شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 17

شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 17

الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 17، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

حقارة الدنيا وسرعة تقلبها

يبيّن الناظم أن الدنيا لا تستحق الاهتمام لأنها تضر طويلاً وتسر قليلاً، ويشبهها بالكف أو الحلم. يستدل بأحاديث نبوية تبين أن الدنيا أهون على الله من جناح بعوض، وأن النبي ﷺ دعا ألا تُجعل أكبر همٍّ ولا مبلغ علم.

تقلب الدنيا وسرعة زوالها كظل زائل وحلم منام

يصف حال الإنسان في الدنيا المتقلبة بين السرور والحزن، والغنى والفقر، والصحة والسقم، مستشهداً بحديث «اغتنم خمساً قبل خمس» وآيات قرآنية. يضرب المثل للدنيا بالفيء والحلم لسرعة انقضائهما، مبيناً أن العمر الطويل يبدو في الآخرة كطرفة عين.

زوال الدنيا وفضل الآخرة وتوجيه القلب للآخرة

يوضح أن الدنيا دار فناء وسجن للمؤمن، وأن من جعل الدنيا همه فرّق الله شمله بينما من جعل الآخرة همه جمع الله شمله وأتته الدنيا راغمة. يحذر من اتباع الدنيا كمن يهرب من يطارده، ويدعو الله ألا يجعل الدنيا أكبر همٍّ وأن يجعل الجنة دار القرار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. أما بعد، قال الناظم أبو إسحاق الإلبيري رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين، ضمن أبيات منظومته المشهورة التي فيها الحث على طلب العلم وعلى الأدب، وفيها من الحكم الشيء الكثير، قال رحمه الله تعالى: فليست هذه الدنيا بشيء تسوءك حقبة وتسر وقتا وغايتها إذا فكرت فيها كفيئك أو كحلمك إذا حلمت سجنت بها وأنت لها محب فكيف تحب ما فيه سجنتا هنا أيها الأحبة في الله، لا زال رحمه الله تعالى يواصل ذكر هذه الوصايا العظيمة وهذه الدرر الثمينة، فيقول مبينا حقارة الدنيا وأنه لا ينبغي لعاقل فضلا عن مسلم أن يلهث وراءها أو أن يتشبث بها، وهكذا يقدمها على الآخرة. قال: فليست هذه الدنيا بشيء، فليست هذه الدنيا بشيء تسوءك حقبة وتسر وقتا. وبين رحمه الله تعالى ها هنا أن هذه الدنيا إن أفرحت قليلا فإنها تحزن كثيرا. هذه الدنيا ليست بشيء، قالت: سوءك حقبة. والحقبة من الدهر هي المدة، هي المدة التي لا وقت لها، التي لا وقت لها، جمعها حقب وحقوب، كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿ لابثين فيها أحقابا ﴾، أي أهل النار، أعاذني الله وإياكم منها، لابثين فيها أحقابا، وهو المدة من الزمان. وهكذا في سورة الكهف، قال الله عز وجل عن موسى: ﴿ لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ﴾، أي بحر فارس والروم، ﴿ أو أمضي حقبا ﴾، أو أمضي حقبا. واختلف العلماء في مقدار الحقبة، فقيل هي سبعون سنة، وقيل ثمانون سنة، وقيل أربعون سنة، وقيل غير ذلك، كما تجده عند تفسير الآيات من تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى. وقيل: المقصود ها هنا أي دهورا متتابعة لا نهاية لها، لا نهاية لها. قال: تسوءك حقبة، يعني فترة طويلة من الزمان، وتسر وقت، أي مدة السرور فيها يعتبر قليلا بالنسبة للأوقات التي تحصل فيها الإساءة. وهذا يا إخوان فيه التحذير من الدنيا ومن شهواتها، فيخبر رحمه الله تعالى أن الدنيا لا تساوي عند الله شيئا، فلا ينبغي إذن أن ننشغل بها وأن تستغرق جل أوقاتنا ومعظم اهتمامنا، أو أن تكون أكبر همنا هذا المسلم أو مبلغ علمه. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث ابن عمر عند الترمذي والنسائي والحاكم وغيرهم، قال ابن عمر: قل ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا». قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث سهل بن سعد، وجاء عن أبي هريرة وابن عباس وعائشة وجماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما عند الترمذي وغيره، وصححه الإمام الألباني رحمه الله، وهكذا شيخنا الوادعي رحمه الله، قال عليه الصلاة والسلام: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناحا بعوض، جناحا بعوض، ما سقى كافرا منها شربة ماء». انظروا يا إخوان إلى مقدار الدنيا عند الله عز وجل، لو كانت تعدل أو تساوي مقدارا جناح البعوض، دقق النظر في البعوض، ثم دقق النظر أكثر في جناحه، لكي نعلم يا إخوان مدى مقدار الدنيا عند الله تبارك وتعالى. ولهذا يا إخوان، ربنا عز وجل يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، لماذا؟ هل لأنها ثمينة؟ هل لأنها نفيسة؟ لا، لحقارتها. أما الآخرة فربنا عز وجل لا يعطيها إلا أهل طاعته ومن يحب سبحانه وتعالى، من يحب سبحانه وتعالى. والدنيا يا إخوان عيبت بسرعة تقلبها، وهكذا كثرت تغيرها، فلا تستقر على حال، وكما قيل: دوام الحال من المحال. فالمرء في الدنيا بين سرور وحزن، وبين غنى وفقر، وضيق وسعة، وصحة وسقم. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن عباس عند الحاكم وغيره: «اغتنم خمسا قبل خمس»، وذكر عليه الصلاة والسلام: فراغك قبل شغلك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وشبابك قبل هرمك، وحياتك قبل موتك. إذن الدنيا هذه متقلبة، كما قال ربنا عز وجل: ﴿ كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ﴾. وكما قيل: ثمانية لابد منها على الفتى، ثمانية لابد منها على الفتى، ولابد أن تجري عليه الثمانية، ثم ذكر هذه الثمانية: سرور وهم، واجتماع وفرقة، ويسر وعسر، ثم سقم وعافية، ثم سقم وعافية. وقد ذكر الإمام أبو محمد ابن حزم الأندلسي رحمه الله تعالى كما في ديوانه، يتحدث عن هذه الدنيا ومدى تقلبها، قال: هل الدهر إلا ما عرفنا وأدركنا فجائعه تبقى ولذته تفنى إذا أمكنت فيه مسرة ساعة تولت كمر الطرف واستخلفت حزنا إلى تبعات في المعاد وموقف نود لديه أننا لم نكن كنا حصلنا على هم وإثم بما أتى وغم لما يرجى، فعيشك لا يهنى كأن الذي كنا نستر كأن الذي كنا نسر بكونه إذا حققته النفس لفظا بلا معنى أبيات عظيمة يا إخوان، يبين فيها رحمه الله تعالى حال هذا الإنسان في هذه الدنيا، وأنها كظل زائل ومتاع الغرور كما ذكر الله عز وجل. قال الناظم رحمه الله تعالى: قال: وغايتها إذا فكرت فيها كفيئك أو كحلمك إن حلمت. الدنيا هذا لما تفكر فيها، تفكر في سرعة انقضائها، ﴿ كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا ﴾ أي في الدنيا إلا ماذا؟ ﴿ عشية أو ضحاها ﴾، كأنها ساعات قليلة يا إخوان عشناها في هذه الدنيا بالنسبة لما ينتظر العبد في الآخرة. قال: وغايتها إذا فكرت فيها كفيئك. ما هو الفيء أرحمك الله؟ كفيئك، ما هو الفيء يا أبا عبد الرحمن؟ الظل، أي ظل، أي ظل، وفي أي وقت يقال له فيء؟ أحسن، هو الظل بعد الزوال، عندها ينبسط شرقا، ينبسط شرقا، وإنما سمي فيئا قالوا: لأن الظل فاء من جانب إلى جانب آخر، إلى جانب آخر، أي رجع من جانب المغرب إلى ماذا؟ إلى جانب المشرق، ولا يكون الفيء بالنهار وإنما يكون ماذا؟ يكون بعد الزوال، بعد الزوال، أي زوال الشمس إلى جهة الغروب، فيظهر الفيء في جهة المشرق. وهنا يعني يبين ماذا؟ سرعة الدنيا، بسرعة زوال هذا الفيء، سرعة زوال هذا الفيء. قال: أو كحلمك إن حلمت. والحلم هو ما يراه النائم في نومه، والجمع أحلام، بخلاف الحلم فالمقصود به الأناة وضبط النفس والطبع عند هيجان الغضب. وهنا مثل الدنيا بالفيء، وهكذا أيضا مثلها بالحلم، وذلك لسرعة زوالها، فهي ظل زائل، وهي أيضا في سرعة زوالها كالحلم الذي يراه النائم في منامه، في منامه. والحلم يا إخوان هو عبارة عن أحداث سريعة متلاحقة وتنتهي. تخيل خلال هذا الحلم يذهب الواحد عمرا ويرجع، أحلام يذهب عمرا، يحرم من الميقات ويطوف حول الكعبة سبعة أشواط، ويسعى بين الصفا والمروة، ويحلق أو يقصر، ويجلس له مدة من الزمان في مكة، ويذهب إلى المدينة ويرجع، كل ذلك في دقائق، لماذا؟ بأنها أحلام. ممكن يبني عمارة في خلال ثواني أو دقائق، يعني يتحصل على مال ويتفق مع المقاول ويؤتى بمواد البناء ويبدأ في حفر أساس وبناء الأدوار وينتهي في خلال دقائق. هكذا الدنيا، هكذا الدنيا كأنها حلم يا إخوان. قد تعيش في الدنيا سبعين سنة، ثمانين سنة، مئة سنة، فتشعر في الأخير أنها كأنها طرفت عين، ما نشعر بها. أنظر إلى الأمس القريب، كنت وكنا جميعا صغارا أحداثا غلمانا نلعب في الشوارع، اليوم لربما انتشر الشيب في لحيتك ومفرق رأسك، بدأ عظمك يضعف وجسدك يضعف. انظروا يا إخوان كم مرت عقود من الزمان، هكذا الدنيا، فكظل زائل وكحلم أحداثه سريعة متلاحقة ثم تنتهي. ولهذا يا إخوان، النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا دروسا، ومن ذلك ما جاء في مسند أحمد والترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال ابن مسعود: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير، على حصير، فقال ابن مسعود: وقد أثر في جنبه، وقد أثر، أي الحصير في جنب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فقلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاء، يعني فراشا مريحا ناعما تنام عليه، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما لي وللدنيا، ما لي وللدنيا، ما أنا فيها إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها». وفي الصحيحين عن عمر، لما رأى عمر أثر الحصير في جنبه عليه الصلاة والسلام، بكى عمر يا إخوان، بكى عمر حين أن رأى حال النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يبكيك؟» فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هم فيه، أي من النعيم والحرير والديباج وغيرها، وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام كلمة يا إخوان عظيمة: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟». جاء في مسند أحمد زيادة، قال عمر: قال عمر: بلى، قال عليه الصلاة والسلام: «فإنه كذلك، فإنه كذلك». فهذا يا إخوان هو حال الدنيا، فكيف بعد هذا يليق بعاقل، قلنا فضلا عن مسلم مؤمن، أن يجعلها في قلبه أفضل من دار البقاء؟ وقد أنشد الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى قال: أما لو بيعت الدنيا بفلس أما لو بيعت الدنيا بفلس أنفت لعاقل أن يشتريها أي ما رضيت لإنسان عاقل أن يشتريها ولو بفلس واحد، ولو بفلس واحد. ولله در العلامة أبي الحسن التيهامي رحمه الله تعالى، وسبق معنا الإشارة إلى قصيدة ومنظومة أبي الحسن التيهامي، منظومة من أجمل المنظومات في الحكم، وفيها يا إخوان يرثي ولده الذي مات، قال فيها رحمه الله تعالى: أيا من عاش في الدنيا طويلا وأفنى العمر في قيل وقال وأتعب نفسه فيما سيفنى وجمع من حرام أو حلال هب الدنيا تقاد إليك عفوا هب فرض، هب الدنيا تقاد إليك عفوا أليس مصير ذلك للزوال؟ الزوال قال: وما دنياك إلا مثل فرع أضلك ثم آذن بالزوال أضلك ثم آذن بالزوال هذا هو حال الدنيا. ثم قال رحمه الله تعالى: قال: سجنت بها وأنت لها محب، فكيف تحب ما فيه سجنتا؟ وهذا من العجائب والغرائب يا إخوان، أن الإنسان يحب سجنه، أن الإنسان يحب سجنه. وهنا يشير إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». إذن نحن سجنا في هذه الدنيا، ومع هذا نحب هذا السجن، نحب هذا السجن، وهذا كما سبق أمر عجيب وحال غريب، أن يكون الشخص محبا لسجنه. وأراد الناظم رحمه الله تعالى هنا أن ينبه الغافل المستغرق في هذه الدنيا التي شغالته وأصبحت هي أكبر همه ومبلغ علمه، فأراد أن ينبهه على هذه المعاني حتى لا يفتن بهذه الدنيا ويغر بها، ويغر بها. والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن من أصبح والدنيا هي همه ما جزاؤه؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فرق الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته منها إلا ما كتب له». ماذا استفاد؟ ثم قال: «ومن أصبح والآخرة همه، جمع الله شمله». ذاك الأول مشتت يا إخوان من شدة الاشتغال، قد يخرج بلا نعال، قد ينسى عمامته، قد يضيع نظارته، قد لا يستلذ بطعامه أو نومه، قد لا يتفرغ للجلوس مع زوجته وأولاده. بخلاف الآخر، جمع الله شمله، وجمع، ومالت، جمع، ومالت يعني إخوان بما رزقه الله من القناعة، ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس، وكما قيل: إذا كنت ذا قلب قنوع فأنت ومالك الدنيا سواء، فأنت ومالك الدنيا سواء. قال: وجعل غناه في قلبه، وآتته الدنيا وهي راغمة، رغم أنفها يا إخوان. ولهذا شبه بعض العلماء الدنيا بالظل، كيف بالظل؟ انظر أنت إذا خرجت في الشمس، انظر إلى ظلك، هذا الظل يا إخوان، إن جريت خلفه ماذا يفعل؟ إن جريت خلفه ماذا يفعل؟ عندك يهرب، أحسنت. وإن أعطيته ظهرك ماذا يفعل يا أبا محمد؟ آه، يتبعك. وهكذا الدنيا، فأسأل المولى عز وجل أن لا يجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، وأن يجعل الجنة هي دارنا وقرارنا برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.