الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 33، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
نزلت آية ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ استثناءً لأصحاب الأعذار من القعود عن الجهاد، بعد سؤال عبد الله بن أم مكتوم النبي ﷺ عن حاله، فسوّى الله أجر المعذور بأجر المجاهد. يروي المقطع كتابة زيد بن ثابت للآية وذكر واقعة مروان بن الحكم كشاهد على النزول.
يصف المقطع ثقل الوحي على النبي ﷺ وتغير حاله عند نزوله، ويروي سبب نزول الاستثناء في آية الجهاد مع تصحيح العلماء لرواية نسبت السؤال لعبد الله بن جحش خطأ. يؤكد الشيخ فضل الله في إعطاء المعذور أجر العامل.
يبين المقطع أن المؤمنين يتفاضلون بحسب هِمَمهم في طلب العلم والجهاد والدعوة، وأن القاعدين بغير عذر أقل درجة من المجاهدين مع بقاء الجميع في الجنة. يحذر من المشاركة في قتال المسلمين أو تكثير سواد أهل الباطل مستدلاً بقصة محمد بن عبد الرحمن ونهي عكرمة.
يستدل عكرمة بقصة المستضعفين الذين أُمروا بالخروج مع المشركين على وجوب فرار المسلم بدينه إذا أُلزم بمعصية أو مُنع من إقامة شعائر الإسلام. يؤكد أن أرض الله واسعة وأن المهاجر في سبيل الله يجد مراغماً وسعةً ورزقاً كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند مما ليس في الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب نزول قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: 95]، الآية. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، عن نبي إسحاق، قال: سمعت البراء رضي الله عنه يقول: لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني إلى هذا الموضع من الآية، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدًا، وهو زيد بن ثابت؛ لأنه كان من كتاب الوحي رضي الله تعالى عنه، فجاءه بكتف فكتبها. وما كان عندهم في ذاك الوقت الأوراق المسطرة والبيضاء النقية، وإنما كانوا يكتبون في جلود الإبل والغنم والبقر، وفي عظامها كموضع الكتف، وكانوا يكتبون في أكتاف عظام الإبل والبقر والغنم. فجاء بكتف فكتبها، أي: في هذا الكتف كتب هذه الآية إلى قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: فنزل، قال: وشك ابن أم مكتوم ضرارته، وشك ابن أم مكتوم ضرارته، وهو عبد الله بن أم مكتوم، وكان رجلًا أعمى. وهذا من حرص الصحابة على الفضل والخير، فلما نال المجاهدون هذه الدرجات العلا، ولا يمكن بهذا الأعمى أن يجاهد، أعمى كيف يجاهد ويخرج ويقاتل العدو؟ ماذا سيرى؟ فقال: يا رسول الله، أنا ما أستطيع أن أجاهد، فكيف لا أنال هذه الدرجة وهذا الفضل، وكيف أحرم من الجهاد؟ فهذا يدل على حرص على الخير، يريد أن يجاهد لكنه معذور، ما يستطيع. فشك ضرارته، يعني: عوره وعماه. قال: يا رسول الله، أنا أعمى، كيف ما سأدرك هذا الفضل؟ قال: فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، في قراءة: "غير أولي الضرر"، يجوز هذا وهذا. فالرفع على أنه نعت للفاعل "القاعدون"، وهذا من الاستثناء بـ "غير"، فالاستثناء بـ "غير" وأخواتها: إن كان الكلام تامًا موجبًا فإنه يتبع المستثنى منه، وأما إن كان الكلام تامًا لكنه غير موجب فيجوز التبعية ويجوز النصب على الاستثناء، صح؟ هذا الذي درستموه في الآجرومية، من الذي درس الآجرومية؟ باب الاستثناء، هذا الكلام صحيح؟ نعم. فإذن "غير" تكون نعتًا لـ "القاعدون"، ولذلك رُفع، ويكون المعنى: لا يستوي القاعدون من المؤمنين، ويستثنى من عدم الاستواء أولو الضرر، فإنهم كالمجاهدين في سبيل الله بوجود العذر في حقهم. وهذا من فضل الله عز وجل أن المعذور يؤجر بنيته كأجر الفاعل والعامل، وكما جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال للصحابة، وكانوا في غزو: «إن في المدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا شاركوكم الأجر، حبسهم العذر». انظر: هم في بلدهم، ومع هذا نالوا أجر من خرج في سبيل الله لأنهم معذورون. ويدخل في هذا المريض، ويدخل في هذا الأعمى، ويدخل في هذا الذي لا يستطيع تجهيز راحلة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِمْ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: 92]، من شدة الحسرة، ومن شدة الشوق للجهاد والخروج في سبيل الله يبكون، ويريدون الخروج في سبيل الله لكن لا يستطيعون. هذا من فضل الله عز وجل. ولذلك جاء في الحديث أيضًا قال عليه الصلاة والسلام في حق المريض والمسافر: أن المريض والمسافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا. المسافر تسقط عنه بعض العبادات كالسنن الرواتب، وأحيانًا الجمعة إذا كان جادًّا في السير، ونحو ذلك من الأحكام، ومع هذا فإنه يكتب له عمل المقيم؛ لأنه ما ترك هذا العمل الصالح إلا لعذر. وهكذا المريض: كان في حال صحته يصوم صوم نافلة، ويقوم الليل، ويجد ويجتهد في قراءة القرآن، وطلب العلم، والذكر، والدعاء، ونحو ذلك، فمرض فلم يستطع، فيكتب له من الأجر ما كان يعمله صحيحًا. انظروا إلى فضل الله عز وجل. وهذه الآية من هذا الباب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، يعني: مستثنون أولو الضرر من هؤلاء القاعدين. هم قاعدون لكن في رتبة المجاهدين بسبب عذرهم. هذا هو المعنى. قال: وشك ابن أم مكتوم ضرارته، فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. قال: أخرجه، وقال: وقال الواحدي في "أسباب النزول": رواه مسلم عن بندار، عن غندر، عن شعبة، وأخرجه الترمذي، والإمام أحمد، والطيالسي، والدارمي، وابن سعد، وابن جرير، والبيهقي. ما شاء الله، هؤلاء كلهم رووا هذا الحديث، وحسبك برواية هذا الحديث الإمام البخاري رحمه الله تعالى. ثم ذكر طرقًا أخرى لهذا الحديث. وقال شيخنا رحمه الله: قال البخاري رحمه الله: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، قال: حدثني صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد الساعدي، أنه قال: رأيت مروان بن الحكم جالسًا في المسجد، وكان من الأمراء. قال: فأقبلت، وهذا فيه أن الأمراء في زمن عز الإسلام والمسلمين مثل غيرهم من المسلمين يجلسون في المسجد، ويصلون بالناس، ويقرؤون القرآن في المسجد. ألا الآن أحد من الأمراء يفعل ذلك؟ ما يستطيع أن يصلي في المسجد، وإن صلى فحراسات مشددة، وأن له أن يجلس في المسجد؟ لا، إن كان حريصًا على الدخول إلى المسجد فهو للصلاة، لا يصلي ويخرج، والحراسة من أمامه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله. أولئك عدلوا فأمنوا، والله المستعان. قال: رأيت مروان بن الحكم جالسًا في المسجد، فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا، أي: مروان بن الحكم، أن زيد بن ثابت أخبره. قال: فيه أن الأمراء كانوا يطلبون العلم ويحرصون على أخذ الحديث. قال: فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يعني: أملى عليه، يقرأ عليه ليكتب ما يقرأ في الكتاب. قال: فجاءه ابن أم مكتوم، عبد الله، وهو يمليها علي. هكذا يقول زيد بن ثابت: يمليها، ما أحد عنده يمليها، يمليها وهو يملها علي، يعني: بمعنى يمليها يكتبها، يعني: وهو يلقنه ليكتبها، هكذا يكون المعنى. فقال: يا رسول الله، لو استطيع الجهاد لجاهدت. قال: لا، لو استطيع أن أجاهد لجاهدت، لكني أعمى، ما أستطيع أن أجاهد. وكان رجلًا أعمى، فأنزل الله تبارك وتعالى على رسوله، وفخذه على فخذي، يعني: فخذ النبي عليه الصلاة والسلام على فخذ زيد بن ثابت، تثقل