التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 77

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 77

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 77، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير رؤية الملك في سورة يوسف وعجز الملأ عن تأويلها وأنواع الرؤيا

يشرح المقطع رؤية الملك للسبع بقرات والسنبلات وعجز علماء بلده عن تفسيرها، مبيناً أن الله هيأ هذه الرؤية سبباً لإخراج يوسف من السجن ورفعته. كما يفصل في أنواع الرؤيا الثلاث: رؤيا من الرحمن، ورؤيا من الشيطان، وأضغاث أحلام من حديث النفس، وحكم كل نوع.

أدب تأويل الرؤيا ولطف الله بيوسف في قصة الملك

يبيّن المقطع خطأ من يفسر الرؤى بغير علم ويشبه ذلك بالفتوى، ويوضح أن لطف الله بيوسف اقتضى عجز علماء الملك عن تأويل رؤياه ليعلو قدر يوسف عند تأويله لها. يستشهد المقطع بتفضيل آدم على الملائكة بالعلم وتفضيل النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالشفاعة العظمى.

تذكر الساقي ليوسف وتفسيره لرؤيا الملك وتدبير سنوات الخصب والجدب

يتناول المقطع تذكر الساقي ليوسف بعد مدة طويلة لتفسير رؤيا الملك، حيث يفسر يوسف السبع البقرات السمان والسنبلات الخضر بسبع سنوات خصبة، والسبع العجاف واليابسات بسبع سنوات مجدبة. يأمرهم بالاقتصاد في الأكل وتخزين المحصول في سنبله خلال سنوات الخصب استعداداً لسنوات القحط، مبيناً حكمة التدبير الاقتصادي والسياسة الشرعية في إدارة الموارد.

استنباط يوسف لعام الخصب بعد السبع الشداد واستدعاء الملك له

يوضح المقطع كيف استنبط النبي يوسف عليه السلام من رؤيا الملك وجود عام خصب يلي السبع الشداد، مستدلاً بتوقف عدد السنين المجدبة عند سبع مما يدل على انفراج الأزمة. وقد أعجب الملك والناس بتأويله وفرحوا به، فاستدعى الملك يوسف ليظهر فضله وعلمه.

  • 22 جمادى الأولى 1445هـ - 04/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: تفسير قول الله عز وجل في قصة نبي الله يوسف عليه السلام: ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾. قال: لما أراد الله تعالى أن يخرج يوسف من السجن، أرى الله الملك هذه الرؤية العجيبة، وكما تقدم: إن الله إذا أراد شيئاً هيأ أسبابه، هيأ أسبابه. فمن أسباب رفعة وعز يوسف عليه السلام أن الله عز وجل أرى الملك هذه الرؤية العجيبة التي تأويلها يتناول جميع الأمة، يعني تفسيرها لا يختص بالملك وحده، بل لها تعلق بالناس جميعاً؛ لأنها تتعلق بتدبير معاشهم وأقواتهم وأرزاقهم. قال: ليكون تأويلها على يد يوسف، فالله هو الذي علمه التأويل والعلم والحكمة. قال: فيظهر من فضله، ويبين من علمه ما يكون له رفعة في الدارين، ويتميز على غيره، ويعرف قدره ومنزلته، ويتبين غزارة علمه وفهمه. قال: ومن التقديرات المناسبة أن الملك الذي ترجع إليه أمور الرعية هو الذي رآها، حتى يعتنى بها. لو رآها أحد أفراد المجتمع الذي لا يؤبه له، فلربما لا يعتنى بتفسيرها، ولا يحرص على البحث عن تأويلها. فمن تيسير الله عز وجل، ومن تهيئة الأسباب لخروج يوسف من السجن ورفعته في الدارين، أن الذي رأى هذه الرؤية هو الملك، هو الملك؛ لارتباط مصالحها به. وذلك أنه رأى رؤية هالته، أي أفزعته، فخاف من هذه الرؤية، فجمع لها علماء قومه وذوي الرأي منهم، يعني من يعلم أنه لربما فسر له هذه الرؤية. وما من مجتمع، وما من ملك إلا وله علماء، وله كذلك عقلاء يستشيرهم ويرجع إليهم، وكذلك يأخذ من علمهم ونحو ذلك. فهذا الملك جمع علماء قومه وذوي الرأي منهم، ووصف لهم ما رأى في منامه، فقال: ﴿ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ ﴾، أي سبعاً من البقرات عجاف، وهذا من العجب. يعني العجاف: الهزيلات، الأبقار الضعيفات، يأكلن السمينات. المفروض يكون العكس، صح؟ لأن السمينة تكون أقوى وتكون أقدر على ذلك. لكن الرؤية جاءت بالعكس: البقرات العجاف تأكل البقرات السمان، تأكل البقرات السمان. فهذا معنى قوله: ﴿ سَبْعٌ عِجَافٌ ﴾، أي سبعاً من البقرات عجاف، وهذا من العجب: أن السبع العجاف الهزيلات التي سقطت قوتهن يأكلن السبع السمان التي كنّ نهاية في القوة. نعم. قال: ﴿ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ﴾، يعني سبع سنبلات غاية في الاخضرار، وفي الثمار، وفي كذلك قوة السوق، يعني قوة ساقها وشدة نباتها. ومع هذا هناك سبع سنبلات عجاف، أو سبع سنبلات يعني يابسات، ما فيها خضرار، وما فيها قوة، وما فيها جمال، وما فيها ثمار، ولا شيء. هذه السبع العجاف السنبلات تأكلن، أو السبع يعني اليابسات السنبلات تأكلن السبع السنبلات الخضر. فهذا أيضاً مما فيه العجب. ثم قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ ﴾. من اجتمع بهم قال لهم: ﴿ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ ﴾. قال: لأن تعبير الجميع واحد، وتأويلهن شيء واحد. يعني لماذا قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ ﴾؟ لأنهم ربما يتشاورون، وربما يضم بعضهم رأيه إلى بعض، فهم جماعة، فعبر بجميعهم، أو فذكر الجميع لأن تعبير الجميع تعبير واحد، وتأويلهن أيضاً تأويل واحد. ﴿ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾، يعني إن كنتم قادرين، إن كنتم قادرين على تأويل هذه الرؤيا، فعبروها لي، عبروا لي هذه الرؤيا. قال: فتحيروا، ولم يعرفوا لها وجهاً. ما استطاع هؤلاء العلماء وذوو الرأي أن يفسروا، أن يفسروا هذه الرؤيا. تحيروا فيها: كيف يفسرونها؟ نعم. ﴿ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ﴾، أي أحلام لا حاصل لها ولا تأويل. قال: وهذا جزم منهم بما لا يعلمون. هي لها تأويل، لكن لماذا قالوا: أضغاث أحلام؟ لأنهم عاجزون، لأنهم عاجزون عن تأويلها، فقالوا: أضغاث أحلام. فهم جزموا بما لا يعلمون، وتعذروا، وتعذر منهم بما ليس بعذر. ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ﴾، أي لا نعبر إلا الرؤيا، وأما الأحلام التي هي من الشيطان أو من حديث النفس، فإننا لا نعبرها. وجاء حديث صحيح، العلامة الألباني: أن الرؤيا ثلاث، أن الرؤيا ثلاث: رؤيا من الرحمن، ورؤيا من الشيطان، ورؤيا أضغاث أحلام، ورؤيا أضغاث أحلام. فذكروا أن الرؤيا التي من الشيطان هي المزعجة التي يكرهها رائيها، ورأى أنه سقط من مكان عالٍ، يعني التي تفزع، التي تفزع. هذا تسمى من ماذا؟ من الشيطان. ولذلك جاء النهي عن التحدث بها. لا يجوز أن يتحدث بها الإنسان، يقول: رأيت أنني أسقط من جبل، أو رأيت أن أسداً أكلني، أو رأيت أنني عملت حادثاً، أو نحو ذلك. لا، لا يحدث بهذا. جاء النهي عن ذلك. والسنة: إذا رأى العبد ذلك فأفزعه، فقام من نومه، أن ينفث في هذا المكان الذي رأى وهو نائم عليه، شق الأيمن. رأى هذه الرؤية، ينفث ثلاثاً، يتعوذ من الشيطان، وينتقل إلى الجهة الأخرى، ينتقل إلى الجهة الأخرى. هذه رؤية من الشيطان. ورؤية من الرحمن: الرؤية الطيبة، أو الرؤية التي فيها من التنبيه لهذا الرائي لها والخير له. رؤية طيبة، رؤية طيبة. فهذه يتحدث بها، لا بأس أن يتحدث بها، كي تؤول له. فالرؤيا يستأنس بها، يستأنس بها. نعم. وأما الرؤيا الثالثة، وهي أضغاث الأحلام، التي هي من حديث النفس، من حديث النفس. ومعنى حديث النفس: يعني كان الشخص قبل نومه منشغلاً بأمر ما، مثلاً بسفر، أو بفرح بزواج، أو بتجارة، أو بمال، أو نحو ذلك. فما كانت تحدثه نفسه به قبل النوم، يراه في النوم. هذا يسمى حديث النفس، يسمى حديث النفس. فهذا يعني لا تعبر؛ لأنها إنما رآها الشخص لتعلقه بها، لتعلقه بها. نعم. إنسان مثلاً ماتت أمه، فهو يتعلق بهذه الأم ودائما يذكرها، فيراها في المنام. هذا من حديث النفس، نفسه حدثته بذلك، نفسه حدثته بذلك. يريد أن يذهب عمرة أول مرة، يذهب عمرة، فنام، فإذا به يرى الحرم، ويرى ما شاء الله أن الناس طوفون. هذا حديث النفس، كان يحدث نفسه ويتخيل هذه المناظر، فرآها في نومه. هذا يسمى حديث النفس. فهؤلاء قالوا: هذا أضغاث أحلام، يعني إما أنها من الشيطان، أو أنها حديث نفس، أو نحو ذلك، فإننا لا نعبرها. فجمعوا بين الجهل والجزم بأنها أضغاث أحلام. الأضغاث هي الأخلاط، الشيء الذي يختلط على الإنسان. قالوا: والإعجاب بالنفس. يعني جمعوا بين الجهل والجزم بأنها أضغاث أحلام، والإعجاب بالنفس؛ لأنهم أفتوا، ما قالوا: الله أعلم، ما تبين لنا شيء، ما رد الأمر إلى عالمه، وإنما دخلوا في هذا الأمر. وكما تقدم: جزموا بما لا يعلمون، وتعذروا بما ليس بعذر، بما ليس بعذر، بقولهم: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ﴾. بحيث أنهم لم يقولوا: لا نعلم تأويلها. قالوا: هذا من الأمور التي لا تنبغي لأهل الدين والحجا، الحجا يعني العقول. ولذلك ذكر أهل العلم أنه من الإثم أن يؤول الشخص الرؤيا وهو لا علم عنده بها. يأتي إنسان يقول لك: والله رأيت كذا وكذا، تقول له: هذا تفسيرها كذا، وأنت ما عندك علم. هذا لا يجوز. هذا مثل الفتوى. ذكر بعض أهل العلم أن تأويل الرؤيا مثل الفتوى، ما يعني يؤولها إلا من عنده علم. ولذلك هناك أشخاص عرفوا بتأويل الرؤيا، عرفوا لما حباهم الله عز وجل من هذا العلم، من هذا العلم، سواء كان باطلاعهم، أو بإيمانهم، وكذلك بممارستهم، أو قراءتهم في تفسير الرؤيا، أو نحو ذلك. المهم: بعض الناس أعطاهم الله، أعطاهم الله عز وجل هذه الموهبة، أو هذا العلم، وهو علم تفسير الرؤيا. فلا ينبغي للعب... لكن مثلاً لو إنسان رأى شيء طيب، مثلاً رأى مثلاً أباه في منظر حسن، يعني قد مات أبوه، رآه مثلاً يضحك، رآه مثلاً يعني يبتسم، رآه مثلاً عليه مثلاً نور، ومحل مثلاً بذهب، أو بحلي، أو نحو ذلك. هذا في الجملة: الرؤية رؤية خير، الرؤية رؤية خير. فيقول له: هذا ظاهرها الخير. لكن لا يتعمق في تفسيرها، ويقول: أبوك في جنة، أو أبوك كذا. لا، لا يتعمق، وإنما يقول: هذا تدل على خير إن شاء الله، هذه الرؤية بشارة إن شاء الله طيبة، لأن ظاهرها كذلك، لأن ظاهرها كذلك. فانظروا إلى المؤلف هنا ماذا