كتاب التفسير من صحيح البخاري 7

كتاب التفسير من صحيح البخاري 7

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

بيان أحوال رواة نسخة بريد بن أبي بردة ومفهوم النسخة في المصطلح الحديثي

يتناول المقطع أحوال رواة نسخة بريد بن أبي بردة مع ثناء العلماء على صدقة بن الفضل المروزي وتوثيق أبي معاوية، ويبين مفهوم "النسخة" في مصطلح المحدثين ضارباً المثل بصحيفة سليمان بن قيس اليشكري ونسخة بريد بن أبي بردة، مع الإشارة إلى اختلاف الرواة في عدد أحاديث هذه النسخة.

ذكر حديث الاستدراج من نسخة بريد وشرح معناه وعاقبة الظلم في الدنيا

يورد المقطع حديثاً من نسخة بريد عن إملاء الله للظالم وأخذه له، ويربطه بحديث ابن مسعود في الاستدراج، مبيناً أن إعطاء الله للعاصي النعم هو استدراج وليس رضا، ومفصلاً حرمة الظلم وعقوبته المعجلة في الدنيا والآخرة، وأن الدنيا تُعطى للمؤمن والكافر بينما الآخرة للمتقين فقط.

عاقبة الظلم والظلمات يوم القيامة وخاتمة شرح الحديث

يؤكد المقطع أن عاقبة الظلم تكون ظلمات يوم القيامة ونهاية وخيمة في الدنيا والآخرة، مختتماً بأن هذا هو معنى الحديث المذكور سابقاً في نسخة بريد بن أبي بردة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد». قال الرافعي المرفوض: النون المعين أو العون المعين، رفدته أعنته. ليس الرفض المرفوض، أي: هذا المعين الذي ظن أنه يعينهم، تركنوا أي: تميلوا. «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار»، فـ «تركنوا» معناها: تميلوا. «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا»، أي: لا تميلوا إليهم، لا تميلوا إلى الظالمين ولا إلى أهل الأهواء والبدع. قال: «فلولا كان»، أي: فهلا كان. «فلولا كان من القرون من قبلكم بقية ينهون عن الفساد في الأرض»، أي: هؤلاء، أي: هؤلاء هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. قال: «ما أترفوا فيه»، أي: أهلكوا. وقال ابن عبد البر: زفير وشهيق شديد، وصوت ضعيف. قال رحمه الله: حدثنا صدقة بن الفضل. صدقة بن الفضل هو المروزي، كان إمامًا حافظًا من أهل مرو. قال بعض أهل مرو: صدقة بن الفضل عندنا في مرو كأحمد بن حنبل في بغداد. صدقة بن الفضل عندنا في مرو كأحمد بن حنبل في بغداد، أي: لفضله، وكذلك أيضًا لعلمه وتقواه وزهده. قال: أخبرنا أبو معاوية، وهو محمد بن خازم الضرير. أبو معاوية ومحمد بن خازم الضرير. قال أبو الحسن علي بن عبد الله رحمه الله المديني: قال أبو معاوية: ثقة في الأعمش، ضعيف في غيره. أنا كان يحفظ حديث الأعمش. وهذا الكلام من بعض الأئمة، ليس المراد أن أبا معاوية إذا روى عن شيخ غير الأعمش أنه ضعيف، لا، إنما المراد نسبة، أي: بالنسبة لغير الأعمش فروايته أضعف، أي: إذا قورنت بروايته عن الأعمش. فهو يحفظ حديث الأعمش، وكان أصحاب الأعمش إذا انتهوا من المجلس جاؤوا إلى معاوية حتى يتأكدوا من الأحاديث التي سمعوها. قال: حدثنا بريد بن أبي بردة، وهو من ولد أبي موسى الأشعري، وهو لم يرو إلا هذه النسخة. هذه النسخة رواها جماعة من العلماء: بريد بن أبي بردة عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري. هذه النسخة رواها أبو أسامة حماد بن أسامة وأتقنها، ورواها سفيان بن عيينة: أربعة أحاديث بها. سفيان بن عيينة روى أربعة أحاديث بها، وروى أيضًا هذه النسخة جماعة، منهم أبو معاوية. هذه نسخة. نسخة: ما معنى نسخة؟ معنى حديث مكتوبة، كتبت في نسخة معينة، عن فُوَاء أوراق، فالناس يتداولونها. مثل صحيفة اليشكري: صحيفة اليشكري، سليمان بن قيس اليشكري، كتب أحاديث لجابر بن عبد الله. كان الناس في زمن التابعين قليلٌ من يكتب، وأكثرهم يحفظون، فكان هذه الكتب ينتفعون بها. فكان مثلًا سليمان بن قيس اليشكري كان عنده نسخة كتبها من حديث جابر، فلما مات سليمان اليشكري هذا وضعها عند امرأة، فتزوجها رجل من أهل البصرة لأجلها، ما نتزوجها إلا لأجل هذه الصحيفة، ثم انتشرت في البصرة وأخذها جماعة من أهل البصرة، وكذلك جماعة من أهل مكة: أبو الزبير، وأبو سفيان طلحة بن نافع، وأخذها أيضًا جماعة من أهل البصرة، كما قال سليمان التيمي، منهم قتادة. كان يقول قتادة: «لأنا أحفظ لصحيفة سليمان اليشكري أكثر من حفظي لسورة البقرة». أنا استمعت له بعض طلبته لسورة البقرة فلم يخطئ في شيء منها وسردها سردًا، ثم قال: «أنا أحفظ لصحيفة اليشكري أفضل مما أحفظ سورة البقرة». أنا حفظه لها حفظ معنى من أفضل الحفظ. فلذلك حفظوا هذه النسخ، وكانت من هذه النسخ أيضًا نسخة بريد بن أبي بردة عن أبي بردة عن أبي موسى، فكان العلماء يروونها. قال رحمه الله: وأبو بريد كان منها الكوفة، لأن أبا موسى جلس في الكوفة. قال: عن أبي موسى الأشعري، وهو عبد الله بن قيس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلت». قال: ثم قرأ: ﴿كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. فهذا الحديث فيه أن الله عز وجل يعطي الظالم ويملي له، ويجعله قد ينعم بهذه الحياة، يطعمه من نعم هذه الحياة، من الخيرات، من الراحة الدنيوية، ويعطيه أشياء وهو ظالم، لكن إذا أخذه جل وعلا لم يفلت. وقد جاء كذلك في حديث عبد الله بن مسعود الذي أخرجه أحمد وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا رأيت الله يعطي العبد وهو مقيم على معاصيه فاعلم أنه استدراج». إذا رأيت الله يعطي العبد وهو مقيم على معاصيه فاعلم أنه استدراج. وأيضًا كذلك ربنا سبحانه وتعالى قد قال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وأيضًا الله عز وجل لا يحب الظلم سبحانه وتعالى، وأيضًا جل وعلا حرم الظلم على نفسه، كما جاء في حديث قدسي: «وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا». وقد قال أيضًا عليه الصلاة والسلام: ثم جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر، وجاء كذلك عن جابر لمسلم، أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إن الظلم ظلمات يوم القيامة». جاء في حديث عبد الله بن عمر: «الظلم ظلمات يوم القيامة». فلهذا فالظالم الذي أخذ حقوق الناس، فهنا الظلم المراد به: أخذ حقوق الناس والاستيلاء عليها، على أموال الناس وحقوقهم، فإن الله عز وجل ليملي له، يعطيه لعله يرجع، ولعله يؤوب إليه ويتوب إلى الله، حتى إذا أخذه سبحانه جل وعلا لم يفلت، إنما يأخذ أخذ عزيز مقتدر، يكون أخذه عظيمًا، كما قال في الآية: ﴿كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. فلهذا فالظلم عاقبة وخيمة، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾، أي: منقلب ينقلبون. فغالبًا أن الله عز وجل يعجل في عقوبة الظالم، كما قال عليه الصلاة والسلام، كما في الحديث الذي أخرجه أبو داود: «ما من ذنب يعجل الله عز وجل به في الدنيا مع ما يدخره لصاحبه في الآخرة من البغي وقطع الأرحام»، أو قال: جاء في رواية: «وعقوق الوالدين». فهذا مما يعجل الله عز وجل به، والمراد بالتعجيل: أي أنه يأخذه في الدنيا قبل الآخرة، وإن أملى له في الأيام في الدنيا وأعطاه واستدرجه، فليس معنى ذلك أنه راضٍ عليه، لأن الله عز وجل يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا من يحب جل وعلا. فالدنيا يعطيها لمن هو ليس بمسلم، يعطيها الكفار. بل ربنا جل وعلا يقول: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، أي: في الكفر، ﴿لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾. فلهذا فالظلمات يوم القيامة، وكذلك عاقبة وخيمة في الدنيا والآخرة. فهذا معنى هذا الحديث، والله تعالى أعلم.