من أسئلة المستمعين 14

من أسئلة المستمعين 14

المنهج الصحيح في التعامل مع القبور

يشرح المنهج الصحيح في التعامل مع القبور والمقبورين كما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين أهمية تسوية القبور وعدم بنائها أو تجصيصها.

تحريم الصلاة في المقابر واتخاذ القبور مساجد

نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة إلى القبور أو في المقبرة، كما نهى عن اتخاذ القبور مساجد، مستشهدا بفعل اليهود والنصارى.

الأحكام الشرعية لزيارة القبور وتجنب الشرك

يناقش الأحكام الشرعية لزيارة القبور، ويوضح أن الزيارة المشروعة هي السلام على أهل القبور والدعاء لهم، ويحذر من الأفعال الشركية مثل التمسح بالقبور أو دعاء الموتى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم المستمعون الكرام في هذا اللقاء المتجدد في حلقة جديدة من حلقات برنامجكم الأسبوعي "من أسئلة المستمعين". نستضيف من خلال حلقاتها شيخنا الكريم أبا همام عبد الله بن علي باسعد، المدرس بدار الحديث بالشحر وإمام مسجد عبد الرحيم. في مطلع هذه الحلقة، نرحب بشيخنا الكريم، فأهلا وسهلا بكم. وأرحب بكم وبالمستمعين، حفظكم الله جميعا. حياكم الله وبياكم. هذا سائل للبرنامج يقول: ما هو المنهج والطريق الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع القبور والمقبورين؟ جزاكم الله خيرا. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاهم بعد. فمثلت القبور والمقبورين، فالقبور لا شك أن هذه القبور جعلها الله عز وجل أول منازل الآخرة، كما جاء عند الترمذي عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه أنه قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "القبر أول منازل الآخرة". فمثلت فالقبور هي حياة من حياة البرزخ التي هي الدور الثانية التي يرحل إليها الإنسان، كما هو معلوم أن الدور ثلاث: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار الآخرة. والقبور من دار البرزخ، قال الله عز وجل: ﴿ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾. فالبرزاء من حياته حياة القبور. ومعلوم أن القبور قد جاءت الأحاديث المتكاترة عن النبي عليه الصلاة والسلام في أنها فيها فتنة، يسأل العبد عن ربه وعن دينه وعن نبيه صلى الله عليه وسلم. وتكاثرت بذلك الأحاديث، وجاء في صحيح مسلم في قول الله جل وعلا: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾، قال النبي عليه الصلاة والسلام: "في القبر تسألون، وعني تفتنون". وهذا الحديث كما قلنا في صحيح مسلم عن البراء. فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن هناك فتنة، وأن هذه الأمة تفتن في قبورها، كما جاء في حديث أيوب وغيره. فلهذا فهذه القبور جعلها الله عز وجل من الدار الآخرة أو انتقال إلى الدار الآخرة، ويكون فيها إما أن يكون في روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران. فلهذا يجب على المسلمين أن يهتموا بهذه المقبرة لأنها أصلا حياتهم بعد مماتهم إلى الدار الآخرة. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ويل للمكذبين * ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا﴾، كفاتا أي تكفت العباد، فيكون العباد مكفوتين فيها. وقال العلماء كما جاء عن بعض السلف، عن الحسن وغيره: "ما نجعلها كفاتا؟ ألم نجعل الأرض كفاتا؟ قال: الأموات تحت الأرض والأحياء فوق الأرض". فلهذا فالقبور لا بد منها، ولا بد أن المسلمين يهتمون بمسألة مكان القبور. فتجد كثيرا من الناس الآن يهتمون بدنياهم ويعمرون دنياهم، يعمرون في البناء والبيوت وغيرها، ويتركون عمارة هذا القبر وعمارته لا شك بالأعمال الصالحة. كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: "يتبع الميت ثلاث: ماله وأهله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، فهذا الذي يبقى معك، إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فلا يلومن المرء إلا