التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 8

التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 8

الدرس في التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 8، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

ترجمة الشيخ ابن باز: النشأة وطلب العلم

استعرض المحاضر سيرة الشيخ عبد العزيز بن باز منذ مولده ونشأته وإصابته بالعمى المبكر، مروراً بتفرغه لطلب العلم على علماء نجد وأدواره العلمية ومؤلفاته. وختم هذا المحور بالإشارة إلى جانب رده على المخالفين في هذا المجلس.

مكانته ك مجدد القرن وغيرة على حرمات الله

أبرز المحاضر مكانة الشيخ ابن باز بوصفه مجدد القرن لغيرته على حرمات الله وإنكاره المنكرات وردوده على المبتدعين. ونقل شهادة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الذي بكى تأثراً به واصفاً إياه بعظيم الأمل في صلاح الناس.

صبره وجلده في العبادة والتعليم رغم كبر السن

سرد المحاضر مواقف تدل على صبر الشيخ وجلده حيث واصل دروسه على كرسي متحرك وقضى حوائج الناس، ثم سافر لجدة وألقى دروساً وعاد لمكة بعد منتصف الليل ليقوم الليل بعد ساعة نوم فقط. يعكس هذا المحور تحمله المشقة في سبيل العلم والدعوة.

همته العالية في طلب العلم بعد صلاة الفجر

اختتم المحاضر بذكر همة الشيخ ابن باز حيث لم يأخذ راحة بعد صلاة الفجر بل جلس لإعطاء درس فوري. يؤكد هذا الموقف إقباله الدائم على العلم والتعليم رغم التعب الشديد المتوقع في سنه المتقدم.

