الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 76، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع كيف استغل يوسف عليه السلام طلب الفتيين لتفسير الرؤيا كفرصة لدعوتهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، مبيناً أن علم التعبير نعمة من الله وأن المعبودات من دونه باطلة ضعيفة. ويؤكد الشيخ السعدي أن الدعوة لا تختص بمكان بل تكون في كل حال وموقف.
يفسر يوسف عليه السلام رؤيا صاحبيه فيخبر أحدهما بأنه سيسقي ربه خمراً والآخر سيصلب، ويطلب من الناجي ذكره عند سيده فينساه الشيطان فيلبث في السجن بضع سنين. ويبين المقطع وظيفة الداعية في البلاغ وإقامة الحجة دون يأس من النتيجة.
يقدر الله رؤيا الملك سبباً لخروج يوسف من السجن وارتفاع شأنه بعد أن مكث فيه سنوات طويلة، مظهراً تدبير الله وحكمته في تأخير الفرج. ويختتم المتحدث الحديث بالاكتفاء بما ذُكر وقوله "والله تعالى أعلم".
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال الشيخ العلامة المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله بتفسير قول الله عز وجل في قصة يوسف: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ [يوسف: 36-38] إلى آخر الآيات. قال: أي ولما دخل يوسف السجن كان في جملة من دخل معه السجن فتيان، أي شابان، فرأى كل واحد منهما رؤيا فقصها على يوسف ليعبرها، يعني يفسرها، ויوسف من الله عز وجل عليه بتفسير الرؤى. قال أحدهما: «إني أراني أعصر خمرا»، وقال الآخر: «إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا»، وذلك الخبز تأكل الطير منه، «نبئنا بتأويله» أي بتفسيره وما يؤول إليه أمرهما، وقولهما: «إنا نراك من المحسنين» أي من أهل الإحسان إلى الخلق، فأحسن إلينا في تعبيرك لرؤيانا. وقد رأوا من حسن معاملته ومن كذلك حسن أخلاقه وإحسانه إلى العباد، فقالوا له ذلك لما رأوا، لما لمسوا من جميل أخلاقه. قال: «لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما»، أي فلتطمئنا قلوبكما، فإني سأبادر إلى تعبير رؤياكما، فلا يأتيكما غذاءكما أو عشاءكما، أول ما يجي إليكما، إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما. وهذا معنى قوله: «إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما»، يعني ستعبر رؤياكما، ستعبر وهذا التعبير قريبا ليس ببعيد، فسيكون هذا التعبير، تعبير رؤياكما، قبل أن يأتي إليكما طعامكما. هذا معنى قوله، والمعنى أن تفسير الرؤيا منه سيكون قريبا غير بعيد. قال: ولعل يوسف قصد أن يدعوهما إلى الإيمان في هذه الحال التي بدت حاجتهما إليه ليكون أنجع لدعوته وأقبل لهما. يعني قد يقول قائل: لماذا ما بادر يوسف عليه السلام بتأويل رؤياهما تلآن؟ لما تسأل أحد المعبرين تقول له: رأيت رؤيا كذا وكذا، ما يقول لك: سأفكر وأمهلني، ومباشرة يعبر لك هذه الرؤيا، يقول لك: كذا وكذا وكذا. فيوسف عليه السلام ما بادرهما بتأويل هذه الرؤيا، لماذا؟ ذكر المفسرون، كما ذكر هنا الشيخ السعدي رحمه الله، أنه أخر تفسير الرؤيا حتى يدعوهما إلى الإيمان. فهم الآن بحاجة إلى التفسير، تفسير هذه الرؤيا، والمحتاج يكون أدعى إلى قبول نصح من احتاج إليه. نصح من احتاج إليه، وهذا من فقه الدعوة إلى الله عز وجل، أن الداعي إلى الله سبحانه وتعالى يتحين تهيئة نفوس المدعوين والمواطن والمواقف التي فيها يكونون أقرب وأدعى لقبول الحق والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. فهذا معنى قوله هاهنا: ولعل يوسف قصد أن يدعوهما إلى الإيمان في هذه الحالة التي بدت حاجتهما إليه، إلى من؟ إلى يوسف، ليكون أنجع لدعوته وأقبل لهما، سيقبلون عليه. ثم قال: «ذلكما مما علمني ربي»، أي التعبير الذي سأعبره لكم مما علمني ربي، أي هذا من علم الله علمني وأحسن إلي به، وهذا فيه كسر الكبر ونسبة النعم إلى غير الله. فهنا اعترف بهذه النعمة ونسبها إلى منعمها وهو الله سبحانه وتعالى، فقال: «ذلك مما علمني ربي»، لا بحولي ولا بقوتي ولا بفطنتي ولا بذكائي، وإنما هذا علم علمنيه ربي سبحانه وتعالى. قال: «وإني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون». قال: والترك كما يكون للداخل في شيء ثم ينتقل عنه، يقول لمن لم يدخل فيه أصلا، فلا يقال إن يوسف كان من قبل على غير ملة إبراهيم. يعني قوله: «تركت ملة قوم»، هل معناه كان في هذه الملة الكافرة ثم خرج منها؟ لا، لأنه ينزه النبي أن يكون كذلك، أن يكون كذلك. وإنما الترك كما أنه يطلق على من ترك شيئا كان فيه، كذلك يطلق على من لم يدخل فيه أصلا، على من لم يدخل فيه أصلا. فيقال مثلا: فلان تارك للظلم، هل معناه كان ظالما؟ لا، ليس معناه كان ظالما، وإنما معناه أنه ما دخل في الظلم أصلا، ما دخل في الظلم أصلا. وهكذا قس على ذلك. قال: «واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب»، ثم فسر تلك الملة بقوله: «ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء». كل هذا دعوة إلى الله عز وجل، ففي الحقيقة هذا المقطع أو هذه الجمل من هذه القصة يستفيد منها الداعي إلى الله عز وجل دروسا كثيرة وآدابا عظيمة يستفيد منها في دعوته إلى الله سبحانه وتعالى. فانظر كيف استغل يوسف هذا الموقف في الدعوة إلى الله عز وجل. وهذا فيه أن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ليس من شرطها أن تكون في المسجد، بل تكون في كل مكان، حتى وأنت في السجن. لو دخلت السجن، وليس دخول السجن من شرطه أن تكون مجرما أو أن تكون جانيا، فيوسف دخل السجن وهو بريء، فقد تدخل السجن وأنت بريء. نعم، وهكذا قد تتهم بشيء أنت بريء منه، فلا تترك الدعوة إلى الله عز وجل في أي حال وفي أي موضع: في دكانك، في سوقك، في دخولك، في خروجك، في جلوسك مع الناس، في سيارتك، في كذلك وظيفتك، في أي مكان بإمكانك أن تدعو إلى الله سبحانه وتعالى، وتستغل الأوقات المناسبة التي ترى أن التأثير على المدعوين أقرب وأدعى، أقرب وأدعى، كما فعل يوسف عليه السلام. قال: ثم فسر تلك الملة بقوله: «ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء»، أي ما ينبغي ولا يليق بنا أن نشرك بالله من شيء، بل نفرد الله بالتوحيد ونخلص له الدين والعبادة. فكان، أي هذان الغلامان، من الذين لم يكونوا على التوحيد، فدعاهم إلى توحيد الله سبحانه وتعالى. «ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس»، أي هذا من أفضل مننه وإحسانه وفضله علينا، فأفضل النعم عليك أخي المسلم أن توفق للإيمان والتوحيد والهداية والاستقامة، هذا من أفضل وأعظم نعم الله عز وجل عليك وعلى من هداه الله كما هدانا. وانظر إلى قوله: «ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس»، يقصد الناس جميع الناس، ومنهم هذان الفتيان، ومنهم هذان الفتيان، فهي دعوة واضحة صريحة لهذين الشابين. قال: فإنه لا أفضل من منة الله على العباد بالإسلام والدين القويم، فمن قبله وانقاد له فهو حظه، وقد حصل له أكبر النعم وأجل الفضائل، «ولكن أكثر الناس لا يشكرون». فلذلك تأتيهم المنة والإحسان فلا يقبلونها. انظر الآن إلى نسبة أهل الإيمان في أهل الكفر، وانظر إلى نسبة أهل الهداية والاستقامة إلى أهل العصيان وكذلك الفسق والفجور من أهل الإيمان، فتجد أن أهل الإيمان بالنسبة لأهل الكفر قليل جدا، وأهل الاستقامة بالنسبة لأهل الفسق والفجور والانحراف كذلك قلة. وهذا كما قال يوسف عليه السلام: «ولكن أكثر الناس لا يشكرون»، وكما في الآيات الأخرى: ﴿ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [الأنعام: 116]، فالعبرة ليست بالكثرة، وإنما العبرة بإصابة الحق وبالثبات عليه. قال: فلذلك تأتيهم المنة والإحسان فلا يقبلونها ولا يقومون لله بحقه. وفي هذا من الترغيب للطريق التي هو عليها ما لا يخفى، لكأنه يقول لهذين الغلامين: فعليكما بهذه الطريق، فهو دعوة صريحة منه عليه السلام لهذين الغلامين إلى الإيمان وإلى ملة التوحيد. قال: فإن الفتيين لما تقرر عنده أنهما رأياه بعين التعظيم والإجلال، وأنه محسن معلم، ذكر لهما أن هذه الحالة التي أنا عليها كلها من فضل الله وإحسانه، حيث من علي بترك الشرك وباتباع ملة آبائه، فبهذا وصلت إلى ما رأيتما. وهذا فيه أن الإيمان والعلم والهداية والاستقامة من أفضل ما يرتفع به العبد، فما وصل إلى هذه الأخلاق وهذه كذلك الأعمال التي فيها من نفع الخلق والإحسان إليهم إلا باستقامته وإيمانه وهدايته. قال: فينبغي لكما أن تسلك ما سلكت، كما صرح لهم بالدعوة فقال: ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ [يوسف: 39]. الآن صرح بالدعوة إلى التوحيد ودعاهما إلى إفراد الله عز وجل بالعبادة، فعرض عليهم هذا الأمر على صورة السؤال، وهذه طريقة ووسيلة من وسائل التعليم والدعوة إلى الله عز وجل، وهي وسيلة السؤال. فقال لهما: «يا صاحبي السجن»، وانظر إلى تعبيره: «يا صاحبي السجن»، نحن، كأنه يقول: نحن في هذا المأزق وفي هذه الشدة، وهي السجن. السجن هذا يعد من البلاء، من البلاء، تُعزل عن الناس وتتعطل أعمالك وحياتك، فتكون رهين الوحدة والسجن، فلا شك أن هذه شدة ومحنة. فذكرهم بهذه الشدة حتى يلجأ إلى الله عز وجل في تفريجها وفي رفعها عنهما. فقال: «يا صاحبي السجن، أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟» سؤال عظيم، يقول لهما فيه: أأرباب عاجزة ضعيفة لا تنفع ولا تضر ولا تعطي ولا تمنح، أو ولا تمنع، وهي متفرقة ما بين أشجار وأحجار وملائكة وأموات وغير ذلك؟ انظر المعبودات غير الله عز وجل متنوعة حتى في زماننا هذا: منهم من يعبد الشمس، منهم من يعبد القمر، منهم من يعبد الشجر، منهم من يعبد الحجر، منهم من يعبد الأضرحة، منهم من يعبد المشاهد، منهم من يعبد ويعبد، يعني معبودات متفرقة ومختلفة. فهل هذه المعبودات المتفرقة الضعيفة التي لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا تملك كذلك رزقا ولا عطاء ولا شيء من ذلك، خير أم الله الواحد القهار الذي بيده ملكوت كل شيء سبحانه وتعالى؟ فهذا معنى سؤاله. قال: وغير ذلك من أنواع المعبودات التي يتخذها المشركون، أتلك خير أم الله الذي له صفات الكمال، الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله؟ وختام الآية بهذين الاسمين فيه معنى عظيم، لأن الكلام مضمون معنى الآية الدعوة إلى توحيد الله عز وجل، فأتى باسم «الله الواحد» سبحانه وتعالى ليبين أن الإله ينبغي أن يكون واحدا لا شريك له، فما تعبدونه من تلك المعبودات المتفرقة فقد عبدتموها بباطل لأنها متنوعة ومختلفة وضعيفة، فيجب عليكم أن تعبدوا إلها واحدا متفردا في أسمائه وصفاته وأفعاله، فلا شريك له سبحانه وتعالى في شيء. وأما «القهار» فكذلك له ارتباط عظيم بمعنى الآية، فمعنى القهار: أي الذي انقادت الأشياء لقهره وسلطانه، فهذه التي تعبدونها من الأشجار والأحجار والقبور والأضرحة كلها تحت أمر الله وتحت كذلك تصرف الله سبحانه وتعالى، فكيف تعبدونها من دون الله وهي مربوبة وهي مخلوقة، كما قال الله عز وجل: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾ [الطور: 35]؟ فهذان الاسمان في نهاية هذه الآية لهما علاقة واضحة بينا بمعنى الآية. قال: الذي انقادت الأشياء لقهره وسلطانه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ثم قال: ﴿ مَا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ﴾ [هود: 56]، يعني ما من مخلوق يدب على وجه هذه المعمورة إلا وهو سبحانه وتعالى آخذ بناصيته، أي متصرف فيه، فكيف تعبدونه وهو مربوب وهو مخلوق وهو متصرف فيه؟ قال: ومن المعلوم أن من هذا شأنه ووصفه خير من الآلهة المتفرقة التي هي مجرد أسماء لا كمال لها ولا أفعال لديها. ولهذا قال: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم ﴾ [يوسف: 40]. كل هذه الآيات فيها دعوة إلى توحيد الله عز وجل، فيها دعوة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى. أي قوله: «ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم»، أي كسوتموها أسماء، يعني أعطيتموها أسماء وسميتموها آلهة، وهي لا شيء، فهي اسم على غير مسمى، فهي اسم على غير مسمى، ولا فيها من صفات الألوهية شيء. ﴿ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ﴾ [يوسف: 40]، بل أنزل الله السلطان بالنهي، السلطان عن العلم، ﴿ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن عِلْمٍ ﴾ [يوسف: 40]، فما هو علمكم أن هذه آلهة؟ ما هو برهانكم ودليلكم على أن هذه آلهة تعبد من دون الله؟ ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [البقرة: 111]. قال: لم يكن طريق ولا سبيل ولا دليل لها، لأن الحكم لله وحده، فهو الذي يأمر وينهى ويشرع الشرائع ويسن الأحكام، وهو الذي أمركم أن لا تعبدوا إلا إياه، ﴿ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ [يوسف: 40]، أي المستقيم الموصل إلى كل خير، وما سواه من الأديان فإنها غير مستقيمة بل معوجة، توصل إلى كل شر، ﴿ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 40]، أي حقائق الأشياء، وإلا فإن الفرق بين عبادة الله وحده لا شريك له وبين الشرك به أظهر الأشياء وأبينها، ولكن لعدم العلم من أكثر الناس بذلك حصل منهم ما حصل من الشرك. فيوسف عليه السلام دعا صاحبي السجن لعبادة الله وحده وإخلاص الدين له، فيحتمل أنهم استجابا وانقادا، لأن لم يأت ذكر في هذه الآيات في استجابة هذين الفتيين أو عدم استجابتهما. قال: فيحتمل أنهم استجابا وانقادا، فتمت عليهم النعمة، ويحتمل أنهم لم يزالا على شركهما، فقامت عليهم بذلك الحجة. وهذه هي وظيفة الداعي إلى الله عز وجل، وظيفة الداعي إلى الله عز وجل أن يلقي نصيحته وأن كذلك يبين للناس، ثم إن اهتدى الناس فالحمد لله قد تمت عليهم النعمة، وإن لم يستجيبوا فالحمد لله أيضا فقد قامت عليهم الحجة. ولذلك أصحاب القرية التي كانت حاضرة البحر، لما يعني اعتدى من اعتدى من أهل هذه القرية واستأثروا في اليوم الذي نهوا عن الصيد فيه، قامت الطائفة المنكرة لهم، وكذلك الطائفة الناصحة، فنهتهم عن ذلك، فجاءت طائفة ثالثة، ماذا قالت لهم؟ «تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا» [الأعراف: 164]، فقالت لهم الطائفة الناصحة الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر: «مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» [الأعراف: 164]. يعني أن الداعي إلى الله عز وجل إنما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر معجل هداية الناس، لعلهم يتوبون، لعلهم يستجيبون، لعلهم ينقادون، لعلهم يتعظون، وإلا فهو معذر إلى الله، نعذر أمام الله عز وجل، فتقام الحجة على هؤلاء الظالمين، على هؤلاء الظالمين. فلا ينبغي للداعي إلى الله عز وجل أن ييأس من الدعوة إلى الله عز وجل مهما وجد في مجتمعه من الظلم والتعدي والمعاصي والبعد عن الجادة، لا ييأس، هو عليه الدعوة إلى الله عز وجل، هو عليه البيان، والتوفيق، وكذلك التوفيق من الله سبحانه وتعالى. فقامت عليهما بذلك الحجة. ثم إنه عليه السلام شرع يعبر رؤيا، يعبر رؤياهما، بعدما وعدهما ذلك. انظر استغل الموقف، أولا ما مباشرة فسر لهم الرؤيا، وإنما همه الأكبر ومقصده الأعظم أن يدعو هؤلاء إلى التوحيد وإلى عبادة الله عز وجل وحده. بعد ما دعاهما إلى الله، وفي بوعده، وهو أنه سيعبر لهم هذه الرؤيا. فقال: ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ [يوسف: 41]. قال: أي تسألان عن تعبيره وتفسيره. «وقال للذي ظن أنه ناجم منهما: اذكرني عند ربك، فأنساه الشيطان ذكر ربه، فلبث في السجن بضع سنين». أي وقال يوسف عليه السلام للذي ظن أنه ناج منهما، قال بعض أهل العلم: الظن هنا بمعنى اليقين، لأنه فسر الرؤية وهو متيقن بأن هذا الأمر سيقع لهما، وأن أحدهما سيخرج من السجن، سيخرج من السجن. قال: وهو الذي رأى أنه يعصر خمر، «اذكرني عند ربك»، أي اذكر له شأني وقصتي، لعله يطلقني. ومراد بربك أي سيدك، المراد بربك أي سيدك، يعني إذا خرجت من السجن والتقيت بسيدك، اذكر له شأني، لعله يرق، فيصدر الأمر بإخراجي. هذا معنى كلام يوسف عليه السلام: «اذكرني عند ربك». «فأنساه الشيطان ذكر ربه»، أي فأنسى الشيطان ذلك الناجي ذكر الله تعالى، وذكر ما يقرب إليه، ومن جمل ذلك نسيانه ذكر يوسف. وهذا فيه أن من مكر الشيطان وتلاعب الشيطان بالإنسان أنه ينسيه الخير، ينسيه الخير. قال: وذلك، قال: وذكر ما يقرب إليه، ومن جمل ذلك نسيانه ذكر يوسف، الذي يستحق أن يجازى بأتم الإحسان، وذلك ليتم الله أمره وقضاءه. «فلبث في السجن بضع سنين»، البضع هو ما بين الثلاث إلى التسعة. قال: والبضع من الثلاث إلى التسعة، فالمهم أنه أكثر من ثلاث سنوات وهو في السجن، فقد تكون أربع، خمس، ست، سبع، ثمان، تسع، الله أعلم. فالقرآن ذكر البضع، والبضع في اللغة ما بين الثلاث إلى التسعة. قال: لهذا قيل إنه لبث سبع سنين، لأنها من البضع، وهذا كلها أقوال ليست عليها دليل يعني قاطع من السنة. ولما أراد الله أن يتم أمره ويأذن بإخراج يوسف من السجن، قدر لذلك سببا، والله عز وجل إذا أراد شيئا هيأ أسبابه، إذا أراد شيئا هيأ أسبابه. لما نسي ذلك الفتى الذي خرج من السجن، الله عز وجل جعل سببا آخر يذكر هذا الفتى يوسف، فيذكره لسيده، فيذكره لسيده، فقدر لذلك سببا لإخراج يوسف، ارتفاع شأنه وإعلاء قدره، وهو رؤيا الملك. وما هي رؤيا الملك؟ هذا ما سنعرفه إن شاء الله في الدرس القادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.