علي حتى خفت أن ترض فخذي. والرض هو ما يكون من أثر الضرب على العضو من تشقق أو من كذلك، يعني: ألم شديد أو نحو ذلك. وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا نزل عليه الوحي يتغير لثقل ما يلقى عليه، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5]، وكان يشتد عليه الأمر فيثقل جسده عليه الصلاة والسلام، كما وصف هنا زيد بن ثابت: فثقلت علي، يعني: فخذ النبي عليه الصلاة والسلام ثقلت حتى خاف زيد أن ترض فخذه، يعني: تؤلمه ويبقى أثر هذا الألم مستمرًا. قال: ثم سرى عنه، يعني: رفع عنه ذلك الأمر، فأنزل الله عز وجل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. قال: الحديث خرجه أيضًا البخاري في موضع آخر، والبخاري يكرر الحديث لفائدة، إما إسنادية أو متنية. قال: الحديث خرجه أيضًا البخاري، والترمذي، وصححه أبو داود، والنسائي، وأحمد، وابن جرير، والبيهقي، والطبراني في الكبير، وهو بمعنى الحديث المتقدم. وهنا رواية أخرى كذلك أوردها عند ابن حبان: قال الإمام ابن حبان كما في "الموارد": أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، قال: حدثنا إبراهيم بن الحجاج السامي، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا عاصم بن كليب، قال: حدثني أبي، عن خالي الفلتان بن عاصم، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل عليه، وكان إذا أنزل عليه رام بصره، يعني: فتح بصره، وعلاه نظر إلى العلو، وفرغ سمعه وقلبه، يعني: لم يكلم أحدًا، ولم ينتبه لمخاطبة أحد، وإنما فرغ سمعه وقلبه لما يلقى إليه، كما قال الله عز وجل: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: 16-19]. فكان عليه الصلاة والسلام إذا أوحي إليه انشغل بما يلقى إليه، فرام بصره، وفرغ سمعه وقلبه، مفتوحة عيناه، يعني: عينان تكونان مفتوحتين، قال: لما يأتيه من الله، يعني: لما يوحى إليه. فكنا نعرف ذلك، الصحابة يعرفون أن النبي عليه الصلاة والسلام يوحى إليه بهذه الأوصاف، بهذه الأوصاف. قال: فكنا نعرف ذلك، فقال للكاتب: اكتب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: فقام الأعمى، ويحمل هنا الأعمى على عبد الله بن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، ما ذنبنا؟ لماذا ما ننال من أجر المجاهدين؟ نحن قاعدون لكن ما ذنبنا؟ نريد نجاهد لكن ما نستطيع لهذا العذر، ما ذنبنا؟ فأنزل الله تعالى عليه، فقلنا للأعمى، لأن الأعمى ما يراه المبصر من علامات نزول الوحي على النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا للأعمى: إنه ينزل على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فبقي قائمًا هذا الأعمى، وانتظر ماذا سينزل على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويقول: أعوذ بالله من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاف أن ينزل فيه الوحي ليس له، إنما فيه، فاستعاذ بالله من غضب رسول الله أن يغضب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للكاتب: اكتب: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. قلت: في الأصح: أعوذ بغضب رسول الله، يعني: ما في "أعوذ بالله"، وإنما "أعوذ بغضب رسول الله". قال: هذا حديث حسن، والحديث خرجه البزار، وعقبه بقوله: حديث الفلتان يروى بإسناد أحسن من هذا. وحديث الفلتان وهذا الحديث كما مر معنا في إسناده، وهو بمعنى الحديث المتقدم، لكن فيه بعض الزيادات في وصف النبي عليه الصلاة والسلام حال نزول الوحي عليه، وفيه كذلك إبهام لهذا الأعمى، وفيه كذلك ماذا قول الأعمى: "ما ذنبنا"، ونحو ذلك. ثم أورد هنا أيضًا رواية أخرى لهذا الحديث، رواية الترمذي: قال الترمذي رحمه الله: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: أخبرنا الحجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الكريم، قال: سمع مقسمًا، ها كذا عندكم، ها مقسم، مقسم، مقسم، طيب. قال: سمع مقسمًا مولى عبد الله بن الحارث يحدث عن ابن عباس أنه قال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، قال: عن بدر، يعني: هذه الآية تتحدث عن بدر، والخارجون إلى بدر. لما نزلت غزوة بدر، قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم: إنا أعميان. وسيعلق شيخنا كما سيأتي أن عبد الله بن جحش ليس بأعمى كما جاء في ترجمته، ولكنه راوٍ آخر أو رجل آخر، سينبه على اسمه إن شاء الله. قال: قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم: إن أعميان، يا رسول الله، فهل لنا رخصة؟ هل لنا رخصة من أن نخرج للجهاد؟ فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾. وهذا الحديث فيه بعض الزيادات: أن هذه الآية نزلت بعد بدر، وأيضًا فيها ذكر رجل آخر غير عبد الله بن مكتوم. قال: فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر، يعني: باستثناء أولي الضرر، ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ [النساء: 95-96]، على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر، فإنهم مستثنون كما تقدم. قال شيخنا: هذا حديث حسن غريب. قال: هذا قول الترمذي. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، من حديث ابن عباس، ومقسم، يقال: مولى عبد الله بن عباس، ومقسم يكنى أبا القاسم. ولم يكن عبد الله بن جحش أعمى، يعني: الذي ذكر في الحديث، وقد جزم الحافظ في "الفتح" بأن الصواب: أبو أحمد بن جحش، وليس عبد الله بن جحش، هكذا صوب الحافظ في "الفتح" كما في رواية الطبراني عن الحجاج. وهذا من فوائد جمع روايات الحديث: الحديث إذا جُمعت طُرُقه تبين وجه الخطأ فيه. فانظر كيف عرف العلماء أن ذكر عبد الله بن جحش في هذا الحديث ليس بصحيح: أولاً لأن عبد الله بن جحش ليس بأعمى، وكيف هنا في الحديث أنهما قالا: "إنا أعميان"؟ هذا أمر. الأمر الثاني: أنه جاءت رواية أخرى عند الطبراني، وفيها ذكر هذا الرجل الآخر، وأنه أبو أحمد بن جحش، وليس عبد الله بن جحش، وكأنه تصحف على بعض الرواة أو نحو ذلك، فبدلًا من أن يكتب "أبو أحمد" كتب "عبد الله"، والله تعالى أعلم. قال: وانظر تحقيقنا لتفسير ابن كثير. وهذا الحديث، بارك الله فيكم، يبين لنا معنى الآية، ويبين لنا كذلك منازل المؤمنين، أن المؤمنين ليسوا في درجة واحدة من الإيمان، ومن كذلك الدرجات، فيتفاوتون بتفاوت أعمالهم. فالقاعد ليس كالمجاهد، ويحمل القعود في الجهاد على الجهاد الذي ليس فيه أمر وإلزام، يعني: ليس جهاد عين، فالنبي عليه الصلاة والسلام يحث الناس على الخروج، فأهل الإيمان وأهل كذلك المسابقة والمسارعة إلى الدرجات العلاء يبادرون ويسارعون للاستجابة والخروج للجهاد في سبيل الله، وهناك من المؤمنين من يتثاقل، وربما يؤثر الدعة والراحة على الخروج في سبيل الله. وهكذا قل في غيرها من العبادات: هناك من المؤمنين من يتقاعس مثلاً عن طلب العلم والاجتهاد في طلب العلم، ومنهم من يسابق ويسارع، هذا بحسب الإيمان، وبحسب الهمة، وبحسب كذلك المسارعة والمسابقة إلى أعلى الدرجات. وهكذا في الدعوة إلى الله: من طلاب العلم والدعاة من يتثاقل ويتخلف عن هذه العبادة، ومنهم من يحب ذلك ويصبر ويتحمل ما يلاقيه في هذا الخروج من تعب ومشقة ونحو ذلك. ولما قلنا أن هؤلاء القاعدين من المؤمنين وليس من المنافقين؟ لأن الآية أثبتت لهم الإيمان، ماذا قال الله في هذه الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، إذن هم مؤمنون. ولما قلنا يحمل على الجهاد الذي هو فرض كفاية وليس فرض عين؟ لأن فرض العين ما في هناك اختيار، ومن بقي فإنه يعاتب ويؤاخذ على هذا القعود؛ لأنه ترك فرضًا وأمرًا واجبًا. فيحمل على هذا: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ما يستوي القاعدون والمجاهدون، باستثناء أهل الأعذار من القاعدين. قل لذلك قال الله عز وجل: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾، أي: أنهم أعلى من القاعدين، المجاهدون أعلى من القاعدين. ثم أثبت الحسنى للجميع: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، يعني: كلهم من أهل الجنة، ولكن الجنة درجات، بحسب درجات الناس. الناس في هذه الدنيا: من كان مسارعًا ومسابقًا وهو من أهل السبق بالخيرات، فدرجته تكون عالية، ومن كان دون ذلك تكون درجته في الجنة على حسب عمله، على حسب عمله في هذه الدنيا. فهذا هو المعنى، بارك الله فيكم. ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فالجهاد فضله عظيم. وفي هذا الحديث كما تقدم: حرص الصحابة على الخير، فهذا أعمى يريد أجر المجاهد، فنزلت الآية تثبت له ذلك. ثم قال شيخنا رحمه الله: سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97]، الآية. قال: قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، قال: حدثنا حيوة وغيره، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود، قال: قُطِع على أهل المدينة بعث، فاكتبت فيه. ما معنى هذا؟ جاء في شرح هذا الحديث: أن في ولاية عبد الله بن الزبير، وقد وقعت الفتن بين المسلمين، بين أهل المدينة وبين أهل الشام، وصار النزاع على الخلافة ونحو ذلك، وكان عبد الله بن الزبير على أهل المدينة رضي الله تعالى عنهم، فقطع على أهل المدينة بعثًا، يعني: ألزم أهل المدينة بالخروج لقتال أهل الشام؛ لأنهم لم يبايعوا عبد الله بن الزبير، يوجد خلاف معلوم في السيرة، يعني: في تاريخ الأمة بعد الخلفاء الراشدين. فكتبوا في هذا البعث، وفي ديوان من سيخرج في هذا البعث: محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود. هذا معنى قوله: "فاكتبت فيه"، يعني: كنت من من ألزم، وكتب اسمي في هذا البعث، في هذا البعث. قال محمد بن عبد الرحمن: فلقيت عكرمة مولى ابن عباس، عكرمة عالم من علماء التابعين، وهذا من فضل الله عز وجل على محمد بن عبد الرحمن إذ وفق للقاء بهذا العالم، وكان سببًا في نجاته من هذه الفتنة. فقال: فلقيت عكرمة مولى ابن عباس، أخبرته، أخبره بهذا الأمر: أنه ألزم بعض أهل المدينة بالخروج في هذا الجيش، وأنا واحد منهم، كتب اسمي في ذلك البعث، معنى أنه سيخرج معهم. فأخبر عكرمة بهذا، قال: فنهاني عن ذلك أشد النهي، قال له: احذر لا تخرج، أنه سيقاتل من سيقاتل، المسلم يقاتل المسلم، فتنة بين المسلمين، إذا التقى، إذا التقى المسلمان بسيفيهما فقاتل، المقتول في النار، فتنة. فقال: فنهاه أشد النهي عن أن يخرج، قال: فنهاني عن ذلك أشد النهي، يعني: نهي شديد، وحذره من أن يخرج مع هذا الجيش. قال: ثم أخبرني ابن عباس، يعني: ثم قال عكرمة: أن ابن عباس مولاه، يعني: هو عكرمة مولى ابن عباس، يعني: سيده، قال: أخبرني ابن عباس أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين، يعني: في مكة، لما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام بقي بعض المسلمين في مكة، لم يهاجروا، ولم يفروا بدينهم، يكثرون سواد المشركين على رسول الله، يعني: يخرجون مع المشركين في الغزو، إذا أراد المشركون أن يخرجوا لغزو المسلمين أخذوا معهم هؤلاء المسلمين، فهؤلاء المسلمون يكثرون سواد المشركين. وما معنى يكثرون سوادهم؟ يعني: يجعلونهم كثيرين، وهذا يؤثر في ماذا؟ يؤثر في نفوس المؤمنين، المؤمنون لما يرون جيش المشركين عددًا كثيرًا ربما تضعف همتهم وعزيمتهم لما يرون من كثرة العدو. ولذلك المؤمن ينهى عن تكثير سواد أهل الباطل، ولو لم يوافقهم على باطلهم. لا تقول: أنا أذهب مع الحزبيين ليس لأنني أعتقد مذهبهم وإنما هكذا من أجل مصلحة ومن أجل كذا، فأنت تكثر سوادهم بهذا. لا تقول: أنا أذهب إلى قبر زيارة هود ليس من أجل أنني أوافق هؤلاء عباد القبور على دعاء القبر وعلى هذه الأعمال الشركية، لا، إنما أذهب من أجل البيع والشراء، أو من أجل السياحة، أو من أجل الأكل. أنت تكثر سوادهم، فيكون من آثار تكثير هذا السواد أن أهل الباطل يتشبثون بباطلهم، يقولون: انظروا معنا المجموعة، حضر الزيارة مثلاً خمسة آلاف أو عشرة آلاف، هذا دليل أننا على الحق، ونصف هؤلاء ونصف هؤلاء ما يوافقونهم، ما يوافقونهم على هذا الباطل، وإنما ربما يذهبون من أجل الفضول، أو من أجل البيع والشراء، أو من أجل السياحة، أو من أجل الأكل والطعام والشراب، أو من أجل النزهة، أو نحو ذلك، وهؤلاء يكثرون سوادهم، يكثرون سوادهم. انظر ماذا قال: يعني ابن عباس كان أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله، يعني: يخرجون مع المشركين وهم مسلمون، لكنهم وساكنون أو بين ظهراني المشركين، فهم ضعفاء، فيدعونهم المشركون للخروج معهم فيخرجون. وأشد من ذلك كما جاء هنا: يأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل. يعني: هذا المسلم هو ما يريد أن يقاتل المسلمين، إنما خرج مجاملة، أو خوف من المشركين، أو نحو ذلك، فلما التقي الجيشان يأتي سهم أهل الإسلام فيقع في هذا المسلم، أو يضرب بسيف أو نحو ذلك فيقتل، أن كل من هو بصفوف المشركين أهل الإسلام يعدونه منهم. فأنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، يعني: بخروجهم مع المشركين وتكثير سوادهم، هذا ظلم ومعصية، فتأتيهم الملائكة وهم في السكرات، يقولون لهم: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾، أي: كنتم، قالوا: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، يعني: ما نستطيع أن نفعل شيئًا، فنخرج مع المشركين. فتنكر عليهم الملائكة بقولهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾، لماذا أصررتم على البقاء مع المشركين مع أن أرض الله واسعة؟ بإمكانكم أن تخرجوا كما خرج الكثير من المسلمين، وفروا بدينهم، وفروا بدينهم. طيب، ما وجه الشاهد بين قصة محمد عبد الرحمن أبو الأسود، وبين قصة المسلمين المستضعفين الذين يخرجون مع المشركين؟ ما هو وجه المقارنة والاستدلال؟ وجه المقارنة والاستدلال: كأن عكرمة يقول لمحمد بن عبد الرحمن: لا تخرج مع هذا البعث، وإن ألزمت ففر بدينك، واخرج من هذه البلد، ها، اخرج من هذه البلد، لأنك أمرت بمعصية، فإذا بقيت وعصيت ورأيت أنك تؤذى ففر بدينك، اخرج. واضح هذا الآن؟ هذا هو وجه المقارنة ووجه استدلال عكرمة بهذا الحديث الذي سمعه من ابن عباس على مسألة محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود. والآية واضحة، وفي هذا وجوب الهجرة من بلاد الكفر، لا سيما إذا لم يستطع المسلم أن يحافظ على دينه، يلزمونه بما يخالف دينه، لا يستطيع أن يقيم شعائر الدين، كما أخبرنا في بعض بلاد أهل الكفر: يلزم المرأة بالتبرج، ما يجوز لولي أمرها أن يبقي هذه الأسرة في تلك البلاد، هذا فتنة، أو يلزم الأولاد بدراسة الكفر، فيخرج الأولاد وهم على غير الإسلام، هذا ما يجوز، أو يمنعون من الصلاة، أو يلزمون ببيع الحرام، أو بالتعامل بالربا، والأمور المحرمة. أرض الله واسعة، وكما قال الله عز وجل في الآية التي ستأتي معنا: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: 100]، يجد سعة ورزقًا، ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.