  • 13 جمادى الأولى 1445هـ - 25/11/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع شذرات البلاتين في تراجم العلماء المعاصرين. وكما سبق معنا أن تراجم العلماء قد حوت درراً ثمينة، وهكذا جواهر عظيمة، فكم فيها من أخبار الدعاة العاملين، وهكذا فيها صور من صور الثبات على هذا الدين، وهكذا فيها من العلم النافع الذي يتبعه العمل الصالح، ففيها ما ينعش القلب العليل، وهكذا يشحذ الخاطر الكليل، فهي تعتبر طاقة من مكارم الآباء التي تهدى إلى الأبناء. فما أعظم يوم أن يعيش المسلم مع هؤلاء العظماء من العلماء الراسخين والأئمة الناصحين، رحمة الله عليهم. وكان آخر ما تكلمنا عنه هو الحديث حول ترجمة إمام كبير وعالم جهبذ من علماء هذه الأمة الذين افتقدناهم في الربع الأول من هذا القرن الهجري. فمن هو آخر من تكلمنا عنه من هؤلاء العلماء المعاصرين؟ نعم، نعم، أحسنت. كان الحديث حول سماحة الإمام المجتهد، بقية السلف، مفتي المسلمين في زمانه، هو الشيخ أبو عبد الله عبد العزيز ابن عبد الله ابن عبد الرحمن ابن محمد ابن عبد الله ابن باز، رحمه الله تعالى وغفر له. وكنا قد أخذنا شيئاً حول حياة هذا الإمام: مولده ونشأته، وهكذا أيضاً تكلمنا حول بداية حياته العلمية وكيف تتلمذ وكيف نشأ، رحمه الله تعالى وغفر له، وهكذا أيضاً تكلمنا حول أبرز مشائخه، وهكذا أبرز تلاميذه، رحمه الله تعالى وغفر له. وتكلمنا كذلك أيضاً حول حياته العلمية، وما هي الأدوار والأعمال والمناصب التي كان، رحمه الله تعالى، يشغلها. أيضاً تكلمنا حول صفاته الخلقية، صفة خلقه، وهكذا أيضاً تكلمنا حول صفاته الخلقية، رحمه الله تعالى وغفر له. أيضاً تكلمنا حول أهم المؤلفات وأهم الكتب التي تركها، رحمه الله تعالى وغفر له. ولا ننسى يا إخوان أن الشيخ ابن باز، رحمه الله تعالى، أصيب بمرض يسمى في بلاد نجد «أبا الرمد»، هذا المرض يصيب العينين، وكان سنه حينها ست عشرة سنة، ست عشرة سنة، فقد أصيب بذلك في عام ألف وثلاثمئة وست وأربعين، وأدى إلى ضعف بصره، ضعف بصره، واستمر المرض معه إلى محرم سنة ألف وثلاثمئة وخمسين، حيث ذهب بصره بالكلية، ذهب بصره بالكلية، وكان عمره يومها تسع عشرة سنة. إذن بدأ المرض معه وهو ابن ست عشرة سنة، وأدى ذلك إلى أن يتفرغ لطلب العلم عند العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ وغيره من علماء نجد في ذلكم الزمان، وفقد بصره وله من العمر تسع عشرة سنة. ترجم العلامة شيخ الإسلام ابن باز، رحمه الله تعالى، ترجمة متينة وترجمة عظيمة، ولا يستوعبها المجلس أو المجلسان، ونحب في هذا المجلس أن نأخذ جوانب عطرة، وهكذا مواقف عظيمة من ترجمته، رحمه الله تعالى. فمن هذه الجوانب: رده على المخالفين. يعتبر الشيخ ابن باز، رحمه الله تعالى، رأس الأئمة في هذا الزمان غيرة على حرمات الله عز وجل، فهو يعتبر مجدد هذا القرن، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: «إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها أمر دينها». فيوشك أن يجمع العلماء على أن رأس هذه المئة هو العلامة الإمام ابن باز، رحمه الله تعالى، ويقرب منه العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني، رحمه الله تعالى. فكان الشيخ الألباني يعد الشيخ ابن باز هو المجدد، وكان الشيخ ابن باز يعد الألباني هو المجدد. فيشهد لهذا كان الشيخ ابن باز، رحمه الله تعالى، كان على جانب عظيم من الغيرة على حرمات الله عز وجل، وإنكاراً للمنكرات، وردعاً للمعتدين، ونقضاً للمخطئين. ولم يكن، رحمه الله تعالى، محصوراً بحدود أو بمكان أو مكانه، وإنما كانت غيرته من حيث المكان عامة لجميع أنحاء العالم، غير محدودة ببلد، فكان يهاتف الأمراء والملوك والرؤساء، وهكذا أيضاً العلماء والمشايخ والإعلاميين وغيرهم من طبقات المجتمع، فكان يبذل لهم النصائح ويسدد لهم التوجهات، رحمه الله تعالى. وقد نشر له عدة ردود في بعض الجرائد وبعض المجلات وغيرها، فطارة يرد على من يدافع عن بدعة المولد النبوي، كما في رده على محمد أمين يحيى في مقالة في صحيفة الأضواء، وتارة يرد على من يتكلم في تعظيم الآثار والقبور وتقديسها، كرده على المدعو علي صالح جمال الذي نشر في جريدة الندوة، وهكذا أيضاً رده على الدكتور عبد العزيز المقالح رئيس جامعة صنعاء الذي كان يأمر بالاختلاط في الجامعة، وهكذا ردود عديدة لهذا الإمام، رحمه الله تعالى. الشيخ ابن