الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 19، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
الدنيا ليست دار إقامة بل دار عبور، كما قال الناظم الإلبيري: «لم تخلق لتعمرها ولكن لتعبرها»، وأمر النبي ﷺ بأن يكون المسلم كغريب أو عابر سبيل. الأشعار والزهد تحث على الاستعداد للآخرة بالصالحات.
الزاد الحقيقي للآخرة هو العمل الصالح، وهدم الدنيا لا يكون بتحطيم الممتلكات بل بالاهتمام بالطاعات مع عدم ترك المباحات. الإسلام دين وسط يرفض الرهبانية والتبتل، ويجمع بين عمارة الدنيا بطاعة الله والسعي للآخرة.
الحسنة في الدنيا تشمل العافية والذرية الصالحة والرزق الحلال، بينما الحسنة في الآخرة هي الجنة والنظر إلى وجه الله. الدنيا فانية لا تُقارن بالآخرة الباقية، والآيات والأحاديث تحث على طلب الآخرة وعدم الحزن على فوات الدنيا.
يختتم المتحدث بدعاء أن لا تكون الدنيا أكبر همٍّ ولا مبلغ علم، وأن يجنب النار ويدخل الجنة. ثم يصلي على النبي محمد ويحمد الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً. أما بعد، قال الناظم أبو إسحاق الإلبيري رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين: قال: «ولم تخلق لتعمرها ولكن لتعبرها، فجد لما خلقت، وإن هدمت فزدها أنت هدماً، وحصن أمر دينك ما استطعت، ولا تحزن على ما فات منها إذا ما أنت في أخراك فزت، فليس بنافع ما نلت فيها من الفاني إذا الباقي حرمت». وهنا لا يزال رحمه الله تعالى يتحدث حول هذه الدنيا، ويبين ذمامتها وقبحها، وأنها لا تساوي شيئاً، فلذا لا يجوز لعاقل، فضلاً عن مسلم، أن يجعلها أكبر همه، أو مبلغ علمه، أو أن يلهث وراءها فتشغله عن عمارة الآخرة. الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقر. الدنيا دار ممر، والآخرة هي دار مقر، فعلى المؤمن أن يأخذ من دار ممره إلى دار مقره، وأن لا يتخذ الدنيا وطناً أو مسكناً يطمئن فيه ويركن إليه، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر. ففي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال ابن عمر كما في صحيح البخاري: «أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بي منكبي، فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». كن في الدنيا كأنك غريب، أو ما تلاحظون حال الغريب إذا حل بأرض أو نزل في بلد؟ لا يهتم بشراء الأراضي والعقارات، ولا بناء الدور والقصور، يعلم أنه سرعانا ما سيرحل من هذه الدنيا، أو من هذه البلاد. قال: «أو عابر سبيل». نزل في محطة، نزل في مطعم، نزل في مسجد، لأجل أن يأكل أو يشرب أو يتزود أو يصلي، وما هي إلا دقائق ويغادر هذا الموضع. ولهذا يا إخوان، ابن عمر استفاد من هذه الوصية، فكان يقول بعد ذلك: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك». وكان النبي صلى الله عليه وسلم كما مر معنا قريباً، كان يقول: «ما لي وللدنيا، ما لي وللدنيا، ما أنا فيها إلا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها». قال: «في ظل شجرة». إيش معنى «قال في ظل شجرة»؟ نعم، القيلولة، أخذ له نومة القيلولة، قد تكون ربع ساعة، عشرين دقيقة، نصف ساعة، ساعة على أكبر تقدير، أو قد تزيد، قال: «ثم راح وتركها». وقد أحسن الشاعر أبو العتاهية، وأبو العتاهية يا إخوان عرف بشاعر الزهد والحكمة، له ديوان مليء بالقصائد التي هذا مضمونها. يقول أبو العتاهية كما في ديوانه: «وما أدري وإن أملت عمراً، لعلي حين أصبح لست أمسي، وساعة ميتتي لابد منها، تعجل نقلتي وتطيل حبسي». ومرة معنا كذلكم أيضاً أبيات الشافعي رحمه الله تعالى، فمن يقرأها إن لله عباداً فطناء، من يأتي بها تفضل؟ «خافوا، طلقوا الدنيا، وخافوا الفتناء، نظروا فيها أنها ليست لحي، وطناء قبلها جعلوها لجة، أي بحراً عظيماً، واتخذوا صالح الأعمال فيها سفناء». مرة معنا يا إخوان، الكلام في أو ماذا عن هذه الأبيات؟ «إن لله عباداً فطناء» يعني عقلاء حكماء، «ما لهم طلقوا الدنيا وخافوا الفتناء، نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي، وطناء قبلها جعلوها لجة، واتخذوا صالح الأعمال فيها سفناء». ومر معنا كذلكم في أول دروس هذه المنظومة في البيت الثالث أيضاً، ما كان أو ما في مثل هذا المعنى، فمن يأتي بالبيت الثالث؟ نظرت يا أبا محمد، طيب، نعم، من يأتي به؟ «أراك تحب عرصة ذات خدر، أبدت طلاقها الأكياس بت، فماذا؟». فهنا يقول: «ولم تخلق لتعمرها ولكن لتعبرها»، فهي دار ماذا؟ دار ممر، دار عبور. قال: «فجد لما خلقت»، أي لعمارتها بطاعة الله عز وجل والعمل الصالح الذي يقربك إلى الله عز وجل، وهو الزاد الذي سترحل به من هذه الدنيا. أرأيتم أحداً رحل من هذه الدنيا فأخذ معه الأموال؟ أخذ معه العقار؟ أخذ معه السيارات؟ أخذ معه الأولاد والزوجات؟ أبداً. ما الذي ستخرج به من هذه الدنيا؟ العمل الصالح. إذن جد في أخذه والاجتهاد فيه. قال رحمه الله تعالى: «وإن هدمت»، أي الدنيا، «وإن هدمت فزدها أنت هدماً، وحصن أمر دينك ما استطعت». وهدم الدنيا يا إخوان ليس بتحطيم البنيان، معك شقة أو معك بيت تذهب وتهدمه، لا. معك سيارة تكسرها، لا، ليس هذا المقصود. وإنما هدم الدنيا يكون بالاهتمام بالآخرة وعمارة الآخرة، بالحرص على الطاعات والانشغال بما يقرب إلى الله عز وجل، وليس بأن يترك الإنسان العمل والسعي فيها، وما أباحه الله تعالى له فيها من الطيبات والمباحات. كما قال ربنا عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. وكما في وصية قوم موسى لقارون، قالوا له: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. وهكذا ربنا عز وجل، أو ماذا؟ النبي صلى الله عليه وسلم كان من دعائه كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه كان يقول: «وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي». وهكذا أيضاً ماذا؟ النبي صلى الله عليه وسلم في قصة أولئك النفر الذين جاءوا إلى أبياته كما في حديث أنس في الصحيحين، فسألوا عن عبادته فأخبروا، فكأنهم تقالوها، أي رأوها قليلة. فقال أحدهم: «أما أنا فأقوم الليل ولا أنام». وقال الآخر: «أما أنا فأصوم النهار ولا أفطر». وقال الثالث: «أما أنا فلا أتزوج النساء»، مشغلة، أسر، حوائج أولاد، إلى غير ذلك، لا أتزوج النساء. وفي بعضها: «لا آكل اللحم». فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر بخبر هؤلاء الثلاثة وما قالوا، غضب عليه الصلاة والسلام، ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وكذا؟ أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له، أما إني أقوم من الليل وأنام، وأصوم من النهار وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». وهكذا جاء في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه كما في الصحيحين، قال: «رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل». عثمان بن مظعون أحد أفاضل الصحابة وخيارهم، أتى يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في التبتل، ومعنى التبتل يا إخوان: التفرغ للعبادة والانقطاع عن النساء وترك الزواج. جاء يستأذن، رده النبي صلى الله عليه وسلم، أي لم يأذن له. قال سعد بن أبي وقاص: «ولو أذن له لاختصينا»، لكن لم يأذن له النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا درس للأمة أجمع. فعلى العبد يا إخوان أن يستعمل ما وهبه الله عز وجل في هذه الدنيا في طاعة ربه عز وجل حتى يحصل على الثواب في الآخرة. والإسلام يا إخوان دين عظيم، هو وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين: بين أرباب المدنية الغربية الذين طغت عليهم المادية في جميع جوانبها فأهملوا جانب الروح، وبين الرهبانية التي ابتدعها من ابتدعها من الناس، فطغت في الجوانب الروحية فأتعبت الأجساد وأهملت الأسباب. أما الإسلام يا إخوان فقد اهتم بجلب الخير ودفع الشر، كما قال ربنا عز وجل: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. فالحسنة في الدنيا يا إخوان تشمل أشياء كثيرة: منها العافية في البدن، وهكذا الولد الصالح، والزوجة الصالحة، والجار الصالح، والمركب الهنيء، تشمل الرزق الطيب والمكسب الحلال، والذكر الحسن، وغيرها من الأمور. والحسنة في الآخرة تشمل دخول الجنة، والنجاة من العذاب، والأمن من الفزع الأكبر، وماذا فوق هذا كله؟ النظر إلى وجه الله الكريم. نسأل الله من فضله. قال رحمه الله تعالى: «ولا تحزن على ما فات منها إذا ما أنت في أخراك فزت». أي لا يسيطر على قلبك الحزن على ما فات من متاع هذه الدنيا، إذا أكرمك الله عز وجل ووفقك بدخول الجنة، وأنت نلت الدرجات العالية فيها. فإن الدنيا ونعيمها إذا جاءت يا إخوان فبها ونعمت، الدنيا إذا جاءت رزقك الله مالاً لا ترده، رزقك الله زوجة وأولاد لا تردهم. فإن جاءت الدنيا فبها ونعمة، وإن لم تأت فعليها السلام يا إخوان، لا تحزن على ما فاتك منها. فربنا عز وجل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾. ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. ﴿وَعَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾. وربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّ رِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾. هذه العاقبة، جهنم، أعاذني الله وإياكم منها. ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾، أي من الدنيا. فالعبرة يا إخوان ليست بالدنيا، وإنما العبرة بالآخرة. ثم قال رحمه الله تعالى: «فليس بنافع ما نلت فيها من الفاني إذا الباقي حرمت». أي مهما كان الذي حصلته في هذه الدنيا، ولو كان ما حازه قارون. وقارون يا إخوان يضرب به المثل في كثرة الأموال، وإن ﴿إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾، يعني خزائن عظيمة مليئة بمتاع هذه الدنيا، لكن حرم الآخرة، حرم الآخرة، فلا ينفع يا إخوان مهما حزننا من الأموال، فلن ينفعنا ذلك إذا حرمنا العمل الصالح، وهكذا العلم النافع، وهكذا الطاعات والعبادات التي تقربنا إلى الله عز وجل. ولهذا ربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾. ليس له حظ عند الله عز وجل. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم»، يغمس أصبعه في البحر، في اليم، «قال فلينظر بما يرجع»، فلينظر بما يرجع الذي يرجع في أصبعه، هذا هو نصيب الدنيا إلى الآخرة. وهذا الحديث جاء في صحيح، في المستورد أخ بني فهر رضي الله عنه. وربنا عز وجل يقول لآخر أهل النار خروجا وآخر أهل الجنة دخولا، فيها يقول له: «اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو لك مثل عشرة أمثال الدنيا». وهذا في الصحيحين من حديث ابن مسعود. إذن ماذا بقي يا إخوان؟ ماذا بقي للدنيا متى ما قورنت بالآخرة؟ لكن يا إخوان، توفيق من الله عز وجل، كم من الناس من يبيع الدنيا ويشتري الآخرة، فهذا الذي يربح، وكم من الناس على العكس والنقيض، يبيع دينه، يبيع آخرته من أجل عرض من أعراض الدنيا قليل. فأسأل المولى جل وعلا أن لا يجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وأن لا يجعل النار مصيرنا، وأن يجعل الجنة دارنا وقرارنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً.