من الأولاد والكبار يعني يأكلون أو يشربون باليسار، فهل من نصيحة في هذا الباب؟ جزاكم الله خيرا. هذه المسألة، مسألة الأكل بالشمال، قد يظنها البعض أنها سهلة، وأنها لا شيء فيها، وأنها من القشور كما يظن بعضهم، وهذا خطأ ليس صحيحا. بل هذه المسألة شدد فيها النبي عليه الصلاة والسلام، وبيّن أن من يأكل بالشمال يتابع الشيطان في أكله؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح قال: "لا تأكلوا بالشمال ولا تشربوا بالشمال؛ فإن الشيطان يأكل ويشرب بشماله". فأولا يدل على أن هذا تشبه بالشيطان الذي يشرب ويأكل بشماله، يتشبه بالشيطان والعياذ بالله، والتشبه بالشيطان محرم، لا يجوز أن الإنسان يتشبه بالشيطان. وزد على ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يجعل أحدا يأكل عنده بشماله، فإذا رأى أحدا فإنه يقول له: "كل بيمينك". ولهذا جاء في حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم أن رجلا كان يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يأكل بشماله، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: "كل بيمينك". قال: "لا أستطيع". قال: "هتكبرا". "لا أستطيع". قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "لا استطعت". قال: "فما رفعها إلى فيه". معناه أنها شلت يده، شلت يده بسبب عناده وعدم طاعته لرسول الله صلوات الله والسلام عليه. فلهذا المؤمن ينبغي عليه أن يتابع شرع الله جل وعلا، وأن يتابع النبي عليه الصلاة والسلام؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يشدد في هذه المسألة حتى لا يأكل المسلم بشماله مثل ما يأكل الشيطان. فينتبه المسلم، فإن تعود على الأكل بالشمال، يحاول أنه يترك هذا الطبع ويأكل بيمينه، ولو لم يستطع أو لم ولو لم أو ولو كان يجد مشقة في أكله باليمين، يتعود حتى يترك الأكل أو الشرب بالشمال؛ فإنه كما قلنا منهي عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي للمسلم أن يفعله ويتشبه بالشيطان والعياذ بالله. جزاكم الله خيرا. هذا سائل للبرامج يقول: هل يلزم المسلم أن يكون على مذهب أهل بلده، خاصة في الأمور التي لم يكن فيها الدليل واضحا؟ هذه المسألة، انتشرت وعمت، وليس فيها ما يدل عليها شيء من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الإنسان يتبع عالما من العلماء ويترك العلماء كلهم، فهذا ليس صحيحا. ولم يأت دليل على ذلك، بل لا دليل عكس هذا، يقول الله عز وجل: "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون". فلهذا فالواجب على المسلم أنه يتبع شرع الله جل وعلا. صحيح أن هؤلاء لئمة هم الحلقة أو الواسطة التي بيننا وبين رسول الله صلى الله ومعرفة كلامه وتوضيح لكلامه صلى الله عليه وعلى وسلم. لكن أخذ كلام أحد العلماء وترك الباقين ليس صحيحا؛ فالمهم أن مسألة انتشار هذه المذاهب، وأيضا كذلك في مكان يجعلون هذا مذهب كذا وهذا مذهب كذا، فهذا مما حصل محدثا في زمن محدث، حتى في زمن لئمة ما كان هذا موجودا. بل كان لئمة يحثون على الاتباع، أن الإمام الشافعي رحمه الله كان يقول: "إذا رأيت قولي يخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فارمي بقولي عرض الحائط". وكان الإمام أحمد يقول: "لا تتبعني ولا تتبع سفيان ولا الأوزاعي ولا غيرهم". أيضا ليس معنى ذلك أن كل إنسان يجتهد لا، لكن الذي لا يعرف هو بحسب ما يفتيه العالم الذي لا يعرف يأتي إلى العالم ويسأله؛ لأن الله عز وجل يقول: "فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون". فالعالم هذا يلزمه مثلا أنه يفتي بمذهب فلان أو فلان، ما دام أنه يعرف أقوال العلماء ويعرف أيضا ما استدل به وما استدل به فلان وفلان، وهو يعرف أن الحديث الصحيح مع المذهب الفلاني، ثم يفتي على مذهبه هذا ليس صحيحا. لكن مثلا لو شك مثلا ما يدري أين الصواب، وأخذ قول أحد من هؤلاء العلماء أو من تثق عند الناس مما يأخذون به، لا بأس. أما أنه يقيد الناس لابد أن تأخذ بكذا أو تأخذ بكذا، لا. وأما العامي كما قلنا، فهو يسأل العالم، يسأل العالم ويعمل بما أفتاه هذا العالم؛ لأن الله عز وجل أمره بذلك: "فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون". فيسأل العلماء، سواء كان هذا العالم على مذهب كذا أو مذهب كذا، فما دام أنه سمع فتوى هذا العالم المعروف الذي عرف بالعلم وعرف بالتقوى والزهد، وأيضا كذلك التحري في الإجابات، فهنا له أن يتبع مثل هذه الفتوى ويأخذ بها. فبحمد الله الآن تجد في العالم كله، وأكثر المسلمين الذين يحبون السنة، غالبهم يأخذون بفتاوى الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ واللجنة الدائمة وكذا. وتجد أن هؤلاء ما يفتون على مذهب معين غالبا، وإن كان مثلا أحيانا يفتون على المذهب الحنبلي في بعض القضايا، لكن غالبا ما يفتون إلا بما جاء وبما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتجد فتواهم في كل مكان بحمد الله، سواء كان في أماكن الشافعية أو أماكن الحنفية أو أماكن المالكية أو أماكن الحنابلة أو غيرهم. فلهذا فهذا هو الصحيح، أنه يؤخذ بفتوى العالم، لا يؤخذ بمذهب فلان ولا فلان، إنما الذي لا يعلم يأخذ بفتوى العالم، والذي يعلم فهو ينظر في الأدلة. وأيضا إن كان هذا العالم الذي طمع له وافق الشرع في هذه المسألة، أخذ بها، وإن كان قد خالف الشرع في هذه المسألة، فلا ينبغي له أن يأخذ. وليس هنا اعتراض على مسألة الانتساب، مسألة الانتساب شيء آخر، أنه ينتسب مثلا إلى مذهب بلده هذا شيء آخر. لكن أنه يتقيد بهذا المذهب، ليس صحيحا. فانظر مثلا إلى بعض العلماء الذين اجتهدوا في بعض المذاهب، تجد أنهم خالفوا المذهب في أشياء كثيرة، خالفوا مذهبهم ومذهب أهل بلدهم في أشياء كثيرة. على سبيل المثال، مثلا الإمام النووي رحمه الله، أبو زكريا يحيى النووي، فإنه رحمه الله عليه كان ينتسب إلى مذهب الشافعي، وقرر له كتب كثيرة على مذهب الشافعي، ومنها المنهاج. لكن قد اختار أشياء كثيرة من المسائل مخالفة لمذهب الشافعي، بل حتى تجد العلماء القدماء الذين كانوا من طلاب الشافعي كالمزني وغيره، أيضا يخالفون الشافعي في مسائل كثيرة. والبغوي وغيره كذلك، أيضا لو نظرت إلى المذهب الحنبلي أيضا، فيه هناك من العلماء الحنابلة ما يتقيد بمذهب الحنبلي، بل يأخذ بالصحيح. بل حتى أحيانا من قضاتهم كابن عقيل أو كابن قدامة وغيرهم، فتجد أنهم يأخذون أحيانا ويخرجون عن المذهب كذلك في مذهب أبي حنيفة، أبو يوسف ومحمد بن حسن خرجوا عن مذهب أبي حنيفة. وغيرهم كذلك في المذهب المالكي أيضا كابن رشد، وكذلك صاحب فتح القدير ابن همام وغيرهم من هؤلاء، تجد أنهم أخذوا في بعض المسائل على غير مذهبهم. فليس الإنسان أنه يتقيد بالانتساب شيء، والتقيد بالمذهب شيء آخر. لكن نحن بحمد الله نعرف لهؤلاء إما قدرهم ومكانتهم، وأيضا كذلك ما بثوه من العلم، فجزاهم الله خيرا. ونسأل الله عز وجل أن يثيبهم على ذلك، ونحن أيضا نحبهم ونجلهم ونكرمهم، لكن ليس معنا ذلك أننا لابد أن نقلد ما يقولون أو أن نتبع ما يقولون. فإن الأصل أن الإنسان يتبع شرع الله جل وعلا، وما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهؤلاء كما قلنا إنما هم حلقة وصل بيننا وبين كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن جاءه الدليل وعرف الدليل، وأيضا استدل بالأدلة الصحيحة على المسألة، وذاك مثلا فاته الدليل أو ظن أن هذا الحديث صحيحا وهو ضعيف، فتجد أنه يأخذ لهذا الإمام الشافعي دائما يقول: "إذا صح الحديث فهو مذهبي". وكان يقول لأحمد بن حنبل: "يا أحمد، أنتم أعلم بالحديث منا، فإذا صح الحديث عندكم فقولوا لنا". فالإنسان ما يكمل، فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يبين لنا الحق ويرزقنا اتباعه، وأيضا يبين لنا الباطل ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعلنا نضل أو لا يجعلنا ملتبسا علينا فنضل. فنسأل الله عز وجل التوفيق والسداد والإعانة. والحمد لله رب العالمين. جزاكم الله خيرا. وفي ختام هذه الحلقة نشكر شيخنا الفاضل أبي همام عبد الله بن علي باسعد، إمام مسجد عبد الرحيم والمدرس بدار الحديث بالشحر، على إجابته عن أسئلة المستمعين في هذه الحلقة. إلى حلقة قادمة إن شاء الله. استودعكم الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نستقبل أسئلتكم على واتساب البرنامج: 77-038-2996.