نفسه". فلهذا ينبغي للمسلم بل للمسلمين جميعا أن يهتموا في مسألة المقابر حسا ومعنا. حسا أي أنهم يبنون هذه المقابر ويعمرونها بالأعمال الصالح، ومعنا أي أنهم أيضا يجعلون هناك مقابر للمسلمين. فجاءت هناك ضوابط في شرع الله جل وعلا، أنه ينبغي للقبر أو للمقبرة أن تكون على ما جاء في شرع الله. فمن ذلك مثلا أنه إذا قبر الميت لا يرتفع قبره، وإنما إن رفع فيرفع بالتراب الذي أخرج منه، كما قال الإمام الشافعي: "قدر شبر". وأما لارتفاع الزائد، فهذا منهي عنه. فقد جاء في أحاديث كثيرة النهي عن ارتفاع القبر، من ذلك الأحاديث التي جاءت بالأمر بالتسوية، من ذلك ما جاء في صحيح مسلم في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، كما قال لأبي الهياج: ألا أبعثك مثلما أبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا تدع قبرا مشرفا إلا سويته". ومشرفا أي مرتفعا. ولا تدع قبرا مشرفا إلا سويته. وهذا من حديث علي بن أبي طالب، وهو معلوم رضي الله عنه من الخلفاء الأربعة ومن آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عم النبي عليه الصلاة والسلام، ورباه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فعين من يدعي أنه يحب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا علي يوصي أبا الهياج الأسدي أنه يطمس هذه القبور التي هي مرتفعة، وأن لا تدع قبرا مشرفا إلا سويت. وجاء كذلك في صحيح مسلم من حديث فضالة بن عبيد رضي الله عنه أنه قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسوي القبور". فالعصل هو تسوية القبور وعدم ارتفاعها، ولا فرق بين صالح أو طالح من المسلمين، ولا فرق أيضا بين أنه من آل بيت رسول الله أو من غيرهم. لم يفرق النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الأمر بين أحد، كل الناس سواسية في هذا الباب، كلهم يقدرون وقبورهم لا ترتفع. لأن النهي عام، ولم يأتي دليل عن النبي عليه الصلاة والسلام يبين مثلا أن الإنسان إذا كان مثلا من آل بيت رسول الله يرتفع، أو كان وليا صالحا يرتفع، هذا لم يأتي فيه دليل أبدا. فلهذا فالسنة النبوية هي تسوية القبور وعدم رفعها وتشريفها. وكذلك أيضا من الأمور التي ينبه عليها أيضا في القبور أنها لا يبنى على القبر، ولا يجصص بالجص، ويوضع جص أو سمنت أو غيرها من هذه الأمور، فإنه أيضا قد جاء النهي عن ذلك. فقد جاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبنى على القبر أو يجصص أو يجلس عليه. نهى أن يبنى على القبر أو يجصص أو يبنى عليه. وجاءت في رواية عند الترمذي: "أو يكتب عليه". وهذه الرواية مختلف فيها. لكن شاهدنا هنا قول جابر: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبنى على القبر". ومعروف بأي بناء يبنى على القبر، أو يجصص يجعل فيه الجص أو ما يشبه الجص مثل الإسمنت وغيره، أو كذلك يجلس عليه، لا يجلس أن يجلس على القبر أو يوطأ القبر، فقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. فهذا أمر أيضا كذلك من الأمور المهمة جدا، أنه لا يتخذ مكان القبر مكانا للصلاة، فقد جاءت الأحاديث المتكاثرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى أن يتخذ مكان القبر مسجدا. وأيضا بل نهى النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح مسلم في حديث أبي مرتد الغنوي قال: "لا تصل إلى القبور ولا تجلس عليها". لا تصل إلى القبر سواء كان قصدت أن تصلي إلى القبر، وهذا أعظم، وهذا لا شك أنه لا يجوز عند عامة المسلمين أنك تصلي للقبر، هذا شيء معروف عند عامة المسلمين. ولا يجوز كذلك أن تصلي لأجل البركة أو حتى ليس لأجل شيء، حتى ليس لأجل بركة أو لكذا، لكن أردت أن تصلي وأنت في مكان فيه قبر، لا تصلي إلى القبر. ولا تصلي في المقبرة إذا كانت الصلاة فيها ركوع وسجود، فقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: "لا تصلوا إلى القبر". فلهذا كان السلف رحمهم الله لا يصلون إلى القبر. فعمر لما رأى أنسا يصلي إلى