باز، يا إخوان، له مكان عظيم عند العلماء، وكان العلماء يجلونه أيما إجلال. ومن ذلكم يا إخوان ما ذكر عن العلامة عبد الرزاق عفيفي، رحمه الله تعالى، مر معنا شيئاً من الكلام حول ترجمة العلامة عبد الرزاق عفيفي. والشيخ عبد الرزاق عفيفي، كما سبق، من بلاد مصر، قضى بها نصف عمره، ثم انتدب للعمل والدعوة والتعليم والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، وكان نائب رئيس هيئة كبار العلماء، وعضو رئيس اللجنة الدائمة في أيام المفتي الإمام محمد بن إبراهيم، وهكذا فيما بعد نائباً للشيخ ابن باز، رحمه الله تعالى. كان الشيخ عبد الرزاق عفيفي، رحمه الله، لا يذكر الشيخ ابن باز إلا تأثر، من الثناء على خلقه وعلى سلوكه، ويبكي، يا إخوان، بكاء مريراً، وهو يقول: «الشيخ ابن باز عظيم الأمل والرجاء في صلاح الناس واستقامة الأمور، ليس لليأس إليه سبيل، دائماً متفائل وقلبه طيب، دائماً متفائل وقلبه طيب»، أكذا كان يقول، رحمه الله تعالى. وزاره بعض طلاب العلم في مخيمه بمنى في موسم من مواسم الحج، زاروا الشيخ عبد الرزاق عفيفي، فقال أحدهم للجمع التي ستدخل لزيارة الشيخ عبد الرزاق: «هل تريدون الشيخ عبد الرزاق أن يبكي؟ تسمعون بكاءه ونحيبه». قالوا: «كيف؟» فلحظة، فلما دخلوا على الشيخ عبد الرزاق، قال له هذا القائل: «كيف حالكم يا شيخ؟ وكيف حال الشيخ ابن باز؟» فتكلم الشيخ عبد الرزاق، رحمه الله تعالى، على حاله، قال: «الحمد لله نحن بخير وعافية، والشيخ عبد العزيز ابن باز لا يُسأل عنه»، وجعل يتحدث حول مناقب وفضائل هذا الإمام العظيم، فكان مما قاله ودموعه تسيل على خديه، كان يقول: «ابن باز طراز غير علماء هذا الزمان، ابن باز من بقايا العلماء الأولين القدامى في علمه وأخلاقه ونشاطه»، ثم قطع كلامه بعبرة، هذه العبرة خنقته ومنعته عن أن يكمل حديثه حول العلامة ابن باز، رحمه الله تعالى. من جوانب حياة الشيخ ابن باز العظيمة ما يتعلق بصبره وجلده. عنده صبر، يا إخوان، وعنده جلد، على كبر سنه، على كبر سنه، لكنه كما ذكروا كان يعيش روح الشباب في حركاته وفي صلاته ودروسه، فكان لا يترك الدرس أبداً، لا يترك الدرس أبداً. وذات مرة أصيب، رحمه الله تعالى، في ركبته، يعني ما استطاع أن يمشي، فماذا فعل؟ أتى على الكرسي النقال، على العربة المتحركة، إلى المسجد، وجعل يلقي الدرس وهو على ذلك الكرسي المتحرك، من جلادته، رحمه الله تعالى، وحرصه. وأنه دعاه أحد محبيه، وكان الشيخ بمكة، دعاه أحد المحبين إلى مدينة جدة للقاء علمي وافتتاح مركز علمي من المراكز في مدينة جدة، وطلب من الشيخ أن يحضر مبكراً بعد المغرب، مبكراً بعد المغرب، والشيخ، يا إخوان، قد اعتاد بعد المغرب يجلس للناس، هذا معه سؤال، وهذا عنده قضية، وهذا يريد شفاعة، وذاك يريد مساعدة، فاعتاد أن يجلس للناس بعد المغرب، فاعتذر الشيخ عن الحضور بعد المغرب لأن الناس قد اعتادوا أن يدخلوا عليه في هذا الوقت لقضاء حوائجهم. فصلى المغرب وجلس للناس، ثم صلى العشاء وتحرك إلى مدينة جدة، إلى مدينة جدة. وخلال ركوبه على السيارة، يا إخوان، كان يشغل من معه بالقراءة من الكتب، يقول: «اقرأ علي من كتاب كذا، أو في كتاب كذا»، فيقرأ القارئ والشيخ يسمع لهذه القراءة حتى وصلوا إلى مدينة جدة، وحضر المجلس، واستمع للقصائد والكلمات التي ألقيت، ثم ألقى كلمته، ثم قام بجولة في مرافق ذلك المركز الذي افتتح، ثم تناول العشاء مع الحاضرين. يقول الشيخ محمد الموسى، وكان مرافقاً للشيخ، قال: «فعدنا إلى مكة الساعة الثانية من الليل، الساعة الثانية بعد منتصف الليل»، قال: «وكان الشيخ من عادته أن يقوم الليل الساعة الثالثة»، كم بقي معه؟ ساعة واحدة. قال الشيخ محمد الموسى: «قال وكان يوقظنا إذا قام»، قال الشيخ محمد الموسى: «قال فظننا أن هذه المرة لن يستطيع، لأنه من الصباح وهو يعمل، رجل في الثمانين والتسعين، من الصباح يعمل، ووصل إلى مكة الساعة الثانية بعد منتصف الليل، بعد منتصف الليل»، قال: «فنمنا، قال فنمنا، فلما كانت الساعة الثالثة إذا بالشيخ، إذا بالشيخ يوقظنا، إذا بالشيخ يوقظنا لصلاة الليل، لصلاة الليل»، أي كان نومه ساعة واحدة. قال: «فقام وصلى، ثم بعد صلاة الفجر، ما هو المتوقع أن الشيخ يكون مرهق متعب، سيصلي الفجر ويذهب ويأخذ له قسطاً من الراحة، لكن انظروا يا إخوان إلى همم العظماء». الشيخ ابن باز صلى الفجر، صلى الفجر، ثم جلس للدرس، له درس بعد الفجر