الدرس في شرح فتح المجيد 39، ألقاها
يناقش المقطع تفسير الآيات القرآنية المتعلقة بالشرك والكفر ومغفرة الله، ويوضح أن الكفر لا يغفره الله، وأن الكفر أعم من الشرك.
يتناول المقطع تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الشرك الأصغر والرياء، ويشرح معنى الحديث الذي يصف الشرك بأنه أخفى من دبيب النمل.
يتناول المقطع تحذيرًا من الشرك في الألفاظ مثل قول "لولا فلان قتلني فلان" أو "ما شاء الله وشئت"، ويشرح أن إضافة النعمة إلى غير الله عز وجل قد يكون شركًا أصغر.
يشرح المقطع أقسام الشرك الأكبر والأصغر، ويبين أن الشرك الأصغر قد يكون بالألفاظ أو الاعتقادات، ويوضح خطر الشرك وأنه يدخل على الإنسان من حيث لا يشعر.
طيب هذا السؤال يقول فيه الأخ: هل يدخل في قول الله جل وعلا: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ الكفر؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾؟ فهل يدخل في قول الله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ الكفر؟ الجواب: لا، الجواب أن الكفر لا يغفره الله جل وعلا، وهذا لا خلاف فيه؛ في أن الله عز وجل لا يغفر الكفر بأنواعه، بل الكفر بأنواعه يكون صاحبه كافرا، يكون صاحبه كافرا. وإذا كان كافرا فإنه يكون خالدا مخلدا في نار جهنم، لا يغفر الله عز وجل لأصحاب الكفر كفرهم إن ماتوا عليه، إن ماتوا عليه. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾. فهؤلاء خالدون في نار جهنم، وهؤلاء هم شر البرية. واضح هذا جماعة؟ فالكفر ليس مستثنى من ذلك، الكفر ليس مستثنى من ذلك. بقي أهل الكتاب، هل يقال لأهل الكتاب بأنهم مشركون؟ لأن الله عز وجل قد أخبر أن اليهود قد اتخذوا إلها مع الله، وكذلك النصارى قد اتخذوا آلهة مع الله. قال الله جل وعلا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. فالجواب: أن هؤلاء أي أهل الكتاب يطلق عليهم بأنهم مشركون، ولكن كما يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: يطلق عليهم الشرك مقيدا، يقال فيهم بأنهم وقعوا في الشرك، ولكن مقيدا، بخلاف المشركين؛ فإنهم يطلق عليهم بأنهم مشركون، يطلق عليهم بأنهم ماذا؟ مشركون. وهذا القول من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في تحقيق لهذا المقام، في تحقيق لهذه المسألة الدقيقة، وهي: هل يقال في أهل الكتاب أنهم مشركون؟ فالجواب عند الإطلاق: لا يقال بأنهم مشركون، وعند التقييد: يقال بأنهم ماذا؟ وقعوا في الشرك، أشركوا في عيسى، النصارى أشركوا في عيسى، واليهود أشركوا في عزير. بل جاءت الأحاديث الواضحة البينة أنهم كانوا يتخذون قبور أنبياءهم مساجد، كما قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبياءهم وصالحيهم مساجد». وقال: «أولئك شر القوم، كان إذا مات فيهم الرجل الصالح، قال: بنوا على قبره مسجدا، بنوا على قبره مسجدا»، أي: صار مسجدا يعبد، صار مسجدا يزجد له، وصار يعبد ذلك المقبور. فهذا فيه إشارة ودلالة على أنهم وقعوا في الشرك، لكن هل يقال فيهم بأنهم مشركون؟ الجواب كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: يطلق عليهم الشرك مقيدا، ولا يطلق عليهم بأنهم ماذا؟ أنهم مشركون مطلقا. وهذا يدل عليه الكتاب؛ فإن الله جل وعلا قال -كما في الآية المذكورة-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾، الله عز وجل غاير، أطلق عليهم اسم الكفر، وغاير بين الكفر والكفر، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾، والمراد بأهل الكتاب: اليهود والنصارى، قالوا: ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾، فدل على أن اليهود والنصارى لا يوصفون بالشرك مطلقا، بوصف الشرك مطلقا، ولكنهم يصفون إذا وصفوا فيه، فيقال: قد وقعوا في الشرك، ووقع منهم الشرك. واضح هذا جماعة أم لا؟ فهذا خلاصة ما يقال في هذا المقام، والله أعلى وأعلم. طيب الأخ أيضا يقول: ما الفرق بين الشرك والكفر؟ العلماء يقولون: إن الكفر أعم؛ فالكفر يدخل فيه الشرك، ويدخل فيه غير الشرك؛ يدخل فيه من كذب الرسول، أو عاند عن الحق، ولم ينقذ لدين الله جل وعلا، أو يدخل فيه كذلك من استهزأ بدين الله عز وجل، أو طعن في دين الله جل وعلا، هذا كله يدخل في ماذا؟ في الكفر. والشرك يدخل كذلك في الكفر؛ فعلى هذا: الكفر يكون أعم، الكفر أعم من الشرك؛ فالشرك من الكفر، فالشرك يكون ماذا؟ من الكفر، والكفر أعم، والكفر أنواع وأبواب، الكفر أنواع وأبواب. وفي الآية كذلك المشار إليها إشارة إلى هذا المعنى؛ في الإشارة كذلك في الآية التي سبقت، وغيرها مما في معناها، يدل على هذا المعنى؛ فإن الله عز وجل قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾، فجعل الكفر يدخل فيه ماذا؟ كفر أهل الكتاب، وكذلك كفر ماذا؟ كفر المشركين؛ فالكفر أعم؛ يدخل فيه الكفر -كما سمعتم- كفر الاستكبار، وكفر العناد، وكفر الإباء، وكفر الاستهزاء، وكذلك عدم الإنقياد لدين الله وشرعه، وعدم اعتراف بدين الله وشرعه، هذا كله يدخل فيه ماذا؟ في الكفر. وكذلك تَرْكُ النبي أو دينه، أو تَرْكُ الرب سبحانه وتعالى، كل ذلك يدخل فيه ماذا؟ في الكفر؛ فالشرك من الكفر، والله أعلى وأعلم. طيب الخضر: من فعل الكفر -يعني- لا يكون الله عز وجل -يعني- من كان كافرا ليس من فعل الكفر، فرق بين إنسان مسلم وقع في الكفر، وبين كافر؛ كافر إنسان الكافر الذي كفر بالله جل وعلا، هل يدخل في قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾؟ الجواب: لا؛ لأن الكفار قد دلت الأدلة القاطعة من كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على كفر الكافر، وأنه خالد مخلد في نار جهنم، على أنه خالد مخلد في نار جهنم، والعياذ بالله. قال الشارح رحمه الله تعالى: وأخرج أبو يعلى وابن المنذر عن حذيفة بن اليمان، عن أبي بكر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشرك أخفى من دبيب النمل». قال أبو بكر: يا رسول الله، وهل الشرك إلا ما عبد من دون الله، أو ما دعي مع الله؟ قال: «تكلتك أمك، الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل». الحديث. وفيه: أن تقول: «أعطاني الله وفلان»، والند أن يقول الإنسان: «لولا فلان قتلني فلان». انتهى من الدر. قوله رحمه الله تعالى في هذا الحديث: أخرجه أبو يعلى وابن المنذر إلى غير ذلك. هذا الحديث رواه أبو يعلى وغيره من طريق ليس بن أبي سليم، ثم ليس بن أبي سليم اضطرب فيه رواية من طرق عن ليس بن أبي سليم؛ وليس بن أبي سليم اضطرب فيه؛ فتارة يرويه عن رجل عن حذيفة، عن أبي بكر، وتارة عن أبي محمد عن محمد، أو عن أبي محمد عن حذيفة، عن أبي بكر، وتارة أخرى عن أبي مجلز عن حذيفة، عن أبي بكر. وهذا اضطراب واضح، اضطراب من ليس بن أبي سليم؛ فإنه ضعيف، واختلط. وأحيانا يرويه عن معقل بن يسار، عن أبي بكر، عن معقل بن يسار، عن أبي بكر. وأحيانا يجعله من حديث حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأحيانا حذيفة، عن أبي بكر. فالحاصل: أن هذا، هذه الطريقة اضطرب فيها ليس بن أبي سليم، هو ضعيف. وليس بن أبي سليم ضعيف، لكن قد روي هذا الحديث من طرق أخرى؛ فرواه الإمام أحمد وغيره من حديث أبي موسى الأشعري. وكذلك حديث أبي موسى الأشعري صالح في الشواهد والمتابعات، صالح في الشواهد والمتابعات. وجاء كذلك بنحوه من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها. وجاء كذلك نحوه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه. وكذلك فيه ضعف؛ جاءت في رواية في بعض طرقه من طريق دراج عن أبي الهيثم، ورواية دراج عن أبي الهيثم مضطربة. وجاءت من طريق أخرى فيها ضعف أشد. وعلى كل: الحديث مجموع طرقه يرتقي إلى الحسن لغيره؛ الحديث مجموع طرقه يرتقي إلى الحسن لغيره. وكذلك حكم عليه العلامة الألباني رحمه الله تعالى؛ حكم عليه أنه حسن بغيره، أو لغيره -أي- بمجموع طرقه، بمجموع طرقه. وفي الحديث ومعنى الحديث: أن الشرك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل»، أي: أنه يتصل إلى الإنسان من حيث لا يشعر الإنسان؛ هل يسمع دبيب النمل؟ أجوى ماذا؟ لا يسمعه. فكذلك يتصل الرياء والشرك إلى قلب الإنسان من حيث لا يشعر. وأشهد منهم أن هذا مما خافه كذلك النبي مما يخافه الإنسان على نفسه؛ إذا كان أخفى علينا من دبيب النمل؛ إذا كان الشرك أخفى من دبيب النمل، فهذا يجعل الإنسان على حذر شديد وعظيم من هذا الشرك. وفي حديث أيضا إشارة وتأكيد للمعنى السابق؛ من أن الشرك يطلق ويراد به الشرك الأصغر. وهذا شاهد كذلك لحديث محمود بن لبيت: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر». وقد حكى جماعة من أئمة التفسير أنهم فسروا قول الله جل وعلا: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، قالوا: هذا في الرياء، أو قالوا: هذه الآية جاءت في الرياء -أي- في الشرك الأصغر، وفي الرياء؛ كما قال ذلك الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في جامعه. وكذلك الإمام ابن عبدالبر رحمه الله تعالى في التمهيد. والرياء مشتق من الرؤية، والمراد به: إظهار العبادة لقصد رؤية الناس؛ فيحمد صاحبها. هكذا عرف الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى الرياء؛ عرف الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى الرياء بقوله: الرياء مشتق من الرؤية، والمراد به: إظهار العبادة لقصد رؤية الناس؛ فيحمد، أو فيحمد فيحمد صاحبها؛ فيحمد صاحبها. وهذا -كما ترون- معنى الرياء؛ معنى الرياء: أن الإنسان ربما عمل العمل الصالح، ثم التفت إلى الناس، التفت إلى الناس، وهو في ماذا؟ في ذلك العمل؛ إما في ابتدائه، أو في أثنائه، أو بعد انتهائه. في ابتدائه: أن يرى الناس فيبدأ فيصنع، أو يقوم بعبادة من العبادات؛ فيقوم بعبادة من العبادات لأجل أن يحمد. ثم يظهر الخشوع، ويظهر كذلك ماذا؟ يظهر السكينة، وما شابه ذلك؛ يظهر هذا لأجل الناس. فرق أن يصلي الإنسان بخشوع، وهذا الخشوع يجعله لله جل وعلا. وبين أن يظهر الخشوع لأجل أن يراه الناس. فرق بين هذا وهذا؛ الأول عبادة، والثاني رياء، وهو نوع من الشرك. واضح جماعة؟ عمل الإنسان إذا خشع لله عز وجل، قام فصل لله عز وجل، وعظم ربه عز وجل؛ إن كان من أهل المحبة، عظم عظم في قلبه حب الله جل وعلا، والشوق إلى لقائه، والتلذذ بعبادة ربه جل وعلا؛ فحصل له نوع خشوع، فهذا محمود. أو يكون من أصحاب الخوف من الله جل وعلا؛ فيظهر لهم من معاني الجبروت، ومن معاني العظمة، ومن معاني كذلك القهر؛ ما يجعله خاشعا منكسرا بين يدي الله جل وعلا؛ فهذه كذلك عبادة من العبادات العظيمة: الخشوع لله جل وعلا. لكن هذا الإنسان إذا حصل منه ذلك الأمر، ثم أحب أن يعلم غيره بأنه قد حصل منه ذلك؛ إذا نظر إلى الغير، صار شركا ورياء؛ إذا نظر إلى الغير صار ماذا؟ شركا ورياء. وإذا كان ناظرا لله جل وعلا وحده، كان عبادة وإخلاصا؛ كان عبادة وإخلاصا. وهذا يدلنا على ماذا؟ على دقيق هذا الباب؛ على دقيق هذا الباب: أنه ربما شيء يسير يكون عبادة، وإذا صرف ذلك الشيء يسير صار ماذا؟ صار شركا. وهنا يصدق قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «ويظهر الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل»، أخفى من دبيب النمل؛ ربما الإنسان ما يشعر به، يقول: «أنا خاشع لله عز وجل»، وقد حصل له نوع التفات بقلبه إلى ماذا؟ إلى غير الله عز وجل؛ إلى غير الله عز وجل، فهو على خطر عظيم. ومن تأمل الحديث الذي رواه الإمام أحمد، وأصله في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أن أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه سئل عن حديث حفظه من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال: نعم، ثم جثا عن ركبتيه، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في هذا البيت، وليس بيني وبينه أحد. ثم خر أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه مغشيا عليه، ثم قام في الثانية، فقال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا البيت، وليس بيني وبينه أحد. ثم خر أبو هريرة مرة ثانية. ثم كذلك حصل منه مرة ثالثة رضي الله عنه وأرضاه. فلما أفاق في الثالثة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أول من تسعر بهم النار ثلاثة: قارئ للقرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل متصدق في سبيل الله»، أو قال: «ورجل متصدق». هؤلاء -كما ترون- أعمالهم أعظم الأعمال، وأجل الأعمال؛ الأول عالم يقرأ القرآن، ويعلم كتاب الله جل وعلا. والثاني: جاهد في سبيل الله حتى قتل -فيما يرى الناس-. والثالث: ينفق في أبواب الخير في سبيل الله -فيما يرى الناس-. ثم إذا بهم يوم القيامة يكونون أول من تسعر بهم النار؛ لماذا؟ لأن أعمالهم كانت مدخولة. لذا يقال لهم -ربنا جل وعلا- للأول، ثم الثاني، ثم الثالث: ما عملت؟ فيقول الأول: قرأت القرآن، وعلمته الناس لوجهك. فيقول له: كذبت، بل علمته ليقال: عالم. فقط. قيل. ثم يؤمر به إلى النار. ثم يقال للثاني كذلك، ثم يقال للثالث كذلك. فنسأل الله عز وجل السلامة، أسأل الله عز وجل السلامة. قال الشارح رحمه الله: قال المصنف رحمه الله تعالى. قوله أيضا: وفيه: أن تقول: «أعطاني الله وفلان»، أي: أن من الشرك أن يقول إنسان: «أعطاني الله وفلان»؛ لأن قوله: «أعطاني الله وفلان» مشعر بأن المعطي: الله وفلان. وهذا التعبير بهذا الأسلوب فيه نوع التفات، أو نسبة النعمة إلى غير الله جل وعلا؛ فيه نسبة النعمة والإعطاء إلى غير الله عز وجل. والمراد بالإعطاء هاهنا: الإعطاء المطلق؛ الإعطاء المطلق. أما الإعطاء المقيد فلا بأس؛ الإنسان أن يقول ماذا؟ «أعطاني زيد كتابا»، «أعطاني زيد أرضا»، «أعطاني زيد مالا»، هذا لا بأس. لكن أن يقول: «أعطاني الله مالا وزيد»، «أعطاني الله أرضا وزيد»، «أعطاني الله كتابا وزيد»، هذا التعبير فيه نوع ماذا؟ تشريك في ماذا؟ فيه إعطاء هذه النعمة، والعطاء المطلق إنما هو لمن؟ لله جل وعلا؛ العطاء المطلق إنما هو لله جل وعلا. واضح جماعة؟ فهذا كأنه يقول: هذا الكتاب من فضل الله وزيد، وهذا البيت من فضل الله وزيد، وهذا القلم من فضل الله وزيد. واضح جماعة؟ فهذا المعنى فيه هذا المعنى؛ قولوا: «أعطاني الله»، «وفلان»؛ فيه هذا المعنى؛ أي: أنه التشريك في اللفظ بين عطاء الله عز وجل، وعطاء غيره. وفي هذا إشارة إلى أن هذا نوع من الشرك من الشرك في الألفاظ؛ إلى أن هذا نوع من الشرك من شرك الألفاظ، وهو من الشرك الأصغر؛ وهو من الشرك الأصغر؛ لأنه شرك في اللفظ؛ لأنه شرك في اللغة. وقولهم: والند أن يقول الإنسان: «لولا فلان قتلني فلان»، «لولا فلان قتلني فلان». وهذا كذلك في إضافة النعمة إلى غير الله عز وجل؛ في إضافة النعمة إلى غير الله عز وجل؛ لذا كان هذا كذلك من الألفاظ الشركية من الألفاظ الشركية، وهي داخلة كذلك في الشرك الأصغر، وهي كذلك داخلة في الشرك الأصغر؛ لذا قال: جاء في الحديث: «الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل»؛ الإنسان قد يقول هذه العبارة ما فيها شيء: «لو لا فلان قتلني فلان»، «لو لا فلان قتلني فلان»، ما فيها شيء. لكن يقال: فيها شيء؛ فيها شيء؛ إذ أنك نسبت النعمة إلى غير الله. فرق أن تنسب هذا الأمر إلى فلان نسبة سبب؛ نسبة ماذا؟ سبب؛ أي: «لو لا فلان»، أي: بسبب فلان؛ لحصل أن قتلني فلان. واضح جماعة؟ ففرق بين أن تضاف النعمة إضافة مطلقة إلى غير الله عز وجل؛ فهذا من الشرك. وبين إضافة النعمة إلى غير الله عز وجل إضافة سبب؛ إضافة ماذا؟ إضافة سبب. واضح جماعة؟ إضافة السبب لا بأس بها؛ إضافة السبب لا بأس بها. كقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حينما قال له العباس عمه: «ما أغنيت عن عمك أبي طالب؟ وقد كان يحميك ويغضب لك». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار»، «لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». قال: علما؛ معناه: «لولا أنا»، أي: جعل «لولا» شفاعتي، وبسبب شفاعتي؛ لكان في ماذا؟ في الدرك الأسفل من النار. وسئة لهذا مزيد بإذن الله عز وجل في باب خاص. قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار». رواه البخاري. قال ابن القيم رحمه الله: هذا في البخاري. وجاء معناه في مسلم. كذلك الحديث: عبد الله مسعود. قال ابن القيم رحمه الله: أن الند: الشبيه، يقال: «فلان ند فلان»، و«ند يده» و«نديده»، يقال: «فلان ند فلان»، و«نديده»، أي: مثله وشبيهه. قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. كما ذكر رحمه الله تعالى: أن الند في اللغة يأتي بمعنى الشبيه والنظير -بمعنى الشبيه والنظير والمثيل- وبعض أهل العلم فرق بين هذه الألفاظ إذا اجتمعت؛ عند اجتماعها يفرق بينها بفروق؛ فيقال: الند: مساواة الشيء لغيره في الحقيقة والجوهر -في الحقيقة والجوهر-. والمساوي: مشابهة الشيء لغيره في الكمية -في الكمية-؛ يقال: «هذا يساوي هذا»، أي: في الكمية. والشبه: مشابهة الشيء لغيره في الهيئة. والمثل: مشابهة الشيء لغيره في جميع ذلك؛ سيأخذ ألفاظ هذا الباب؛ سيأخذ ألفاظ هذا الباب. لكن عند الإطلاق؛ عند الإطلاق: إذا أطلق الند يراد به الشبه، الشبيه والنظير والمثيل، وما شابه ذلك. وإذا أطلق الشبيه كذلك؛ فعند الإطلاق يكون بعضها بمعنى بعض. وعند اقتران بعضها ببعض يكون لكل واحد معنى يخصه؛ لكل واحد معنى يخصه. قوله: «من مات وهو يدعو لله ندا أن يجعل لله ندا في العبادة يدعوه ويسأله ويستغيث به دخل النار». قال العلامة ابن القيم رحمه الله: والشرك فاحذره؛ فشرك ظاهر ذا القسم ليس بقابل الغفران، وهو اتخاذ الند للرحمن؛ أي: كان من حجر، ومن إنسان؛ يدعوه أو يرجوه، ثم يخافه ويحبه كمحبة الديان. كما ذكر الشارح رحمه الله تعالى ها هنا مبينا مع الحديث: وهو أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل جنة»، أي: من جعل لله عز وجل مثيلا ونظيرا يدعوه ويتقرب إليه بأنواع عبادات؛ فإنه يكون بذلك مشركا شركا أكبر؛ يكون بذلك مشركا شركا أكبر. وهذا كما أشار الشيخ رحمه الله تعالى في الأبيات المذكورة عن العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: هو أن الشرك لا بد أن يكون صرف عبادة صرف عبادة لغير الله عز وجل. وقد تقدم معنى مرارا معنى العبادة: ما هو العبادة؟ ما هي العبادة؟ على تعريف شيخ الإسلام: قال: هو اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة؛ فمن صرف شيئا من هذه العبادة لغير الله عز وجل؛ فقد جعل غير الله عز وجل ندا لله. واضح جماعة؟ لا جعل غير الله عز وجل ندا لله في العبادة. وأيضا على تعريف العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: وهو أن العبادة مدارها على أمرين: غاية الحب، وغاية الخوف؛ وغاية الخوف؛ فكل عمل كان فيه هذا المعنى: فيه غاية الحب، وغاية الخوف؛ فهو عبادة؛ فهو ماذا؟ عبادة؛ فصرفه أو إخلاصه لله عز وجل: عبادة. وصرفه إلى غير الله عز وجل ماذا؟ شرك. واضح هذا جماعة؟ لذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى في آخره: قال: «يدعوه أو يرجوه، ثم يخافهم ويحبه كمحبة الديان». واضح جماعة؟ لا قال: «يدعوهم أو يرجوهم، ثم يخافهم ويحبه كمحبة الديان». فلابد فيه من غاية المحبة مع غاية ماذا؟ الخوف؛ فكل عمل كان فيه غاية المحبة مع غاية الخوف؛ فإذا كان لله عز وجل فهو عبادة. وإذا كان لغير الله عز وجل فهو شرك أكبر؛ فهو شرك أكبر مخرج من الملة؛ فهو شرك أكبر مخرج من الملة. قال: وأما اتخاذ الند فعلى قسمين؛ الأول: أنه يجعله لله شريكا في أنواع العبادة، أو بعضها -كما تقدم- وهو شرك أكبر. والثاني: ما كان من نوع الشرك الأصغر؛ كقول الرجل: «ما شاء الله وشئت»، «لولا الله وأنت». وكيسير الرياء؛ فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له رجل: «ما شاء الله وشئت»، قال: «أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده». رواه أحمد، وابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب المفرد، والنسائي، وابن ماجه. وقد تقدم حكمه في باب فضل التوحيد. الحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى وغيره. وبالنسبة للتقسيم كما ذكر رحمه الله تعالى: أن الند ينقسم إلى قسمين؛ وكما قال من أهل العلم: هو في الأكبر أكبر، وفي الأصغر أصغر. واضحة جماعة؟ لا اتخاذ الند في الأكبر أكبر، وفي الأصغر أصغر؛ أي: من جعل لله ندا في الشرك، أو في عبادة الله عز وجل؛ فهو ماذا؟ من الشرك الأكبر. وأما ما كان دون ذلك فهو من الشرك الأصغر؛ كما مثل رحمه الله تعالى بيسير الرياء. وقوله رحمه الله تعالى: «كيسير الرياء»، هذا تنبيه مهم، وتقييد جيد؛ إذ أن كثير الرياء قد يكون سببا لماذا؟ لأن يكون من الشرك الأكبر؛ كرياء المنافقين؛ رياء المنافقين كثير؛ رياء المنافقين ماذا؟ كثير، وهو من الشرك الأكبر. ففرق بين أن يكون الإنسان عمله كله رياء، أو أغلبه وأكثره رياء -كحال المنافقين-؛ فهذا من قسم الشرك الأكبر. وبين من يكون في عمله شيء من الرياء، أو يسير الرياء؛ فهذا من قبيل الشرك ماذا؟ الأصغر. لذا جاء مقيدا بقوله: «وكيسير الرياء». وقوله رحمه الله تعالى: «كيسير» هذه العبارة لم يأتي بها الشيخ رحمه الله تعالى عبثا، وإنما ذكرها رحمه الله تعالى مقيدة لهذا المعنى. وأيضا في قوله رحمه الله تعالى: «ما شاء الله وشئت»، «ما شاء الله وشئت». وفي هذا إشارة إلى أن الشرك الأصغر قد يكون بالألفاظ؛ كما أنه قد يكون بالاعتقادات؛ أن الشرك الأصغر قد يكون بالألفاظ؛ كما أنه قد يكون بالاعتقادات والنيات؛ فالشرك الأصغر يدخل في باب الإرادات والنيات، وكذلك يدخل في ماذا؟ في باب الألفاظ؛ كذلك يدخل في باب الألفاظ؛ في باب الاعتقادات والنيات -كيسير رياء- كما مثل الشيخ رحمه الله تعالى؛ هذا باب الإرادات والنيات. وقوله: «ما شاء الله وشئت»، هذا في الألفاظ؛ شرك أصغر في الألفاظ. هذا جماعة؟ وهذا يبين لنا خطر الشرك؛ وأنه يدخل على الإنسان من حيث يشعر، ومن حيث لا يشعر. قال: وطلب الشفاعة من الأموات؛ فإنها ملك لله تعالى، وبيده. قوله رحمه الله تعالى: بيان أن دعوة غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك جلي؛ أراد رحمه الله تعالى ها هنا بقول: شرك جلي؛ أي: شرك أكبر ظاهر؛ شرك أكبر ظاهر. وكما مر معنا: أن العلماء رحمهم الله تعالى؛ أو إن من العلماء رحمهم الله تعالى من يطلق الشرك الجلي، ويريد به الشرك الأكبر، ويريد به الشرك الأكبر. والشرك الخفي، ويريد به الشرك الأصغر. ومن أهل العلم من يطلق الشرك الجلي، ويدخل فيه القسمين؛ ويدخل فيه القسمين: الأكبر والأصغر؛ ويذكر الشرك الخفي، ويدخل فيه ماذا؟ القسمين: الأكبر والأصغر. فهذه صلاحيات لأهل العلم؛ فإذا رأينا الجلي ننظر: ما مقصود الإمام أو العالم المعين بقوله الجلي؟ هل أراد الأكبر؟ أو أراد الأصغر؟ أو أراد ماذا؟ واضح جماعة؟ هذه أو مثل هذه الأمور تجعلنا ننتبه، ونتفقه في معرفة ألفاظ العلماء. ومعرفة اصطلاحات العلماء، وأقوال العلماء من الأمور المهمة، وهي كذلك من العلوم المهمة الذي يمتاز بها أصحابها عن غيرهم؛ الإنسان -كما أنه يزداد علما- كلما زاد فقها في الألفاظ الشرعية من كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. كذلك يزداد فقها وعلما إذا علم مقاصد العلماء، وإطلاقات العلماء، وتقييدات العلماء، واصطلاحات العلماء؛ فإنه إذا علم ذلك: أنزل كلام العلماء منازلهم الصحيحة؛ أنزل كلام العلماء منازلهم الصحيحة. والعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى مبحثا طويلا ماتعا في كتاب إعلام الموقعين حول هذه المسألة؛ فليرجع إليها من أرادها. قال: وفيه بيان أن دعوت غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك جلي؛ فطلب الشفاعة من الأموات؛ فإنها ملك لله تعالى، وبيده، ليس بيد غيره منها شيء. وهو الذي يأذن للشفيع أن يشفع فيمن لاق الله -الذي يأذن للشفيع أن يشفع فيمن لاق لله- فيمن لاق الله بالإخلاص، وفيمن لاق الله بالتوحيد -من أهل الكبائر- كما يأتي تقريره في باب الشفاعة إن شاء الله تعالى. يعني: معنى هذا: أن الشفاعة ملكا لله؛ أن الشفاعة ملكا لله عز وجل، خاصة بالله عز وجل. ويجعلها الله عز وجل لأهل التوحيد؛ الشفاعة يجعلها الله عز وجل لأهل التوحيد، وإن كانوا عندهم كبائر -ما عندهم-. وأما من كان من أهل الإشراك الذين اتخذوا شفعاء مع الله، أو اتخذوا شفعاء عند الله عز وجل من المخلوقات؛ فصرفوا لهم العبادة لأجل أن يقربوهم إلى الله عز وجل؛ فهذه الشفاعة: شفاعة شركية. وأولئك الشفعاء: لا يظن عنهم من الله شيئا. والذين يدعون من دون الله، ويعبدون من دون الله: ما لا يضرهم، ولا ينفعهم. ويقولون: هؤلاء شفعاء عند الله. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فشفاعة -أو- طلبوا الشفاعة أولئك من آلهتهم: شفاعة شركية؛ لأن الشفاعة ملكا لله؛ لأن الشفاعة ملكا لله؛ فلا تطلب إلا من الله جل وعلا. وسأتي لهذا مزيد بإذن الله عز وجل في باب الشفاعة بإذن الله عز وجل. قال المصنف رحمه الله تعالى: وللنسائي، والدارمي، والبيهقي، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار». جابر هو ابن عبد الله ابن عمرو ابن حرام -بمهملتين- الأنصاري، ثم السلمي -بفتحتين- صحابي جليل، هو، وأبوه. ولأبيه مناقب -مناقب مشهورة- رضي الله عنهما. مات بالمدينة بعد السبعين، وقد كف بصره، وله أربع وتسعون سنة. جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه الأنصاري: من أفاضل الصحابة، وهو من المكثرين في الحديث؛ ممن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ألف حديث. وأبوه: عبد الله بن حرام استشهد يوم أحد. وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم جابرا بأن قال له: «إن الله عز وجل قد كلم أباك كفاحا»، أو كما قال؛ أي: كلمه مباشرة؛ كلمه مباشرة بدون واسطة؛ فهو من المبشرين بالجنة؛ أبوه من