القبر، قال: "يا أنس القبر القبر". قال أنس: "فنظرت فظننته أنه يقول القمر، فنظرت إلى القمر". قال: "قولوا القبر القبر". فانتبه أنس وابتعد عن القبر. فهذا يدل على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أيضا عندهم أنه لا يصلى إلى القبر أبدا، ولو كان ما قصد القبر، ولو لم يقصد القبر. فلهذا لا تصلوا إلى القبر ولا تجلسوا عليها، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. أما اتخاذ القبر مسجدا أو كما يقولون قبة أو مشهد أو غيرها من هذه الأشياء، فقد جاءت النواهي الكثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام في اتخاذ القبور مساجد. فقد جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة وجاء أيضا كذلك في السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وجاء كذلك عن ابن عباس أيضا وعن عائشة رضي الله تعالى عنها في الصحيحين قال النبي عليه الصلاة والسلام: "قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وجاء في رواية: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وجاء كذلك في حديث عائشة في الصحيحين قال النبي عليه الصلاة والسلام: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا". أي ما صنع أولئك اليهود والنصارى لما اتخذوا قبورهم قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. وأيضا كذلك جاء في حديث عبد الله بن مسعود عند أحمد بن حبان أنه قال: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد". أي يصلي في هذه القبور، يعني يتخذها مثل المسجد يصلي فيها أو يصلي عندها. وكذلك يتخذ القبور يجعل فيها مسجد يصلى فيه، فهذا أيضا يدخل في هذا الحديث. وقد جاء عن جماعة من الصحابة هذا النهي عن اتخاذ القبور مساجد. وجاء كذلك في حديث عبد الله بن عمر بن العاص عند ابن حبان وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الصلاة في المقبرة. نهى عن الصلاة في المقبرة أي صلاة التي فيها ركوع وسجود، نهى أن يصلى أيضا في حديث النهي بين القبور. فلهذا لا يجوز أن يصلى في المقبرة إلا صلاة جنازة، يجوز أن تصلى في المقبرة. وأما غيرها من الصلوات فلا يجوز أن تصلى في المقبرة، معنى الصلاة التي فيها الركوع والسجود. وقد درج العلماء على هذا، على أنه لا يجوز أن تصلى الصلاة في المقبرة. وقد جاء في حديث أبي سعيد: "كل الأرض مسجدا إلا المقبرة والحمام". إلا المقبرة والحمام لا يجوز أن يصلى فيها. وجاء في حديث جندب بن عبد الله البجلي في صحيح مسلم قال: "سمعت النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يموت بخمس يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليلا، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا". وأيضا قال صلى الله عليه وسلم: "ولو كنت آخذ من أمة خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك". ونبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إني أنهاكم عن ذلك". بل قالوا في آخر حياته صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث عائشة: "لما نزل برسول الله أي مرض بموته، كان عليه خميصة يطرحها فإذا غم كشفها، وكان يقول: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". فهذه كلها الأدلة تدل على ذلك. بل أيضا جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني". وجاء كذلك في حديث زيد بن ثابت أو جاء في حديث أبي هريرة أيضا كذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لا تتخذوا بيوتكم قبورا، وصلوا فيها". أي معنى أن القبور لا يصل فيها. ولهذا جاء من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أخرجه الإمام بن أبي شيبة في المصنف عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم". وهذا أيضا حديث صحيح. وغيرها من الأحاديث التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام بين النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الأحاديث أن القبور ليست مكانا للصلاة، وإنما القبور فيها الدعاء يدعى لها، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إلى البقيع ويدعو لأهل البقيع عليه الصلاة والسلام. فلهذا فهذا الذي يشرع فيه القبور لا تتخذ مسجدا، لا يصلى عندها، ولا أيضا كذلك يبنى فوقها مسجد. معنى بعض الآن المساجد تجدها مبنية على قبور، وهذا لا يجوز. لأن الحديث هذا فصل بين القبر والمسجد، لا يكون مسجد فيه قبر، ولا أيضا كذلك يدخل قبر في مسجد. معنى فصل الله عز وجل والشرع بين القبر والمسجد، وهذا لا شك أنه لسد الذريعة. ولهذا لما أشرك اليهود والنصارى باتخاذ أنبياءهم وصالحيهم مساجد، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون هذه الأمة مثلهم، فقال: "إني أنهاكم عن ذلك، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك". وانظر يا عبد الله إلى هذه الأدلة المتكاثرة عن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك يرمى بها عرض الحائط، وتبنى المساجد على القبور، وأيضا كذلك ترفع القبور وتشرف، وكذلك يبنى عليها، كل ذلك كأنهم يتقاضون عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. أين محبة النبي عليه الصلاة والسلام إذا لم يتبع النبي عليه الصلاة والسلام؟ فأين محبة قل: "إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ورسوله". فيحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم. قال الله عز وجل: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم". فربنا جل وعلا ما تكون محبته، ولا محبة رسوله إلا باتباع النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه الأحاديث كلها تجد لما ترى عمل المسلمين تجده بعيد عن هذا الأمر، بل من يدعي أنه من آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل مثل هذه الأمور ويخالف أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأيضا كذلك مسألة الزيارة، زيارة القبور، زيارة القبور أيضا جاء في الشرع زيارة القبور وحث النبي صلى الله عليه وسلم على الزيارة. جاء في حديث بريدة في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة". وجاء في سنن النسائي: "زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة، ولا تقول هجرا". الهجر الكلام الفاحش أو الكلام الخبيث أو الكلام الذي لا يليق. فلهذا الذي شرعه النبي عليه الصلاة والسلام كما قالت عائشة: "يا رسول الله إذا مررت على المقابر فماذا أقول؟" كما في صحيح مسلم قال: "أقول: سلام عليكم أهل ديار قوم مؤمنين، أنتم السابقون ونحن اللاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية". فهذا الدعاء الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء مثله أيضا. فلهذا زيارة المقبورين هو أنك تسلم عليهم، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وأيضا كذلك أيضا يشرع أنك تترحم عليهم وتدعو لهم، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لأهل القبور يدعو لهم. ولا يدعو ولا يدعوهم من دون الله، وإنما يدعو لهم، هم يحتاجون إلى الرحمة، لأنه عبد مثلك، مهما بلغ صلاحه فهو محتاج إلى الله عز وجل. والله عز وجل يقول: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾. فالله عز وجل قطع الوسائط العلايق، وإذا سألك عبادي عني فإني قريب. فلهذا إذا ذهبت إلى القبور فسلم عليهم وادع لهم بالرحمة والمغفرة وغيرها مما يدخل في الجنة وغيرها من الدعاء، هذا المشروع. أما أنك مثلا تذهب وتتمسح بهذا القبر أو تذهب وتأخذ بترابه أو تذهب وتقبل هذا القبر أو كذا، والعجيب أن هذا يفعل فقط في القبور المشرفة والقبور التي بنيت، مع أنه قد نهي عنها، لكنها يفعل معها مثل هذه الأمور. وأما القبر الواطئ القبر الذي على السنة، تجد أنه لا يفعل له شيء من هذا، وإن كان هذا أيضا لا يجوز. لكن لماذا يخصص مثل هذه القبور بهذا الفعل؟ وكذلك الزيارات تخصص لقبور معينة، وهذا أيضا لم يأتي به الشرع. أنه يخصص قبر معين في المقبرة يزار هذا القبر، وإنما يزار أهل الإسلام ويسلم عليهم ويدعى لهم، هذه الزيارة الشرعية. أما أنه يتمسح وغيرها، فهذا مما لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولا أدهى ولا أمر أنك تدعو هذا المقبور الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، الله النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا﴾. وقال: ﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير﴾. فكيف بغيره؟ فليس هناك أحد ينفع ويدر إلا الله سبحانه وتعالى، وكل شيء بإذن الله جل وعلا. فلهذا فمسألة أن الإنسان يذهب ويطلب الولد من هذا المقبور أو يطلب الرحمة أو يطلب الفرج أو يطلب اليسر أو يطلب كذا من هذه الأمور، فهذا لا يجوز. بل هذا دعاء غير الله، والله عز وجل قد نهى عن دعاء الصالحين، حتى قال الله عز وجل: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا﴾. أولئك الذين تدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة، أي يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه، هؤلاء صالحون. كيف تدعونهم أنتم من دون الله؟ كيف تدعون هؤلاء وإن كانوا من الصالحين؟ هم أصلا يدعون الله. فلهذا لا ينبغي للمسلم أن يذهب إلى مثل هذه المقابر ويفعل مثل هذه الزيارات، إنما الزيارة الشرعية نحن ما نقول أنه لا يزار القبور، لا تزار القبور، لكن بزيارة شرعية، بالسلام، وكذلك أيضا بالدعاء لهم، بالدعاء لهم. أما الأمور الأخرى، هذه التي جاءت متجددا، فهذه لم تثبت، لا تقبيل القبر، ولا أخذ التراب، ولا التمسح، ولا غيرها من هذا الأمر. بل الإمام النووي رحمه الله لما ذكر التمسح في المجموع قال: "وهو بدعة باتفاق، ولا يفعله إلا الجهال". فيتمسح بالقبر، فهذا قطعا. فلهذا نهيب بأهل الإسلام وأنهم من كان يفعل مثل هذه الأفعال يراجع نفسه. وأيضا يرجع إلى كتاب الله عز وجل، إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأما المقبور كما قلنا فهو بشر مثلك، وأيضا وإن كان رجل صالح مثلا فهو أيضا لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، كما قد ذكرنا الآيات. وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: "ولا تقول هجرا". وقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد". كما في حديث أبي هريرة: "لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله عز وجل على قوم اتخذوا قبور أنبياء مساجد". لا تجعل قبري وثنا يعبد، وثنا يعبد كيف يجعل معناه كأنه عبادة يعبد من دون الله، يدعى من دون الله، يستغاث به، وأيضا يطلب منه الولد، يطلب منه كذا، يطلب منه كذا، فهذا اتخاذه وثنا يعبد من دون الله جل وعلا. فالواجب على المسلم أنه يبتعد عن هذه الأمور التي قد تجعله ليس بمسلم أصلا. كيف تدعو غير الله؟ كيف تطلب من غير الله عز وجل؟ وربنا جل وعلا في كم من آية يدعوك إلى أن تدعوه. وقال ربكم: "ادعوني أستجب لكم". ادعوني أستجب لكم. "إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين". فكيف بعد ذلك تدعو غير الله؟ "إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم، فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين". فلهذا ينبغي للمسلم أيها الإخوة، وإن كنت قد أطلت في هذا الباب لأنه مهم، وينبغي للمسلم أن يراجع نفسه. ولا يعين أيضا من يفعل مثل هذه الأفعال، ولو كان يعانتهم مثلا بألعاب أو بعدة وبكذا، يذهب إلى مثل هذه الزيارات التي قد يكون فيها من الشرك، قد يكون فيها من البدع، قد يكون فيها من تعظيم غير الله عز وجل، التعظيم الغير شرعي. قد يكون فيها أيضا مخالفات كثيرة، من اختلاط الرجال بالنساء وغيرها. فنحن نساعدهم على هذا بحجة أنها عادة أو بحجة أنها كذا، فهذا ليس صحيحا. فتكثير سواد أهل الباطل يعتبر من الباطل. ولهذا لما نزلت قول الله عز وجل: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾، قال الإمام البخاري: "باب من كثر سواد قوم". وذكر حديث أثر بن عباس في تفسير هذه الآية، أن هناك كان قوم يكثرون سواد المشركين، يكثرون ليسوا منهم، بل من المسلمين، لكن يكثرون سواد المشركين، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. فلهذا فتكثير سواد أهل الباطل باطل، وأيضا يلحقك الإثم، وإن كان كثير من هؤلاء نعلم أنه ينكرون الشرك، ينكرون البدع، ينكرون أيضا كذلك أشياء من هذه، مثلا يعلمون أن هذا باطل التمسح بالقبور، وكذلك دعاؤها من دون الله. لكن أيضا كذلك يذهبون إلى مثل هذه الأماكن ويساعدونهم في إحياء مثل هذه الزيارات التي قد تكون شركية فيما يفعل عند القبور، وأيضا تكون زيارات بدعية. وأما الزيارة الشرعية كما قلنا تكون لمقابر المسلمين، ليس لقبر واحد، لقبر فلان أو علان، لقبر المقابر المسلمين، يدعى لهم ويسلم عليهم. فهذا هي الزيارة الشرعية التي جاءت بها الأدلة. وأما مثل هذه الأفعال فلا تمد لأهل الإسلام بشيء. ولهذا ينبغي للمسلم أنه يحذر من هذا، وينبغي أيضا للعلماء وطلبة العلم أن يحذروا الناس من هذه الأمور. لأن هذه الأمور تجر إلى ما هو شيء عظيم، أن يدعى غير الله، وأن يطلب من غير الله، فهذا شرك بالله جل وعلا، العياذ بالله. فكيف يستجيز لنفسه المسلم أن يدعو غير الله عز وجل ويطلب من مخلوق مثله؟ يطلب من مخلوق مثله. مثل هذه كما قال الله عز وجل: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله﴾. أي هل هناك من يفعل هذه الأفعال غير الله عز وجل؟ كيف تدعونا غير الله بمثل هذه الأفعال، من كشف الضر، ومن أيضا دعاء المضطر. الذي يكون في بحر أو في لجة أو في صحراء أو في كذا. فلهذا ينبغي للمسلم أنه يبتعد عن مثل هذه الأمور، وينبغي للعلماء والخطباء أن ينبهوا عن مثل هذه الأفعال الشنيعة التي لا تمد للإسلام ولا لأهل الإسلام بشيء من القرب. بل هذه من أفعال النصارى أصلا، هذه من دين النصارى، نقلت إلى ديننا، وإلا فليس في ديننا مثل هذه الأشياء أبدا. من أراد أن ينظر ينظر إلى تاريخ الصحابة، هل كانوا يفعلون شيء من هذه الأفعال؟ ينظر إلى أفعال التابعين، أتباعهم، أئمة الهدى. مالك وشافعي، وابن المبارك، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أئمة الإسلام، هل كانوا يفعلون مثل هذه الأفعال؟ لم يأتي شيء صحيح صريح في أفعالهم أبدا. بل ما كانوا يلتفتون إلى المقابر، القبر النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة. ما كان أحد يأتيه إلا ابن عمر، كان إذا جاء من سفر أو من غزو جاء إلى القبر وسلم على النبي عليه الصلاة والسلام وسلم على أبي بكر وعلى عمر، هذا فعل اختص به ابن عمر، حتى قال عبيد الله بن عمر: "لم نعرف أحدا كان يفعل ذلك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلا عبد الله بن عمر". والصحابة رضي الله عنهم أشد الناس محبة للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن ما كان يأتون إلى القبر، جاءت المدلهمات، جاءت الفتن الكبيرة، ما جاءوا إلى القبر وكلموا النبي عليه الصلاة والسلام كما يفعل الآن عند المقبورين. فهذا من الأخطاء العظيمة، فينبغي لخطباء المساجد وكذا أن ينبهوا الناس ويحذروا الناس من مثل هذه الأشياء. فهذه ليست تهوين، هذه الأمور ليست تهوين، بل قد تجر إلى ما هو أمور عظيمة تخرج المرء من دين الله جل وعلا، والعياذ بالله. فنسأل الله عز وجل أن يفقه أهل الإسلام إلى ما يحبه ويرضاه. وعفا الله عنا وعنكم على أني أطلت في هذا الكلام. والحمد لله رب العالمين، جزاك الله خيرا وبارك الله فيك. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا أجمعين إلى الخير وإلى المنهج القويم والصراط المستقيم. أجاب عن أسئلتكم المستمعون الكرام الشيخ الفاضل أبو همام عبد الله بن علي باسعد، المدرس بدار الحديث بالشحر وإمام مسجد عبد الرحيم. إلى لقاء آخر وحلقة جديدة من حلقات برنامجكم الأسبوعي "من أسئلة المستمعين". استودعكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نستقبل أسئلتكم على واتساب البرنامج 770382996.