شرح كتاب الصلاة من عمدة الأحكام 1

الدرس في شرح كتاب الصلاة من عمدة الأحكام 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

مقدمة: فضل الصلاة وتعريفها لغةً وشرعاً

يستهل الشارح كتاب الصلاة ببيان فضلها وأهميتها مستدلاً بحديث ابن مسعود، ويعرفها لغةً بالدعاء وشرعاً بأقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم. ويؤكد أنها عمود الإسلام بعد الشهادتين وفُرضت في السماء ليلة الإسراء والمعراج.

تفصيل حكم الصلاة ووجوبها على المكلفين

يبين المقطع أن الصلاة هي الفارقة بين المسلم والكافر ومن أعظم أسباب دخول الجنة ومغفرة الذنوب. وتجب على المسلم البالغ العاقل مع الأمر بتعليم الصبيان لها من سبع سنين وضربهم عليها عند العشر.

باب المواقيت وحديث أبي عمر الشيباني في أحب الأعمال

يعرف الشيخ الميقات بأنه الوقت المحدد للصلاة وشرط لصحتها، ثم يورد حديث أبي عمر الشيباني عن ابن مسعود في أحب الأعمال إلى الله: الصلاة على وقتها ثم بر الوالدين ثم الجهاد. ويشير إلى أن الحديث سيق لتأكيد وجوب أداء الصلاة في وقتها المحدد شرعاً.

الخاتمة والدعاء بالخير والتوفيق

يختتم المتحدث المقطع بالدعاء للجميع بالتوفيق والهداية والصلاة والسلام على النبي محمد وآله. ويختم بالحمد لله رب العالمين والإقرار بعلم الله المحيط.

  • 16 جمادى الأولى 1445هـ - 28/11/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تابعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال الإمام الحافظ أبو محمد عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام": "كتاب الصلاة، باب المواقيت". عن أبي عمر الشيباني، واسمه سعد بن إياس، قال: حدثني صاحب هذه الدار، وأشار بيده إلى دار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها. قال: قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قال: قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قال: حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو استزدته لزادني. هذا الباب هو الباب الثاني من أبواب "عمدة الأحكام"، أو هذا الكتاب هو الكتاب الثاني: كتاب الصلاة. ومر معنا أن قوله "كتاب" هو بمعنى "مكتوب"، أي هذا مكتوب في بيان أبواب وفصول وأحاديث تتعلق بالصلاة. والصلاة يا إخوان في اللغة هي بمعنى الدعاء، بمعنى الدعاء. ومنه قوله سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: 103]، أي ادعُ لهم. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا دُعي أحدكم فليجب"، أي إذا دُعي إلى طعام الوليمة فيجب الداعي، قال: "فإن كان مفطراً فليأكل، وإن كان صائماً فليصُـلِّ". وإن كان صائماً فليصُـلِّ، ما معنى فليصلي؟ دعاك إنسان إلى وليمة، فإذا كنت مفطراً تأكل، وإذا كنت صائماً تصلي، كيف تصلي؟ نعم يا حمزة... تدعو. وش صلي ركعتين عنده؟ لا، المقصود هنا المعنى اللغوي، أي الصلاة هنا بمعنى الدعاء، بمعنى الدعاء. وقد ذكر النووي رحمه الله تعالى في كتابه "المجموع": قال: الصلاة في اللغة الدعاء، وسميت الصلاة الشرعية دعاء؛ لاجتمالها عليه، أي لاجتمال الصلاة على الدعاء، فسميت بذلك. قال: وهذا هو الصحيح، وبه قال الجمهور من أهل اللغة وغيرهم من أهل التحقيق. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. والصلاة في الشرع اختلفت عبارات العلماء في تعريفها، وهي تعاريف متقاربة. فمن ذلك قولهم في الصلاة: أنها عبارة عن أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم. والصلاة يا إخوان هي أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين، بعد الشهادتين، كما في حديث ابن عمر في الصحيحين: "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة...". وهكذا الصلاة هي صلة بين العبد وربه عز وجل. ولهذا جاء في حديث أبي هريرة القدسي أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما يرويه عن ربه عز وجل: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي. وإذا قال العبد: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي. وإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله تعالى: مجدني عبدي. فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل". الحديث. وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"، قال: "فأكثروا من الدعاء". العبد وهو في الصلاة قريب من ربه عز وجل، لكن في حال السجود يكون أقرب، أكثر من ربه سبحانه وتعالى. ولأهمية الصلاة وعظم شأنها، فإن الله عز وجل فرضها في السماء على نبينا عليه الصلاة والسلام من غير واسطة جبريل عليه السلام، كما في حادثة الإسراء والمعراج. وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم، أو قال أنس: "فُرضت على النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات ليلة أسري به خمسين صلاة، ثم نُقصت حتى جعلت خمساً، ثم نُودي: يا محمد، إنه لا يبدل القول لدي، وإن لك بهذه الخمس خمسين". والصلاة يا إخوان هي الفارق بين المسلم وبين الكافر. فكما جاء في حديث بريدة عند أصحاب السنن، قال عليه الصلاة والسلام: "العهد الذي بيننا -أي المسلمين- وبينهم -أي الكافرين- الصلاة، فمن تركها فقد كفر"، أي أصبح منهم. وفي حديث جابر في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة، ترك الصلاة". والصلاة يا إخوان تعتبر من أعظم أسباب دخول الجنة، من أعظم أسباب دخول الجنة. في حديث أبي موسى الأشعري في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: "من صلى البردين دخل الجنة". من صلى البردين... نعم، ما هو السؤال؟ ما هو السؤال؟ قلت: ما هو السؤال؟ ما هو السؤال؟ هذا الجواب... نعم، أحسنت. ما هم البردان؟ أحسنت: العصر والفجر، الفجر والعصر. لماذا سمي بهذا يا أبا محمد؟ لماذا سمي بالبردين من بين بقية الصلوات؟ أحسنت: غالباً وقتهما يكون فيه البرد، يكون فيه ماذا؟ فيه البرد. طيب، فمن صلى البردين دخل الجنة. وفي حديث عمارة بن رؤيبة في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: "لن يلج النار رجل -أو أحد- صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها"، يعني بذلك صلاتي الفجر والعصر، الفجر والعصر. وهي من أسباب مغفرة الذنوب وتكفير الخطايا والسيئات. ففي حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر". وفي حديث أبي هريرة كذلك في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: "أرأيتم"، ومعنى "أرأيتم" أي أخبروني. "أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟" أي من وسخه شيء. قالوا: لا، لا يبقى من درنه شيء. قال: "فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا". والصلاة يا إخوان عبادة مشروعة في جميع الملل، في جميع الملل. فربنا عز وجل يقول عن مريم: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "من كان قبلنا كان لهم صلاة ليست مماثلة لصلاتنا في الأوقات ولا الهيئات، لهم صلاة لكن تختلف عن صلاتنا". وهكذا ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كما في كتابه "تحفة المودود": قال: "ففي كل أمة صلاة ونسك، أي ذبح، قال: لا يقوم غيرهما مقامهما، لا يقوم غيرهما مقامهما". والصلاة يا إخوان تجب على المسلم البالغ العاقل، المسلم البالغ العاقل. كما في حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: "رُفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق -أو حتى يعقل-". وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وجده هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، قال عليه الصلاة والسلام: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين"، يعني الطفل إذا بلغ سبع سنين يعلم كيف يتوضأ، يعلم قراءة الفاتحة، يعلم كيف يصلي، ولا يضرب، وإنما يرغب ويحث على ذلك. قال: "واضربوهم عليها"، أي ضرب تأديب يا إخوان، وليس ضرب تعذيب. البعض قد يفقد أعصابه: "صل يا ولد، ما صلى"، يقوم يأتي له بماذا؟ سلك، حق شاحن، حق جوال، أو يأتي مثلاً بالذي في يده يضرب به. هذا يا إخوان تربية قد تكون منفرة، فيكره الصلاة، ليس لأن الصلاة مكروهة، لكن لكرهه للأسلوب الذي تعرض له. فالمضروب... لكن ضرب تأديب وليس ضرب تعذيب. قال: "وفرقوا بينهم في المضاجع". أما إذا بلغ فعندها يا إخوان تكون الصلاة فرضاً وواجباً عليه. قال رحمه الله تعالى: "باب المواقيت". وكما سبق معنا، الأصل أن الباب لأجل الدخول والخروج للأشياء المحسوسة، تُؤتى البيوت من أبوابها. لكن هنا شبه الدخول في دراسة أحاديث ومسائل تتعلق بالمواقيت، أي مواقيت الصلوات، شبهها بالدخول إلى الأشياء المحسوسة، ثم أثبت لها الباب. قال: "باب المواقيت"، أي هذا مدخل لدراسة أحاديث تتعلق بمواقيت الصلوات. والمواقيت جمع ميقات، والمقصود بالميقات هاهنا هو الزمن المحدد لأداء الصلاة، زمن محدد لأداء الصلاة، كما قال ربنا عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]. ولما فرضت الصلاة نزل جبريل عليه السلام وصلى بالنبي صلى الله عليه وسلم الخمسة صلوات: بدأ بالظهر، فالعصر، فالمغرب، فالعشاء، ثم الفجر في أول وقتها، في أول وقتها. ثم في اليوم الثاني صلى به في آخر وقتها، أي آخر أوقات هذه الصلوات. ثم قال: "يا محمد، الوقت بينهما"، أي بين صلاة أمس وصلاة اليوم، وصلاة اليوم. ودخول وقت الصلاة يعتبر شرطاً من شروط صحة الصلاة، شرط من شروط صحة الصلاة، هو أن يدخل وقتها. وبدأ أحاديث كتاب الصلاة وباب المواقيت بحديث أبي عمر الشيباني، وذكر أن اسمه سعد بن إياس، وهو تابعي مخضرم. ومعنى مخضرم: أي أدرك عهد وزمن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم. وهو يعتبر من ثقات التابعين، وقد نزل الكوفة، وروى عنه جماعة من التابعين، وروى له الجماعة، أي أصحاب الكتب... ماذا؟ السبعة. طيب. قال: "قال: حدثني صاحب هذه الدار، وأشار بيده إلى دار عبد الله بن مسعود". وهذه الدار كانت بالكوفة، لأن ابن مسعود نزل الكوفة وسكن بها. ولما أشار إلى دار عبد الله بن مسعود؟ ذكر العلماء عدة أسباب، فمنها: أنه قد يكون لمزيد الضبط، لكي يظهر مزيد ضبطه أن الذي حدثه هو صاحب هذه الدار. ويحتمل أن يكون حدثه بهذا الحديث في هذه الدار بالكوفة. ويحتمل أن دار ابن مسعود مشهورة معروفة لدى العلماء والمحدثين لطلبهم العلم فيها. قال: "وأشار بيده إلى دار عبد الله بن مسعود". وعبد الله بن مسعود، أبو عبد الرحمن الهذلي، أحد السابقين الأولين إلى الإسلام، وهكذا ممن هاجر الهجرتين، وصل إلى القبلتين. هاجر الهجرتين، ما هو المقصود بهذا؟ ما هو المقصود بهذا؟ هاجر الهجرتين... نعم: إلى الحبشة أولاً، ثم إلى المدينة ثانياً. وصل إلى القبلتين يا أبا تميم... وصل إلى القبلتين... نعم: بيت المقدس، ثم لما نُسخت إلى الكعبة المشرفة. وكان رضي الله عنه من علماء الصحابة، أخذ من في النبي صلى الله عليه وسلم سبعين سورة من سور القرآن، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: "من أراد أن يقرأ القرآن غضاً طرياً كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد"، أي ابن مسعود. وهو أحد القراء الذين أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ عنهم القرآن، أن يؤخذ عنهم القرآن. وفضائله كثيرة. قال: "سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟" أي من الأعمال الظاهرة، يعني أي الأعمال أحب إلى الله، أي أشد حباً إلى الله عز وجل، وإلا فجميع الأعمال الصالحة محبوبة إلى ربنا عز وجل. قال: "الصلاة على وقتها"، أي أداؤها في الوقت المحدد شرعاً. قال: "قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قال: قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قال: حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو استزدته لزادني". وهذا الحديث كما هو ظاهر يا إخوان، فيه بيان أحب الأعمال إلى الله عز وجل، وفيه بيان أهمية هذه الأعمال التي ذكرت، وفي مقدمتها، وفي مقدمتها أداء الصلاة على وقتها المحدد لها شرعاً، وأنه لا يجوز تأخيرها عن هذا الوقت. ولأجل هذا أورد رحمه الله تعالى هذا الحديث في باب المواقيت. وهكذا أيضاً ضمن أحاديث كتاب الصلاة. وسيأتي معنا إن شاء الله عز وجل مذاكرة أحاديث باب المواقيت في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.