يقول: يقول: وهذا من الأمور التي لا تنبغي لأهل... أو لا... نعم، تنبغي لأهل الدين والحجا. وهذا أيضاً من لطف الله بيوسف عليه السلام. الله عز وجل مع عباده المؤمنين المتقين المحسنين، فلا يزال، أو لا تزال الأسباب التي بها رفع يوسف تتكرر وتظهر في قصته من أولها إلى آخرها. فمن لطف الله عز وجل بيوسف أنهم ما استطاعوا تأويل هذه الرؤية. قال: فإنه لو عبرها ابتداء، قبل أن يعرضها على الملأ من قومه وعلمائهم، فيعجزوا عنها، لم يكن لها ذلك الموقع. ولكن لما عرضها عليهم، فعجزوا عن الجواب، وكان الملك مهتماً لها غاية، فعبرها، عبرها يوسف، وقعت عندهم موقعاً عظيماً. يعني لو مثلاً هذه الرؤية، أول ما رآها الملك، فسرها يوسف مباشرة، دون أن يجمع لها غيره، فما يكون لها ذاك الوقع. لكن لما جمع العلماء جميعاً، وعجزوا عن تأويلها، فهو الآن متشوق لمعرفة تأويلها. فمن يؤولها له تأويلاً صحيحاً، لا شك أنه سيكون له منزل عند الملك، سيكون له ماذا؟ منزل عند الملك. وهذا لها نظائر، ذكر المؤلف شيئاً من ذلك. قال: وهذا نظير إظهار الله فضل آدم على الملائكة بالعلم. يعني لو مثلاً الله عز وجل مباشرة علم آدم أسماء كل شيء، وأتى به عند الملائكة، وقال لآدم: أنبئهم بهذه الأسماء، ما سيكون له ذاك الوقع. مثل ما ذكر الله عز وجل أنه أولاً عرض هذه الأسماء على الملائكة، مثل: أتى بأشجار، أتى بأنهار، أتى بجبال، أتى بأسماء ما يعرفون. قال: إيش هذا للملائكة؟ قالوا: فكروا. قالوا: الله ما نعلم، لا علم لنا إلا ما علمتنا. فأتى بآدم، فسأل، فأجاب. إذن ظهر هنا ماذا؟ فضل آدم، وأنه علم شيئاً لم تعلمه الملائكة، لم تعلمه الملائكة. فهنا ظهرت منزلة آدم، وفضل آدم، ورفعة آدم على الملائكة، على الملائكة. فهذا نظيره. هذا نظيره مثل: مثل الآن نحن في هذا المجلس، سألت سؤالاً، هذا ما عرف، وهذا ما عرف، وهذا ما عرف، ثلاثون واحداً منكم ما عرف الجواب، أو كلكم ما عرف الجواب، فواحد رفع يده فأجاب. هذا الذي أجاب، آخر شيء، سيكون له منزلة. صح؟ سيعرف الطلاب أن هذا ما شاء الله عنده علم، وأنه ما شاء الله أفضل. يعني واحد في الجالسين، لأنه أجاب على هذا السؤال الصعب الذي ما أجاب عليه أحد من الجالسين. صح؟ فإذن هذا خلاف ما يسأل الشيخ مباشر، فلان يجاوب، دون أن يسبقه أحد، ولم يعرف الجواب. فعمتم هذا الآن. فهذا معنى قول المؤلف ها هنا: فإنه لو عبرها ابتداء، قبل أن يعرضها على الملأ من قومه وعلمائهم، فيعجزوا عنها، لم يكن لها ذلك الوقع، أو الموقع. وكذلك مثل ما وقع لآدم. قال: وهذا نظير إظهار الله فضل آدم على الملائكة بالعلم، بعد أن سألهم فلم يعلموا، ثم سأل آدم فعلمهم أسماء كل شيء، فحصل بذلك زيادة فضله. وكما يظهر فضل أفضل خلقه محمد، هذا مثال آخر. وكما يظهر فضل أفضل خلقه محمد صلى الله عليه وسلم في القيامة، أن يلهم الله الخلق أن يتشفعوا بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فيعتذرون عنها. انظر في الشفاعة الكبرى: يأتي الناس إلى هؤلاء الأنبياء والرسل الذين هم من أولي العزم من الرسل، فالكل يعتذر، الكل ما يستطيع أن يشفع لهم، وهم في عرصات عظيمة. فبعد هؤلاء الرسل، يأتون إلى من؟ يأتون إلى نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيقول: أنا لها، أنا لها، فيشفع في جميع الخلق، وينال ذلك المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون. فلو أن الناس في أول الأمر ذهبوا إلى نبينا محمد، وشفع لهم، هل ستكون له تلك المنزلة؟ أنبياء، يعني كرماً، أنبياء من أولي العزم من الرسل ما استطاعوا لهذا المقام العظيم، ووفق له نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فهذا هنا ظهرت منزلة وأفضلية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على بقية الرسل. فهمتم هذا الآن؟ فهذا أيضاً مثال آخر ذكره المؤلف رحمه الله. قال: فسبحان من خفيت ألطافه، ودقت في إيصاله البر والإحسان إلى خواص أصفيائه وأوليائه. قال: ﴿ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا ﴾، أي من الفتيين، وهو الذي رأى أنه يعصر خمراً، كما مر معنا: أن أحد الفتيين سيخرج من السجن، وسيخدم الملك، وسيكون ممن يسقي الخمر عند الملك. لكنه نسي، ذلك الفتى ما يعني ذكره له يوسف، أن يذكره عند الملك، عند ربه. ﴿ قَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾، عندما رأى المسألة فيها تأويل رؤية، تذكر أنه كان في السجن، وهناك يعني فتى، أو هناك رجل يفسر الرؤى، وعنده علم بهذا الباب. تذكر، ﴿ وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾، أي تذكر يوسف بعد زمن، يعني مضى زمن طويل. فلما جاءت رؤية الملك، وكان هذا المقام يحتاج إلى تأويل، تذكر يوسف، تذكر يوسف وما جرى له في تعبيره لرؤياهما، وما وصاه به، وعلم أنه كفيل بتعبير هذه الرؤية. بعد مدة من السنين، يعني علم هذا الفتى أن يوسف عنده قدرة، وعنده علم بتأويل مثل هذه الرؤية. ﴿ قَالَ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ﴾، أي أرسلوا إلى يوسف، أرسلوا إلى يوسف لأسأله عنها. ﴿ فَأَرْسَلُونَ ﴾، أي أرسلوا، أرسلوا هذا الفتى إلى يوسف، إلى السجن. فجاء إليه، ولم يعنفه يوسف على نسيانه. فلاستمع ما يسأله عنه، وأجابه عن ذلك. ما قال له: كم سنين وأنا جالس في السجن، ما ذكرت إلا الآن؟ إيش من فتى أنت؟ أنت يعني ما عندك معروف، أنا فسرت لك الرؤية، وما ذكرتني، وما كذا. ما نهره، ولا زجره، ولا كذلك أدبه، ولم يعنفه، وإنما استمع له وأجابه. وهذا من حسن أخلاق الأنبياء، من حسن أخلاق الأنبياء: عندهم حلم، وعندهم صبر، وعندهم أدب، وعندهم خلق. رضي الله عنهم، صلوات الله وسلامه عليهم. ﴿ قَالَ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ ﴾، أي كثير الصدق في أقواله وأفعاله. ﴿ يُوسُفُ ﴾ هنا منادى، وحرف النداء محذوف، يعني: يا يوسف. نعم. ﴿ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾. ذكر له الرؤية التي رآها الملك. قال: فإنهم متشوفون لتعبيره، يعني متشوقون، يريدون تعبير هذه الرؤية، متشوقون لعدة أسباب: السبب الأول أن رائي هذه الرؤية هو الملك، ملك البلاد والأمر، والأمر الآخر أنه ما استطاع أحد أن يعبرها ممن يعبر الرؤيا، ما استطاع أحد أن يعبرها. قال: وقد أهمتهم. فعبر يوسف: السبع البقرات السمان، والسبع السنبلات الخضر، بأنهن سبع سنين مخصبات، مخصبات، بمعنى فيها من الأمطار، وفيها من السيول، وفيها من اخضرار الأشجار، ونبت كذلك النبات، وطلوع الثمار. سنين خصبة. سبع سنين. فسرها بذلك. والسبع البقرات العجاف، والسبع السنبلات اليابسات، بأنهن سنين مجدبات. يعني أول شيء يأتي على البلاد سبع سنين مخصبات، الناس يعني يعيشون فيها رغداً من العيش، في رغد من العيش، لما في هذه السنين من شدة الأمطار، أو من كثرة الأمطار، وطلوع الأشجار، ونحو ذلك. ثم بعد هذه السبع السنين ستنقطع الأمطار، فتأتي سبع سنين ماذا؟ مجدبات، يابسات. يش يقولون البدو: إذا في يابسات، زمن، وليش زمان؟ زمان معناه شدة. نعم. تريد روبا، ما يقول لك: ماشي بقعة، زمان. تريد تيس سمين، يقول لك: ما في بقعة، زمان. تريد تشتري منهم، يقولون: ما في بقعة، زمان. لكن لو جاءت الأمطار، ترخص الأغنام. ولماذا؟ لأن يعني كل الأغنام متوفر، يرعون في أي مكان. لكن إذا قطعت الأمطار، جفت الأرض، فيشترون، يعني أكل الأغنام، شرة بأموال باهظة، فيبيعون هذه الأغنام بأسعار باهظة، أنهم تعبوا في أكلها وشراء علفها، ونحو ذلك. فإذن ستأتي بعد السبع السمان، سبع مجدبات. قال: ولعل وجه ذلك، والله أعلم، أن الخصبة والجدبة، لما كان الحرث مبنياً عليه، وأنه إذا حصل الخصب، قوي الزروع والحروث، وحسن منظرها، وكثرت غلالها، غلالها يعني ما ينتج منها، ما يثمر منها. والجدب بالعكس من ذلك. يعني عبر بالأبقار السمان، وكذلك السنبلات، لأن هذا من آثار ماذا؟ من آثار الخصب. إذا خصبت الأرض، سمنت المواشي، ونبتت الأشجار، ونبتت الأشجار. إذن هنا، هنا المناسبة: هنا المناسبة بين ربط ذلك الوصف بالسبع الخصبة، بالسبع السنين الخصبة، والعكس بالعكس، والعكس بالعكس. قال: والسنبلات هي أعظم الأقوات وأفضلها، عبرها بذلك. السنبلات هي كل المواشي، فإذا كثرت السنبلات والعشب، سمنت المواشي. إذن هذا دليل على أيش؟ على الخصب. وإذا يعني يبست، إذا يبست السنبلات، ضعفت المواشي، وهذا دليل أيش؟ الجفاف، دليل الجفاف. قال: لوجود المناسبة. قال: وتسقى عليها الحروض في الغالب. يعني الأبقار والسنبلات هي أعظم الأقوات وأفضلها، عبرها بذلك لوجود المناسبة. فجمع لهم في تأويلها بين التعبير والإشارة لما يفعلونه، الإشارة لما يفعلونه عند الخصب، ويستعدون به من التدبير في سني الخصب إلى سني الجدب. بمعنى أنهم يقتصدون. أنت الآن مثلاً لو أنت في بيتك، في شهر من الشهور، تعلم مثلاً أن هذا الشهر ما ستجد راتباً كاملاً، ربما تجد نصف راتب، عندك غياب مثلاً، أو عندك خصم، أو شيء. ستقتصد، صح؟ تجعل أكل الشهر على حسب الراتب. كنت مثلاً يوم الجمعة تشتري لحم، فكم الجمعة هذا؟ ما في لصيد. لو اشتريت لحم، سينتهي المال قبل ما ينتهي الشهر. صح؟ وهكذا في هذا الحال: سبع سنوات خصبة، إذن لابد نحسب لماذا؟ السبع السنين المجدبة، السبع السنين المجدبة. وهذا من التدبير الحسن، ومن السياسة الشرعية في تدبير البيوت، بل والدول، بل والدول. أن الاقتصاد ينبغي أن يكون موازناً للصرفيات، صرفيات البلاد، لا يزيد عليها، بحيث أنك تمر في وقت من الأوقات بأزمة، وإنما أقل شيء تساوي، أو تعمل لنفسك احتياط، تعمل لنفسك ماذا؟ احتياط. وهذا نظام الشركات، ونظام المؤسسات، ونظام الدول، يجعل لهم موازنة سنوية، يعني ينظرون ما دخلهم، وما يعني خرجهم. فهكذا قال. فقال: ﴿ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا ﴾، أي متتابعات. يقولون: هذه الخصبة. ﴿ فَمَا حَصَدْتُمْ ﴾، أي ما نتج في هذه السبع السنين من تلك الزروع. ﴿ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ ﴾، يعني في شجرته، في شجرته، لأنه أبقى له، وأبعد من الالتفات إليه. يعني ما سيلتفت إليه، لو كان خارجاً ربما استهلك مباشرة، لكن لما يبقى في مكانه، هذا أدعى لبقائه. ﴿ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ﴾، مما تأكلون. أي دبروا أيضاً أكلكم في هذه السنين الخصبة، وليكن قليلاً، اقتصاد، كما عبرنا: اللحم، ما عندك حق اللحم، جمعة، هذا خلفها، لا تشتري لحم، اللحم يكلفك عشرين ألف، الصيد يكلفك ثلاثة آلاف، فرق بعيد. نعم. ﴿ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ﴾، نعم، وليكن قليلاً، ليكثر ما تدخرون، ويعظم نفعه ووقعه، أي في المستقبل. ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ ﴾، أي بعد تلك السنين السبع المخصبات، سبع شداد، أي مجدبات جداً، شديدة، ما فيها نبت. ﴿ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ﴾، أي أكلن جميع ما ادخرتموه، ولو كان كثيراً. لاذا ادخرتموه هذا خلال سبع السنين المخصبات، تأتي السبع السنين المجدبات، وتأكله جميعاً. ما تنتني هذه السبع المجدبات إلا وانتهى ما ادخرتموه من السنين المخصبات. هذا معنى كلامه. قال: ﴿ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ﴾، أي تمنعونه من التقديم لهن. هذا معنى تحصنون، يعني: إلا قليلاً مما تحصنون، أي تمنعونه من التقديم لهن. سيبقى قليل جداً. ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾، بعد السبع الشداد، يأتي عام خصب، أمطار، تبدأ السنين ماذا؟ المخصبات. قال: أي فيه تكثر الأمطار والسيول، وتكثر الغلات. عرفنا ما معنى الغلات: يعني ما ينتج من الثمار والزروع، ونحو ذلك. وتزيد على أقواتهم، حتى إنهم يعصرون العنب، لأن العنب لا يُعصر إلا إذا فاض، ويعني كان أكثر من حاجة أكلهم له، دون إعصار. قال: ونحو زيادة على أكلهم. ولعل استدلاله على وجود هذا العام الخصب، مع أنه غير مصرح به في رؤيا الملك، يعني من أين أتى يوسف بهذا العام المخصب؟ رؤيا الملك فيها السبع الشداد والسبع المخصبات فقط، ما فيه هذا العام المخصب. فمن أين أتى به يوسف؟ وهذا من علمه، وكذلك إتقانه لتفسير الرؤيا. قال: لأنه فهم من التقدير بالسبع الشداد، أن العام الذي يليه يزول به شدتها. يعني لماذا خص الله عز وجل سبع شداد؟ لو كانت السنين الشداد ستكون أكثر من سبع، سيأتي ذكرها، سيقول: ثمان شداد، عشر شداد. صح؟ فلما وقف عند السبع، معنى أنه بعد هذه السبع ستنفرج الأزمة، وستأتي، سيأتي عام خصب. هكذا استنبط يوسف عليه السلام. قال: وإن المعلوم أنه لا يزول الجدب المستمر سبع سنين متواليات، إلا بعام مخصب جداً، وإلا لما كان للتقدير فائدة، لما كان للتقدير السبع فائدة. لو لم يأت بعد السبع المجدبات يعني عام خصب، إذا لم يأت بعد السبع المجدبات عام خصب، إذن أيش الفائدة من ذكر السبع؟ فعمتم هذا الآن. قال: إلا... قال: فلما، فلما رجع الرسول إلى الملك والناس، وأخبرهم بتأويل يوسف للرؤية، عجبوا من ذلك، عجبوا من ذلك. علموا أن هذا التأويل هو التأويل الصحيح، هو التأويل الصحيح. وفرحوا بها أشد الفرح. إذن الآن يوسف ستكون له منزلة، وظهر الآن فضل يوسف على غيره، وتبين الآن علم يوسف على غيره. فاستدعاه الملك، وهذا ما سيأتي معنا إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى. اشتركوا في القناة.