التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 16

التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 16

الدرس في التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 16، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

المرحلة الرابعة: الانتقال إلى المعاهد العلمية بالرياض

انتقل الشيخ محمد بن صالح العثيمين إلى الرياض عام 1372هـ للدراسة في المعاهد العلمية بعد إتمام مراحل طلب العلم في عنيزة على يد الشيخ ابن سعدي. جمع هذا الانتقال بين مدرسة الفقه النجدية ومدرسة الحديث في الرياض، حيث تتلمذ على يد كبار العلماء كابن باز وابن إبراهيم والشنقيطي، مما فتح له آفاقاً علمية جديدة.

بداية الدراسة في المعهد العلمي ولقاء المشايخ

تميز الشيخ العثيمين في المعهد العلمي بالرياض، وكان انطباعه الأول عن شيخه الشنقيطي خاطئاً ثم اكتشف علمه الغزير وزهده وورعه. كما استفاد استفادة كبيرة من شيخه ابن باز في علم الحديث.

مرحلة التلقي على الشيخ ابن باز وتأثره به

تلقى الشيخ ابن عثيمين العلم على الشيخ ابن باز في المعهد العلمي، حيث قرأ عليه صحيح البخاري ورسائل ابن تيمية، وتأثر به في الخلق والمنهج والمعاملة والاعتناء بالكتاب والسنة. شهد الشيخ محمد المنصور بتميز ابن عثيمين بفضل دراسته السابقة على الشيخ السعدي، مما جعل ابن باز يعول عليه في البحوث العلمية.

الخاتمة والدعاء الختامي

اختتم المتحدث بالدعاء للجميع بالتوفيق لما يحبه الله، وصلى وسلم على النبي محمد وآله، وحمد الله رب العالمين، مفوضاً العلم لله تعالى.

  • 13 جمادى الأولى 1445هـ - 25/11/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع جوانب من سيرة علمائنا المعاصرين رحمة الله عليهم. وكان آخر ما تكلمنا عنه هو في سيرة وترجمة إمام من الأئمة وعالم من علماء الأمة، فمن هو؟ نعم، أحسنت. هذا هو المجلس الثالث الذي نتذاكر فيه جوانب من سيرة فقيه زماننا وعلامة القصيم، ألا وهو الشيخ أبو عبد الله محمد بن صالح بن محمد العثيمين رحمه الله تعالى وغفر له. وقد مر معنا فيما مضى الكلام حول اسمه ونسبه، وهكذا أيضا تكلمنا حول ولادته ونشأته، وتكلمنا حول المراحل التي مر بها رحمه الله تعالى خلال طلبه للعلم. وأن أول هذه المراحل هو طلبه للعلم في بلده عنيزة، إحدى مدن القصيم التي تقع في بلاد نجد في وسط الجزيرة العربية، وكيف حفظ القرآن، وهكذا درس بدايات العلوم، مبادئ العلوم في بلده عنيزة. وبعد ذلك انتقلنا إلى المرحلة الثانية، ألا وهي بداية طلبه للعلم على أيدي المشايخ، وكان ذلك عند سن السابعة عشرة من عمره، حيث التحق بمدرسة العلامة السعدي رحمه الله تعالى. وكان الشيخ ابن سعدي يوكل بعض كبار طلابه بتدريس الصغار والمبتدئين، فكان الشيخ العثيمين ممن درسوا على أيدي بعض المشايخ هناك، ولا سيما الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع. ثم بعد أن يدرس الطالب لدى هؤلاء المشايخ يتأهل للقراءة على علامة القصيم الشيخ ابن سعدي رحمه الله تعالى. وكانت الدراسة على يد العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي في الفترة من ألف وثلاثمائة وسبعين إلى ألف وثلاثمائة وست وسبعين من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، تعتبر المرحلة الثالثة من مراحل طلبه للعلم، واستمر طيلة سبع سنوات كانت مليئة بالاجتهاد، ومليئة بالجد والنشاط، والحرص على أخذ العلم. ومر معنا في الدرس الماضي مدى حرص العثيمين رحمه الله على الاستفادة من شيخه عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى، استفاد من دروسه العامة والخاصة، وهكذا أيضا كان يصاحبه حتى في مشاويره والأماكن التي يريد أن يذهب إليها، كان يذهب معه فيقرأ عليه ويسأله أسئلة مفيدة، فنال ما لم ينله غيره من أقرانه، ويسأل أقرانه ويسألهم، رحمه الله رحمه الله تعالى. استفاد استفادة عظمى، سواء كان في التفسير وأصوله، وهكذا في الفقه وأصوله، وهكذا في الفرائض والتوحيد والمصطلح والنحو والصرف، وغيرها من العلوم التي استفادها من شيخه رحمه الله تعالى. ثم بعد ذلك طلب منه أن يجلس لتعليم الصغار والمبتدئين، كما هي عادة الشيخ ابن سعدي، ويكون ذلك تحت إشراف العلامة السعدي رحمه الله تعالى، فجلس للتعليم، لكن لم يطل ذلك كثيرا، فسرعان ما فتحت المعاهد العلمية بمدينة الرياض أبوابها، وكان ذلكم شغل الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى الشاغل، فكر في الالتحاق بتلكم المعاهد، وكان قد استشار مجموعة من مشايخه، وفي مقدمتهم العلامة السعدي رحمه الله تعالى، فشجعوه على ذلك، فكان بعد ذلك الالتحاق بالمعاهد العلمية بمدينة الرياض. وهذه تعتبر المرحلة الرابعة من مراحل طلبه للعلم، ألا وهي طلبه للعلم في الرياض. وكما سبق وأن ذكرنا في خاتمة الحلقة السابقة والدرس الماضي، أنه برحيله إلى الرياض سيجمع بين مدرسة الفقه بعنيزة والقصيم، وهكذا مدرسة الحديث التي تنتظره بالرياض. فهناك العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ المفتي الأسبق، وهكذا هناك العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي رحمه الله تعالى، وهناك سماحة الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وهكذا الشيخ أبو أحمد عبد الرزاق عفيفي، وغيرهم من فحول العلماء الذين كانت تدور عليهم الفتوى في تلك البلاد، وهكذا كانوا هم فرسان الميدان في تلك الساحة التعليمية. الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى في هذه المرحلة أحدثت عنده انتقالا هاما جدا في حياته العلمية، ففتحت له آفاقا جديدة في العلم والمعرفة. وفي عام 1372هـ، وبعد افتتاح المعهد العلمي بالرياض بسنة، التحق الشيخ رحمه الله تعالى، دخل في المعهد وعمره لم يتجاوز الخامسة والعشرين سنة. وهذه المرحلة هي مرحلة النضوج العلمي، وهكذا النضوج الجسمي، وماذا؟ وإضافة إلى الذكاء الحاد، وهكذا الفهم السريع، وغيرها من الأمور التي ساعدت الشيخ رحمه الله تعالى بعد توفيق الله له أن ينال مكانة عظيمة عند هؤلاء العلماء وهؤلاء المشايخ. وكان المعهد العلمي بالرياض في ذلك الزمان كما سبق يضم نخبة عظيمة من المشايخ والعلماء الأفذاذ في تلك المرحلة. في تلك المرحلة كما قيل: «قل ما تجتمع، تجتمع في وقت أو مكان واحد مثلهم، قل أن يجتمع مثل هذا العدد بهذا الكيف في مكان وفي زمان واحد». وكما سبق قد ذكر أبرز هؤلاء العلماء. ومع هذا الجو العلمي بدأ الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى خطواته الأولى في المعهد متميزا على أترابه، متميزا على أترابه. يقول الشيخ عبد العزيز الداود وهو ممن كان في عضوية دار الإفتاء: «إن الشيخ لما قدم الرياض كان مميزا بالعلم والفهم، وكان يشير إليه الطلاب بالتميز، الطلاب يشيرون يقولون: هذا الطالب طالب نبيه، هذا طالب متميز، كان مميزا بين أقرانه». وهناك صفحات مختصرة نحب أن نعرج عليها للشيخ العثيمين رحمه الله تعالى مع بعض كبار مشايخه في الرياض وفي المعهد العلمي بها. فأولا: بين يدي العلامة المتفنن البارع الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي رحمه الله تعالى. ولنترك الشيخ العثيمين يحكي لنا بدايته مع شيخه الشنقيطي رحمه الله تعالى. قال العلامة العثيمين رحمه الله يصف أول لقاء مع شيخه الشنقيطي: «كنا طلابا في المعهد العلمي بالرياض، وكنا جالسين في الفصل، قال: فإذا بشيخ يدخل علينا، إذا رأيته قلت: هذا بدوي من الأعراب، قال: إذا رأيته قلت: هذا بدوي من الأعراب، ليس عنده بضاعة من علم، رث الثياب، ليس عليه آثار الهيبة، لا يهتم بمنظره، قال: فسقط من أعيننا، من سقط من أعينهم هذا العالم وهذا الحبر رحمه الله تعالى». قال الشيخ ابن عثيمين في تلك الفترة وفي ذلك الموقف: «فتذكرت الشيخ عبد الرحمن السعدي، وقلت في نفسي: أترك الشيخ عبد الرحمن السعدي وأجلس أمام هذا البدوي؟ يعني كنت أنا في عنيزة هناك كنت أمام علامة القصيم الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، واليوم أجلس مع البدو، آه مع هذا البدوي يعلمني». قال: «فلما بدأ يتكلم الشنقيطي درسه، قال: إنهالت علينا الدرر من الفوائد العلمية من بحر علمه الزاخر، هنا تغيرت النظرة، قال: فعلمنا أننا أمام جهبذ من العلماء وفحل من فحولها، قال: فاستفدنا من علمه وزهده وورعه». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وقد حدد الشيخ العثيمين رحمه الله بعض الجوانب التي استفادها من شيخه الشنقيطي رحمه الله، وذكر منها: العلم، وليس العلم فحسب، قال: «والخلق، وهكذا الزهد، وهكذا الورع». هذه أربع جوانب من أهم ما استفاده العلامة العثيمين رحمه الله تعالى مع شيخه الشنقيطي. الوقفة الثانية: بين يدي شيخه المحدث عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى. وسبق معنا ترجمة نقول إنها مختصرة في حق إمام كابن باز رحمه الله تعالى، وآل باز كما سبقهم ينحدرون إلى تهامة، وقيل من اليمن، ذكروا أن الشيخ ابن باز توقف في أصل هذه النسبة ولم يجزم بشيء، ولم يجزم بشيء. الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى تأثر بشيخه ابن باز، وبديهة يا إخوان أن يتأثر التلميذ بالشيخ، ولهذا تجدون أن السلف كانوا يحذرون من مجالسة أهل البدع من المعتزلة والجهمية والقدرية وغيرهم، ولو كان عندهم من العلم ما عندهم، لأن الشيخة قد يؤثر على التلميذ. ومر قريبا في درس الشيخ أبي همام في ترجمة عبد الرزاق الصنعاني رحمه الله تعالى، وقد ذكروا عنه أنه كان به تشيع، فلما سئل: من أين دخل عليك التشيع يعني ومشائخك أهل سنة؟ قال: قدم علينا جعفر بن سليمان الضبعي، قال: فأعجبنا سمته وهديه، سمته وهديه، يعني دخل عليه التشيع من هذا الباب. قال الشيخ العثيمين رحمه الله واصفا شيخه الجديد العلامة ابن باز رحمه الله تعالى: «أما شيخنا عبد العزيز رحمه الله، قال: فإنني قرأت عليه يسيرا لكن استفدت منه في الحديث فائدة عظيمة، فائدة عظيمة». وكان الشيخ يا إخوان، الشيخ ابن باز كان في المعهد العلمي مكلفا بتدريس العقيدة والحديث والفقه، العقيدة والحديث والعقيدة والفقه. قال العثيمين رحمه الله في بيان ما قرأه على الشيخ ابن باز في موضع آخر: «ثم قرأت على شيخي الثاني، على شيخي الأول، قال: ثم قرأت على شيخي الثاني عندك يا أبا سعد، وإياك أن تخطئ، قلت: وإياك أن تخطئ، كنت أعلم ذلك أنك ستقول هذا يا أبا أيمن، من شيخه الأول إذا كان ابن باز الثاني». أحسنت. شيخه الأول السعدي، ما سينساه، فهو من أكثر المشايخ الذين تأثر بهم، ولهذا مر معنا أنه لما سأله سائل عن درس العلامة السعدي وكيفية طرحه وشرحه، بماذا أجاب؟ قال: «مثل درسنا هذا، أرأيت درسنا هذا؟ مثل درسنا هذا نفسه، أسلوب العلامة ابن سعدي رحمه الله تعالى». قال رحمه الله تعالى: «قال: ثم قرأت على شيخي الثاني سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، قال: فابتدأت، فابتدأت قراءة صحيح البخاري، ثم بعضا من رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية». انتهى كلامه. ثم بين نواحي تأثره بالشيخ قائلا: «قال: كان تأثري بالشيخ عبد العزيز رحمه الله لعنايته بالحديث، وأخلاقه الفاضلة، وبسط نفسه للناس، وبسط نفسه للناس». وذكر في موضع آخر أيضا أمرا تأثر به هو في غاية الأهمية، فيقول: «إنني انتفعت بقراءتي عليه من حيث التوجيه والانتقال من العكوف على الكتب الفقهية وتمحيص الأقوال وتلخيصها، انتقلت من هذه المرحلة إلى مرحلة الحديث». قال متواضعا: «ولست من الذين يصح أن ينسب إلى علم الحديث، أي لست محدثا، لست بمحدث، قال: ولكن اتجهت إلى علم الحديثكذا». قال رحمه الله تعالى. وكما أن أيضا يقول العثيمين رحمه الله تعالى: «كما أن لشيخنا الثاني عبد العزيز رحمه الله تعالى منهجا ننتفع به حتى الآن، متى؟ حتى الآن وهو في ذروة دعوته وتعليمه رحمه الله تعالى». ويتلخص لنا من هذا خمسة أمور، وممكن أن تلخص في أربعة من الجوانب التي استفادها العثيمين من شيخه الثاني ابن باز: أولا: في الخلق، وثانيا: في المنهج، وثالثا: في المعاملة، ورابعا: في الاعتناء بالكتاب والسنة دراسة واستدلالا وعملا، وعملا. ذكر الشيخ محمد الصالح المنصور رحمه الله تعالى وهو أحد أقران الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى: «كان الشيخ محمد بن عثيمين قد قدم للدراسة إلى الرياض بعد تتلمذه على يد الشيخ السعدي، قال: لهذا، لهذا كان متميزا على غيره من الذين لم يكن لهم قبل، ممن لم يكن لهم قبل الدراسة في المعهد العلمي، قال: تجربة في الطلب على العلماء في المساجد، يعني الشيخ ابن عثيمين بسبب دراسته على ابن سعدي ومن قبله أتى إلى المعهد العلمي وعنده فائدة وحصيلة فاق بها غيره ممن لم يتمكنوا من الدراسة قبل ذلك عند المشايخ في المساجد، قال: لذلك كان الشيخ عبد العزيز بن باز يقول، أو ماذا يعول عليه كثيرا في البحوث ويرجع إليه ويرجع إليه». فكم هي الفائدة التي استفادها رحمه الله تعالى من شيخه، ماذا؟ من شيخه ابن باز رحمه الله تعالى. طيب، هذه مرحلة مهمة جدا مليئة بالفوائد، وفيها ما يشحذ الهمم ويرفع المعنويات عند أمثالنا من الضعف من طلاب العلم. فماذا نحب أن نأخذ شيئا من ذلك في المجلس القادم تتمة لهذه المرحلة المهمة في حياة العلامة الفقيه الإمام ابن باز، أو ماذا؟ ابن عثيمين رحمه الله تعالى يأتي معنا جوانب من سيرته بين يدي الشيخ عبد الرزاق عفيفي، وهكذا بين يدي بعض المشايخ الآخرين، وماذا؟ بسط القول أو ذكر شيء من ذلك، هل درس العثيمين على يد الشيخ عبد العزيز، أو ماذا؟ نعم على يد الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وهكذا غيرها من الجوانب في دراسته في المعهد العلمي بالرياض، وابتدائه بالدراسة في كلية الشريعة، ثم بعد ذلك انتقاله إلى التدريس في المعهد العلمي بعنيزة، وتتمة بوفاة شيخه ابن سعدي وتوليته إمامة وخطابة والتدريس في الجامع الكبير بعنيزة، هذا وغيره يأتي معنا الحديث عنه إن شاء الله عز وجل في المجلس اللاحق، إن شاء الله تبارك وتعالى. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم