شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 33

شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 33

الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 33، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ضعف الثقة في الرواية عن شيخ معين

يتناول المقطع حال الرواة الذين يُعدون ثقات في أنفسهم لكن يضعف حديثهم عن شيخ بعينه، وضرب أمثلة بجرير بن حازم البصري في روايته عن قتادة وسفيان بن حسين في روايته عن الزهري. وبين أسباب هذا الضعف كالرواية بالتوهم أو ضياع الأصول أو الاختلاط في السماع.

جمع المشايخ في إسناد واحد وشروط قبوله

يتناول المقطع حال الرواة الذين تضعف روايتهم عند جمعهم بين عدة شيوخ في إسناد واحد مقارنة بإفرادهم، مع أمثلة كدراج أبي السمح وأبي معاوية ومحمد بن جعفر. ونقل عن الحافظ الخليلي وابن رجب أن الجمع لا يقبل إلا من حافظ متقن يضبط اتفاق شيوخه واختلافهم، مستشهدين بترك البخاري لأحاديث حماد بن سلمة لجمعه بين أصحاب أنس مع علل أخرى.

إنكار ابن حبان على البخاري في حماد بن سلمة

يناقش المقطع رد إنكار ابن حبان على البخاري لعدم تخريجه لحماد بن سلمة، مبيناً أن البخاري تركه لدخول الوهم في رواياته واختلاطها. ثم استعرض قضية جمع الشيوخ وعدم التمييز بين الروايات المرسلة والموصولة عند رواة كحماد بن سلمة وسفيان بن عيينة وابن إسحاق والواقدي وليث بن أبي سليم.

اضطراب الرواة في تمييز مروياتهم

يشير المقطع إلى أن الراوي الذي لم يتقن الحديث واضطرب فيه يعجز عن التمييز بين روايات المشايخ المختلفة، فيخلط بينها وينسبها إلى راوٍ واحد. وبين أن هذا الخلط شائع لدى الرواة الضعفاء الذين لا يحفظون، وقد يقع فيه بعض الثقات الذين لا يميزون في رواياتهم، مختتماً بالقول إن شاء الله يختم بهذا والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: تضعيف ما حدث به الراوي الثقة عن بعض شيوخه، وذلك لكون الراوي ثقة في نفسه، لكن في حديثه عن بعض شيوخه ضعف، بخلاف حديثه عن بقية الشيوخ. طيب، هذا أيضا موجود في الرواة، أنهم تجد أنه ضعيف في بعض شيوخه، وبعض الشيوخ الآخرين تجدهم ثقة. فذكر هنا من أمثلته: جرير بن حازم البصري يضعف في حديثه عن قتادة. قال الإمام أحمد: كان يروي بالتوهم، يروي بالتوهم. وظهر أنه كانت عنده أحاديث عن قتادة سمعها قديما، فإما أنه لم يكتبها، وإما أنه ضاع عليه الكتاب، فكان يرويها بالتوهم. ولهذا ذكر الحافظ ابن رجب عدة أحاديث من طريق جرير عن قتادة وهي ضعيفة: جرير بن حازم البصري عن قتادة. ومنها حديث: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه خارج الخلاء»، فهذا الحديث منكر كما قال الإمام أبو داود، وهي من أوهام جرير بن حازم. وأيضا كذلك روى جرير بن حازم عن قتادة عن أنس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا عليه موضع درهم لم يمسه الماء، فقال له: أعد الوضوء». قال أيضا الإمام أحمد: هذا حديث منكر. ومن الحديث التي جاءت عن جرير بن حازم عن قتادة فالظاهر أنه كان يرويها بالتوهم، يرويها بالتوهم. قال جعفر بن برقان الجزري: قال الإمام أحمد: يؤخذ من حديثه ما كان عن غير الزهري، فأما عن الزهري فلا. وكذلك أيضا سفيان بن حسين، سفيان بن حسين أيضا ثقة إلا في رواية عن الزهري ضعيف. والله أعلم من سبب ضعفهم في الزهري، وإلا كثير من هؤلاء يضعفون في الزهري، بل منهم من هو ثقة حافظ كهشيم بن بشير، وهشيم بن بشير ثقة حافظ لكن حديثه عن الزهري فيه ضعف، إلا أربعة أحاديث سمعها، وقالوا: أكثر معنا أوصلوه إلى تسعة أحاديث. وكما قلنا أن شعبة ذكرت له بسبب ضعفه في الزهري قصتان: قصة أولى أنه لما جاء من الحج وقد سمع من الزهري ومعه أوراق، فقال له أحد أصحابه: أعطني الأوراق التي سمعتها من الزهري، فأراد أن يعطيها إياه، فجاءت الريح وأخذتها، فعلق في ذهنه بعض الأحاديث وعلق بعضها في ذهنه. ومنهم من يقول أن شعبة هو الذي مزقها عليه. وجاءت قصة أخرى أن شعبة مر عليه وهو عند الزهري، عنده رجل لابس لباس الشرطة، بني أمية، كان الزهري يلبس لباس الشرطة، فقال له شعبة: من هذا الرجل؟ قال: هذا الرجل من الشرطة، ألا تراه أنه شرطي؟ فمر شعبة، ثم أنه لقيه مرة أخرى أو بعدما سمع، فقال له: أتدري من كان معي؟ قال: لا. قال: هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. قال: هكذا وقد سمعت منه وكتبت؟ قال: نعم. قال: أين أوراقك؟ فأعطاه إياها فمزقها. وزعم أنه أخفى عليه. وشعبة كان يحلم أن يرى الزهري، فجاء إلى عنده ولم يرَه، لأن الزهري غالبا يدخل بعض المناطق مع بعض الملوك مثلا من بني أمية، فقد يكون مثلا يجلس في المنطقة هذه مدة يسيرة ثم يخرج. لكن أكثر ما كان يذهب يذهب إلى مصر، ويذهب إلى مكة والمدينة، وأما الكوفة والبصرة فذهبوا إليها قليلا. ومن هذا الباب أيضا كثير كما قلنا ممن يضعف في شيخ، وبعضهم أيضا ضعيف لكن يضعف أكثر في بعض الشيوخ، كدراج أبي السمح: رواية دراج أبي السمح عن أبي الهيثم ضعيفة، ودراج ضعيف لكن في روايته عن أبي الهيثم أضعف. وهذه تحتاج إلى معرفة أنه ضعيف، قد يكون هناك سبب لكن قد لا يعرف سبب، لكن العلماء يبينون أن رواية فلان عن فلان ضعيفة، وأحيانا من باب التوقي فقط. مثل مثلا بعضهم يقول كابن معين وغيره: يقول أبو معاوية إذا روى عن الأعمش فصحيح، وإذا روى عن غيره اضطرب، إذا روى عن غير الأعمش يضطرب في حديثه. وكذلك أيضا قالوا هذا في محمد بن جعفر، قالوا أنه يضطرب في حديث المشايخ، حتى أنه لما سمع أن عبد الرحمن بن مهدي أو غيره يقول: أن محمد بن جعفر لم يسمع من سعيد إلا بعد الاختلاط، قال: والله ما جئت شعبة حتى سمعت من سعيد، قال: ما جئت شعبة حتى سمعت من سعيد. طيب، قال: تضعيف رواية الراوي غير المتقن إذا جمع في الإسناد عددا من شيوخه دون ما إذا أفردهم. أنا إذا قال: حدثنا فلان وفلان وفلان يكون ضعيف، وإذا قال: حدثنا فلان يكون ثقة، أنا إذا ذكر شيخه ووحده، وأما إذا جمعهم فيضعف. وهذه قيلت في كثير من الرواة. قال الحافظ أبو يعلى الخليلي في الإرشاد: ذكرت يوما بعض الحفاظ، فقلت: البخاري لم يخرج حديث حمد بن سلمة في الصحيح وهو زاهد ثقة، فقال: لأنه جمع بين جماعة من أصحاب أنس، فيقول: حدثنا قتادة وثابت وعبد العزيز بن صهيب، وربما يخالف في بعض ذلك. فقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه ويجمع بين أسانيد فيقول: حدثنا مالك وسعيد بن أبي عروبة والأوزاعي بأحاديث، ويجمع بين جماعة غيرهم؟ فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ له. قال ابن رجب: معنى هذا أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة وساق الحديث سياقة واحدة، فالظاهر أن لفظهم لم يتفق، فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ مضبط لحديثه يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم، كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث الإفك وغيره. وكان الجمع بين الشيوخ ينكر على الواقدي وغيره ممن لا يضبط هذا، كما أنكر على ابن إسحاق وغيره. فمثل الجمع بين المشايخ تحتاج إلى عناية خاصة، وسياقتها سياقة واحدة تحتاج إلى رجل متقن حتى يعرف الفرق بين الروايات وكذلك الاتفاق. فلهذا ذكر الخليلي أن رجلا أو أن بعض الحفاظ قال: لماذا لم يخرج البخاري؟ ذكر سببا، ولعل هذا ليس هو السبب الوحيد، لأن حمد بن سلمة الذي وقع عنده أكثر من سبب، منها أنه كان في آخر حياته تغير حفظه شيئا يسيرا، ومنها أنه لما نقل أحاديثه من الأجزاء إلى المصنفات أخطأ في كثير منها، والظاهر أنه نقلها من حفظه فحصل له خطأ في أداء الحديث، ولهذا حصل الوهم في حديثه ولم يميز هذا الوهم، فلهذا البخاري لم يخرج له في الأصول وإنما أخرج له في الشواهد. وإنكار ابن حبان على البخاري ليس بصحيح، أن ابن حبان أنكر على البخاري لماذا لم يخرج لحمد بن سلمة، فإن كان حمد بن سلمة يهم فقد وهم غيره، فهذا أبو بكر بن عياش أيضا يهم، لماذا أخرج لأبي بكر بن عياش ولم يخرج لحمد بن سلمة؟ لكن الظاهر كما قلنا أن البخاري إنما رأى أن حديث حمد بن سلمة دخلها الدخيل، ودخل فيها الأوهام التي لا يميز فيها بين الصحيح والضعيف إلا بعض الحديث التي أتقنها كروايات عن ثابت. ولهذا الإمام مسلم رحمه الله أكثر الروايات التي أخرجها عن حمد هي من رواياته عن ثابت البناني، وأخرج أيضا بعض الروايات عن أيوب عن كذا، لكن أكثر رواياته عن ثابت، وأما البخاري فلم يخرج له شيء لكن لعدة أسباب، أسباب حصلت، الظاهر. طيب، الآن مسألة الجمع بين الشيوخ، مع أنه الآن يأتي مثلا حمد بن سلمة فيقول: حدثنا قتادة وعبد العزيز وثابت وعلي بن زيد، فيجعلهم كلهم، وإذا تحققت من الروايات تجد أن ثابتا مثلا رواه مرسلا، وذاك رواه موصولا، فيجعلها كلها عن أنس، وهذا خطأ. وقد وقع في هذا أيضا سفيان بن عيينة، لكن سفيان حافظ، إذا ذكر رواية قتادة أو إذا ذكر رواية معمر عن ثابت أو ذكر رواية ثابت، تجده يقول: ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني يذكرها مرسلة، وإذا ذكر رواية أبان عن أنس ذكرها موصولة، وأحيانا يجعلهم جمعا على أن ثابتا رواه عن أنس، لكن الصحيح أنه رواه مرسلا. لكن حماد بن سلمة لا يميز بين رواية ثابت وقتادة وعبد العزيز فيجعلها كلها عن أنس، وهذا وهم. وقد وقع أيضا في هذا الوهم عدة أشخاص، وخاصة الذين عندهم الحفظ قليل، أو من كان عنده حفظ كثير لكنه يضطرب في الأحاديث كابن إسحاق. ابن إسحاق أيضا يجمع الشيوخ ولا يميز بين الروايات، بل ابن إسحاق كان يروي أحاديث السيرة فيرويها برواية كأنها ليست رواية الزهري أو رواية من روى عنه المشايخ، عن أن يصيغها صياغة أخرى، كما قال الإمام أبو بكر البردعي: يقول قال ابن إسحاق: يمضغ حديث الزهري مضغ، قال: فكأن الراوي يراه أنه ليس حديث الزهري، يعني قال: يمضغه مضغة، لأنه كان فصيحا، كان من أهل السير والأداء، فيصيغ صياغة أدبية، فيصيغ صياغة أدبية، فكأنه ليس مثل الذي رواه عنه مثلا يونس أو رواه شعيب. وأيضا كذلك ممن يضطرب في المشايخ بعض الضعفاء كما قال الحافظ ابن رجب: كالواقدي، وكذلك ليث بن أبي سليم، ليث بن أبي سليم أيضا يضطرب فيجمع بين المشايخ، فيقول: حدثنا عطاء ومجاهد وطاوس، حتى كان شعبة يقول له: يقول ليث بن أبي سليم: أين اجتمع لك هؤلاء حتى تجمعهم كلهم؟ أين اجتمعوا لك حتى رويت عنهم هذا الحديث التي كلها معنا بسياق واحد؟ فما أجاب لهذا. قال: كان شعبة يقول: أتيت ليث بن أبي سليم فسألته عن حديث فحدثني عن مجاهد عن ابن عمر، ثم جئته فسألته عن نفس الحديث فحدثني عن عطاء عن ابن عباس، ثم جئته فحدثني عن مجاهد عن أبي هريرة، نفس الحديث. فهذا يدل على أنه ما ما أتقن هذا الحديث واضطرب فيه، فلهذا فهو إذا جمع بين المشايخ لا يميز بين رواياته، يعني يجعل مثلا قد يكون هذا الحديث رواه مجاهد مثلا عن ابن عمر أو عن أبي هريرة فيجعله كله عن أبي هريرة. وهذا كما قلنا يحصل لكثير من الضعفاء الذين لا يحفظون، وكذلك بعض الثقات لكن لا يميزون في رواياتهم. طيب، إن شاء الله نختم به هذا، والله أعلم.