الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 28، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستهل الدرس بشرح أبيات المنظومة التي يعاتب فيها الناظم نفسه محذراً من الانتكاسة بعد الكبر، ويشبه حال من ينسى عيوبه بالمسير القهقرى. ويؤكد وجوب بدء المصلح بإصلاح نفسه قبل الانشغال بعيوب الناس.
يفصل المقطع الفرق بين الحساب اليسير الذي هو مجرد عرض وتجاوز، ومناقشة الحساب التي تؤدي إلى الهلاك، مستدلاً بأحاديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهما. ويبين أن النجاة تكون في اليسير لا في المناقشة الدقيقة.
يستعرض حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب مع زيادتهم بسبعين ألفاً مع كل ألف، ويوضح فضل الله في ستر الذنوب وغفرتها للمؤمنين. ويختم بالتأكيد على أن تجاوز السيئات من كرم الله الواسع.
يختتم المتحدث الدرس بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، ويختم بالحمد لله رب العالمين والإقرار بأن الله تعالى أعلم بالسرائر. وتكون هذه الخاتمة خاتمة للمجلس العلمي كله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي ضمن أبيات منظومة أبي إسحاق الإلبيري رحمه الله تعالى، مر معنا بيتان... من يقرأ؟ نعم، تفضل. أحسنت، وأحسنتم جميعاً. قال رحمه الله تعالى: "قال: رجعت القهقرى، وخبطت عشواء. لعمرك لو وصلت لما رجعت، ولو وافيت ربك يوم نشر، ونوقشت الحساب، ونوقشت الحساب، إذا هلكت". وهنا لا يزال الناظم رحمه الله تعالى وغفر له يعاتب نفسه على لسان ذلكم المنصوح، ذلكم الشاب الذي يكنى بأبي بكر، ويقول له بعد مناصحه وبعد عتاب: "لك الحق أنت أن تقول فيا، وأنا الذي أنصحك". ثم ذكر مجموعة من الأبيات التي ينصح فيها نفسه، وهذا إن دل على شيء دل على خلق عظيم لدى الناظم رحمه الله تعالى. وهكذا ينبغي على الناصح ألا ينسى نفسه، وألا تنسيه عيوب الآخرين عيوب نفسه. فكم من الناس ممن يخطبون ويدرسون ويعلمون، لربما يلقي النصائح للآخرين ولا يلقِ نفسه لها بالاً، ولا يرى أنه يخاطب بهذه النصائح. فهذه من المصائب العظام: أن الله عز وجل ينسي الشخص عيوب نفسه، ويجعله منشغلاً بالبحث عن مثالب وعيوب وسوءات الآخرين، كما سبق معنا في الدروس الماضية. وهنا يقول رحمه الله تعالى: "قال: رجعت القهقرى"، أي لقد مشيت القهقرى، والمقصود بالقهقرى هو الرجوع إلى الخلف، هو الرجوع إلى الخلف. يقال: فلان يمشي القهقرى، أي يرجع على عقبيه. "قال: رجعت القهقرى، وماذا قال؟ وخبطت عشواء". لعمرك لو وصلت لما رجعت، أي أنك تتصرف في الأمور على غير بينة، وهكذا بلا تمييز أو بصيرة. وخبطت في الأمور خبط عشواء. يقال للذكر: أعشى، وللمرأة: عشواء، والمقصود به: الذي لا يرى في الليل وإنما يرى في النهار، يقال له: أعشى. وقوله: "خبط عشواء"، هذا مثل، وأصله من خبط الناقة التي ضعف بصرها، التي ضعف بصرها. ويقال: هو يخبط خبط عشواء، أي أنه يخطئ ويصيب، وماذا... ليس عنده من التمييز ما عند العقلاء الآخرين. فمثله كالناقة التي بعينها سوء، بعينها خلل، فإذا خبطت بيدها، فإنها تخبط بلا تمييز، لا تدري أين تمشي، ولا ماذا تصيب في طريقها، ولا ماذا تصيب في طريقها. ولهذا أصبح هذا المثل يضرب لمن يمشي ويسير ويفعل ويرتكب، ولا يبالي أصواب أم خطأ ما فعل. يقال: فلان يخبط خبط عشواء. وهنا يريد أن يقول لنفسه على لسان ذلك المنصوح: "أي، ولو كنت بلغت منازل العبودية لله حقاً، لسرت دائماً إلى الأمام، لسرت بخطى وافقة، وخطى صحيحة، وما حدثت لك هذه الانتكاسة بعد هذا السن الكبير". يعني: الآن سنك قد كبر، وجسمك قد ضعف، وظهرك قد احدودب، وشعرك قد ابيض. وبعد أن كنت على خير، أصبحت على شر، وأصبحت بعيداً عن الطاعة والهداية. فمن كان في الشباب يفعل ذلك قد يعذر، قد يعذر. أما بعد هذا، فيأتي الحور بعد الكور، حور بعد كور، أي بعد خير كان عليه، أعقبه بانتكاسة، وأعقبه بفساد الحال. ثم قال: "ولو وافيت ربك يوم نشر، ونوقشت الحساب، إذن هلكت". أي: ولو نوقشت الحساب دون ذنب، ونوقشت الحساب، إذن هلكت. إذن هذا يكون من اختلاف النسخ: "ولو وافيت ربك دون ذنب، ونوقشت الحساب، إذن هلكت". يكتب: يعني في بعض النسخ "ولو وافيت ربك يوم نشر"، والمقصود بيوم نشر: أي يوم القيامة التي هي يوم البعث والحشر والنشر، ﴿ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ﴾. فهنا أراد أن يبين رحمه الله تعالى أن الشخص إذا لقي ربه عز وجل في ذلك اليوم العظيم، ونوقش الحساب، فإن ذلك يعتبر سبباً من أسباب الهلاك، لأن من نوقش الحساب هلك، لأن من نوقش الحساب هلك. وهذا يا إخوان معنى حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها في صحيح الإمام البخاري وغيره: قال عليها الصلاة والسلام: «من حوسب عذب، من حوسب عذب». قالت عائشة رضي الله عنها: أوليس الله يقول: ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس ذلك بالحساب، إنما ذلك العرض، ليس ذلك بالحساب، إنما ذلك العرض. ولكن من نوقش الحساب يهلك، ولكن من نوقش الحساب يهلك». وهكذا جاء في حديث عائشة رضي الله عنها في مسند أحمد وغيره، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في مشكاة المصابيح. قالت عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته: «اللهم حاسبني حساباً يسيراً، اللهم حاسبني حساباً يسيراً». قالت: قلت: يا نبي الله، ما الحساب اليسير؟ قال عليه الصلاة والسلام: «أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه». الحساب اليسير: أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه. «إنه من نوقش الحساب يومئذ يا عائشة هلك، إنه من نوقش الحساب يومئذ يا عائشة هلك». فالحساب ها هنا يراد به العرض. ومن الناس يا إخوان من يحاسبه الله حساباً يسيراً، فهذا كما في سورة الانشقاق: ﴿ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾. ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾. وهكذا من الناس من يدخل الجنة بعد أن يعذب، بعد أن يعذب ويذوق من شدتها وألمها، ثم بعد ذلك بسبب إسلامه وإيمانه وتوحيده يخرج من النار إلى الجنة. ومن الناس من يدخلهم ربنا عز وجل الجنة بلا حساب ولا عذاب، جعلنا الله جميعاً منهم، كما في حديث ابن عباس. وفيه قال عليه الصلاة والسلام: «ثم رفع لي سواد عظيم، فقيل لي: هؤلاء أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب». فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. قال: «أنت منهم». فقام رجل آخر فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ يا أبا عامر، ماذا قال عليه الصلاة والسلام لما قال الرجل الآخر: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم؟ فقال: «أصبحت بعد ذلك مثلاً يضرب: سبقك بها عكاشة». في بعضها بالتخفيف: عكاشة. وهكذا أيضاً جاء في حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه عند الإمام الترمذي، وصححه العلامة الألباني رحمه الله كما في السلسلة الصحيحة، وهكذا في كتابه "ظلال الجنة" في تخريج أحاديث السنة، أي "السنة" لابن أبي عاصم رحمة الله عليه. وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب، لا حساب عليهم ولا عذاب». هل وقف الأمر عند ذلك يا إخوان؟ الجواب: لا. قال: «مع كل ألف سبعون ألفاً، وثلاث حثيات من حثيات ربي، وثلاث حثيات من حثيات ربي». قال العلامة الألباني رحمه الله: قال: صحيح. هذا الحساب يا إخوان، لكن المناقشة يراد بها المبالغة، ويراد بها الاستقصاء، ويراد بها الاستيفاء، يراد بها المطالبة بالجليل والحقير، والحقير، وعدم المسامحة. والتقصير يا إخوان، التقصير من العباد هو الغالب عليهم، هو الغالب عليهم. وكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون. وكما سبق معنا قوله القائل: "واعلم بأنك إن طلبت مهذباً... نعم، واعلم بأنك إن طلبت مهذباً رمت الشطط"، أي طلبت الشيء البعيد، الشيء البعيد. "من ذا الذي ما ساء قط، ومن له الحسنى فقط؟ محمد الهادي الذي عليه جبريل هبط". هذه أبيات مرت معنا قريباً. فمن يذكر من صاحبها؟ من صاحبها؟ نعم، قلنا صاحب المقامات. من هو؟ رفعت. طيب، واحد. والثاني؟ نعم، أبو محمد. الثاني؟ ومن الثالث صاحب؟ نعم، عندك يا أبو محمد. أحسنت: الحريري صاحب المقامات. تنسب إليه هذه الأبيات. لكن يا إخوان، ربنا عز وجل من صفته العفو، ومن صفته المغفرة، فهو يغفر الذنوب جميعاً، وهو الغفور الرحيم سبحانه وتعالى. فكما سبق: من نوقش هلك، ومن لم يناقش فإنه ينجو من العذاب والهلاك. ومن فضل الله تعالى على خلقه وعبيده أن يوقفهم في ذلك اليوم على ذنوبهم: "فعلت كذا، وفعلت في يوم كذا كذا"، فيقر ويعترف العبد بهذه الذنوب، فيقول ربنا العفو الغفور: «آه، ماذا بعد أن يرى ذلكم العبد أنه قد هلك، أنه قد هلك؟ يقول ربنا عز وجل: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، وأنا أغفرها لك اليوم». قال: «ثم يُعطى كتاب حسناته بيمينه، ثم يُعطى كتاب حسناته بيمينه». قال: «وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين». وهذا الحديث أخرجه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. إذن: من نوقش الحساب فإنه يهلك. وأما مجرد الحساب، أي الحساب اليسير، فأن ينظر في هذه الكتب التي فيها من الخطايا ما فيها، ثم يتجاوز ربنا عز وجل عن هذا العبد. نسأل المولى تبارك وتعالى أن يتجاوز عن تقصيرنا وإساءتنا، وأن يدخلنا الجنة من غير حساب ولا عذاب. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.