التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 75

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 75

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 75، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

انتشار خبر امرأة العزيز ومكر النسوة

يشرح الشيخ السعدي كيف شاع خبر مراودة امرأة العزيز ليوسف، وكيف مكرت نساء المدينة بلومها ليصلن إلى رؤية يوسف. استدرجهن امرأة العزيز إلى مأدبة وقدمت لهن فاكهة تحتاج لسكاكين فقطعن أيديهن إعجاباً بجماله.

مأدبة امرأة العزيز وقطع النسوة أيديهن

يصف المقطع مشهد دخول يوسف على نساء المدينة فقطعن أيديهن من شدة جماله، واعتراف امرأة العزيز بمراودته عن نفسه وامتناعه. هددته بالسجن إن لم يستجب، فلجأ يوسف إلى الله داعياً أن السجن أحب إليه مما يدعونه إليه.

استعاذة يوسف بربه وسجنه رغم براءته

يوضح المقطع كيف استعاذ يوسف عليه السلام بربه من كيد النسوة فاستجاب الله له وصرف عنه الفتنة، مبيناً أن اللجوء الصادق إلى الله ينجي من المحن. ثم يبين سبب سجنه رغم براءته، وهو سعي العزيز ومن حوله لإخماد الفتنة وتناسي الناس للخبر المشاع.

السجن رحمة ونعمة ليوسف عليه السلام

يوضح المقطع أن عدم توفر الأسباب يؤدي إلى النسيان، فرأى القوم أن سجن يوسف مصلحة لهم، غير أن الله جعل السجن رحمةً له وبُعدًا عن الفتن. السجن كان نعمةً سترت يوسف عن أعين الفتن ومكّنت له في الأرض.

  • 22 جمادى الأولى 1445هـ - 04/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، يقول الشيخ العلامة المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى، بتفسير قول الله عز وجل في سورة يوسف: ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ [يوسف: 30]، ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ [يوسف: 31]، ﴿ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ ﴾ [يوسف: 32]، ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [يوسف: 33]، ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [يوسف: 34]، ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ [يوسف: 35]. قال: يعني أن الخبر اشتهر وشاع في البلد، يعني أن امرأة العزيز تراود هذا الفتى، خرج الخبر وشاع وتحدث به النسوة، خرج في مجالس النساء، وما أدراك ما مجالس النساء! إذا عندك خبر تريد أن تشيعه وأن تشهره فأعطه النساء، والله المستعان. قال: فجعلن يلمنها، يلمن زوجة العزيز، ويقولن: ﴿ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ﴾ [يوسف: 30]، أي: هذا أمر مستقبح، هي امرأة كبيرة القدر وزوجها كبير القدر، ومع هذا لم تزل تراود فتاها الذي تحت يدها وفي خدمتها عن نفسه، ومع هذا فإن حبه قد بلغ من قلبها مبلغًا عظيمًا، ﴿ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ﴾، أي: وصل حبه إلى شغاف قلبها، وهو باطنه وسويداؤه، وهذا أعظم ما يكون من الحب. نعم، يعني الحب في باطن القلب، في داخل القلب، في أعماق القلب، في السويداء هو العمق، وهذا كما ذكر أعظم ما يكون من الحب. قال: ﴿ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ [يوسف: 30]، أي: حيث وجدت منها هذه الحالة التي لا تنبغي منها، وهي حالة تحط قدرها وتضعه عند الناس. قال: وكان هذا القول منهن مكرًا، يعني: ما قلنا هذا نهيًا عن المنكر، ما قلنا هذا نهيًا عن المنكر، وإنما مكر لتصلنا إلى أمر ما. ما هو هذا الأمر؟ قال: ليس المقصود به مجرد اللوم لها والقدح فيها، وإنما أردنا أن يتوصلنا بهذا الكلام إلى رؤية يوسف. قالوا: ما دام هذه المرأة استعنت بهذا الغلام، إذن هذا الغلام له شأن، هذا الغلام غلام ليس كغيره من الغلمان، ولذلك شغفها حبًا، فما أردنا بهذا الكلام الإنكار، الإنكار واللوم على امرأة العزيز، وإنما أردنا الوصول إلى مقصود، وهو النظر إلى هذا الفتى، النظر إلى هذا الفتى. لذلك قال الله عز وجل كما سمعت في الآية: ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ [يوسف: 31]، يعني: تفطنت امرأة العزيز لمراد هؤلاء النسوة، وأنهن ما أردن اللوم لها والإنكار عليها، وإنما أردن أمرًا آخر، وهو النظر إلى هذا الفتى. فكان هذا القول منهن مكرًا، ليس المقصود به مجرد اللوم لها والقدح فيها، وإنما أردنا أن يتوصلنا بهذا الكلام إلى رؤية يوسف، الذي فتنت به امرأة العزيز، لتحق امرأة العزيز، لتحنق امرأة العزيز، يعني: قلنا هذا من أجل أن تغضب امرأة العزيز، لتحنق امرأة العزيز، وتريهن إياه، نعم، ليعذرنها، ليعذرنها، من أجل أن يعذرنها فيما فعلت، وأن الذي فعلته إنما من أجل هذا الحسن والجمال الذي أوتيه يوسف عليه السلام. فعلمت أن هؤلاء النسوة لهن غرض ومقصود. قال: ولهذا سماه مكرًا، فقال: ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ ﴾ [يوسف: 31]، تدعوهن إلى منزلها للضيافة. قالت لهؤلاء النساء: عندي مأدبة وضيافة، تفضلن للأكل، وكذلك الطعام. نعم، فدعتهن إلى منزلها للضيافة، ﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً ﴾ [يوسف: 31]، أي: محلا مهيأ بأنواع الفرش والوسائد، وما يقصد بذلك من المآكل اللذيذة. هي امرأة العزيز، فأتت من المال والمنزلة والشرف، فهيأت لهن هذا المجلس، فيه من الفرش والوسائد، وقربت لهن الطعام، وكان في جملة ما أتت به وأحضرته في تلك الضيافة طعام يحتاج إلى سكين، مثل ما نقول اليوم مثلًا: واحد يأتي لك ببرتقالة، هذه البرتقالة تحتاج إلى سكين من أجل أن تقطعها، ما يمكن أن تأكلها هكذا، مثل الموز تأكلها هكذا، لكن بعض الأكل يحتاج إلى سكين، تلك بحبحبة كاملة، كيف تأكلها؟ لا بد من وجود سكين تقطعها. فهي أتت بطعام لا بد أن يقطع بالسكين، أن يقطع بالسكين، وآتت كل واحدة منهن سكينًا، كل واحدة أعطتها سكينًا من أجل أن تقطع، ماذا تقطع؟ هذا الطعام. قال: وأحضرته بتلك الضيافة، قال: ﴿ وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا ﴾ [يوسف: 31]، ليقطعن فيها ذلك الطعام. ﴿ وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ [يوسف: 31]، أي: ليوسف، أخرج عليهم في حالة جماله وبهاء. يوسف لا يزال في بيتها، وهي تأمره وتنهيه لأنها سيدته، فأمرته أن يخرج على هؤلاء النسوة، فما منه إلا أن يطيع أمر سيدته، فخرج. ﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ﴾ [يوسف: 31]، رأت النساء هؤلاء النسوة يوسف عليه السلام، وما أوتي من البهاء والحسن والجمال، فلما رأينه أكبرنه، أي: أعظمنه في صدورهن، ورأين منظرًا فائقًا لم يشاهدن مثله، ﴿ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ [يوسف: 31] من الدهش، بتلك السكاكين التي معهن. وهذا هو حال الإنسان إذا بهر أو دهش بشيء، لربما ما يدري ما يصنع بنفسه، ما يدري ما يصنع بنفسه. لربما أحدهم، وهذا واقع، يرى امرأة حسناء فينظر إليها ويقف في وسط خط السير. رأيت هذا بأم عيني: واحد رأى امرأة في خط في السفل، ينظر إليها ووقف في وسط الخط، الناس تضرب له، ما شاء الله، جالس في مكانه، دهش. هذا من طبيعة البشر. وأحدهم عمل حادثًا، ما هو السبب؟ وهذا النظر إلى شيء أعجبه فذهل فلم يتمالك القيادة فانقلب، ولا حول ولا قوة، ولعل هذا عاقبة المعصية. فهكذا هؤلاء النسوة، لما رأين يوسف دهشن، وفي أيديهن السكين، فقطعن أيديهن دون أن يشعرن بذلك، دون أن يشعرن بذلك. ﴿ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ ﴾ [يوسف: 31]، أي: تنزيهًا لله عز وجل، تنزيهًا لله سبحانه وتعالى، ﴿ مَا هَذَا بَشَرًا ﴾ [يوسف: 31]، ما يوجد بشر مثل هذا في الحسن والجمال، ﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ [يوسف: 31]، أي: هذا ملك نزل من السماء، خلقه الله عز وجل من جنس الملائكة، لا من جنس البشر، لما رأين من حسنه وجمال وبهائه. قال: وذلك أن يوسف أعطي من الجمال الفائق والنور والبهاء ما كان به آية للناظرين وعبرة للمتأملين. فلما تقرر عندهن جمال يوسف الظاهر وأعجبن غاية الإعجاب، وظهر منهن من العذر هذا الذي تريد امرأة العزيز، وظهر منهن من العذر لامرأة العزيز شيء كثير، أرادت أن تريهن جماله الباطن بالعفة التامة، فقالت معلنة لذلك، مبينة لحبه الشديد، غير مبالية، ولأن اللوم انقطع عنها من النسوة، خلاص عذرنها، ما تلام امرأة العزيز، الغلام بهذا الجمال وبهذا البهاء، ولا تراوده لها حق في ذلك، هكذا لسان حالهن يقول، لسان حالهن يقول. فلما علمت ذلك من هؤلاء النسوة، وانقطع العذر، انقطع العذر، صرحت وأعلنت امرأة العزيز بما تكن في نفسها من حبه، فاللوم هنا انقطع عنها، فقالت: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ﴾ [يوسف: 32]، هذا إعلان من امرأة العزيز على جمال يوسف الباطن، وأنه عنده من التقوى، وعنده من الإيمان والخوف من الله ما منعه من الاستجابة لأمرها في هذا، فقالت: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ﴾، أي: امتنع، وهي مقيمة على مراودته، لم يزدها مرور الأوقات إلا قلقًا ومحبة وشوقًا لوصاله وتوقًا، ولهذا قالت له بحضرته: ﴿ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ ﴾ [يوسف: 32]، إصرار على هذا الفعل، ما ثبت، لأن من شروط التوبة الإقلاع، هي ما أقلعت، وكان هذا الأمر لا يزال في خاطرها، ولا تزال تتوق وتشتاق إليه وتحب وصال يوسف عليه السلام. لذلك قالت: ﴿ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ ﴾، أيش هذا أمرها؟ الوقوع في الفاحشة، والعياذ بالله. ﴿ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ ﴾، وهو يسمع، يوسف عليه السلام يسمع، يسمع ذلك، لتلجئه بهذا الوعيد إلى حصول مقصودها منه، حتى يخاف ويخضع ويخنع لما تريد، فقال: ذلك من أجل أن يستجيب. فعند ذلك اعتصم يوسف بربه، أي: بالله عز وجل، واستعان به على كيدهن، وهكذا ينبغي للمؤمن إذا اشتدت عليه الأمور، وضاقت به الكروب والهموم والغموم، أن يلجأ إلى الله، وأن يتضرع إلى الله سبحانه وتعالى. فيوسف في هذا الموقف العصيب، وهذه الفتنة العظيمة، لجأ إلى الله سبحانه وتعالى، فقال: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾ [يوسف: 33]، يعني: أتى هنا بضمير الجمع ﴿ يَدْعُونَنِي ﴾، بمعنى أن النسوة وافقن امرأة العزيز على هذا الأمر، وافقنها، والعياذ بالله، فكان من مكرهن، فكان من مكرهن، أي: مكر النساء، ولذلك أتى يوسف هنا بضمير الجمع، ما قال: رب السجن أحب إلي مما تدعوني إليه، وإنما قال: ﴿ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾، أي: جماعة النسوة، وهذا فيه أن الموافق للمنكر المعين عليه كفاعله، كفاعله. قال: وهذا يدل على أن النسوة جعلن يشرن على يوسف في مطاوعة سيدته، انظر: يعني يقنعنه أن يجيب سيدته، أولاء النسوة، وجعلن يكدنه في ذلك، وهذا من كيدهن. قال: فاستحب السجن والعذاب الدنيوي على لذة حاضرة توجب العذاب الشديد، وهذا ليقينه وإيمانه، وهي فتنة عظيمة ومحنة جسيمة، ولكن الله عز وجل عصمه بالإيمان والخوف من الله والتضرع إليه، وهكذا ينبغي للمؤمن إذا ابتلي بشيء من تلك الفتن، فتن الشهوات المحرمة، أن يستعين بالله، وأن يلجأ إلى الله، وأن يصدق مع الله، فالله عز وجل يصرفه عن هذه الفواحش. قال: ﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ [يوسف: 33]، أي: أميل إليهن، فأمل إليهن، فإني ضعيف عاجز، إن لم تدفع عني السوء. إذا كان هذا القول يقوله نبي من أنبياء الله، فكيف بغيره؟ وكيف بمن هو دونه؟ فمن باب أولى أن يدعو ربه عز وجل أن يصرفه عن الفواحش والفتن، ما ظهر منها وما بطن. ﴿ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [يوسف: 33]، فإن هذا جهل، الجهل ليس معناه عدم العلم، فهذا شيء من الجهل ونوع من الجهل، فمن الجهل أن يقتحم المرء محارم الله، هذا من الجهل، هذا من الجهل، ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ﴾ [النساء: 18]، قال الله سبحانه وتعالى في نعم، يعني: فيه أن من يعمل السوء بجهالة، بمعنى أن من فعل السوء فإنما هو جاهل، فإنما هو جاهل. فيوسف هنا يقول: ﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [يوسف: 33]. قال: فإن هذا جهل، لأنه آثر لذة قليلة منغصة على لذات متتابعات وشهوات متنوعات في جنات النعيم، هذا مغفل الذي يؤثر اللذة العاجلة على اللذة الدائمة المستمرة، هذا مغفل الذي يمتع ناظريه بلحظات يسيرة ويحرم نفسه جنات، أرضها السماوات والأرض، هذه مصيبة عظيمة أن يصدر ذلك من عاقل. فهنا قال: لأنه آثر لذة قليلة منغصة على لذات متتابعات وشهوات متنوعات في جنات النعيم، ومن آثر هذا على هذا فمن أجهل منه؟ لا أحد أجهل منه، الذي يؤثر اللذة العاجلة على اللذة الدائمة، فإن العلم والعقل يدعو إلى تقديم أعظم المصلحتين وأعظم اللذتين، ويؤثر ما كان محمود العاقبة. ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ ﴾ [يوسف: 34]، حين دعاه، فالله عز وجل يجيب دعوة الداع إذا دعاه، فلما دعا يوسف ربه استجاب الله عز وجل، ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [يوسف: 34]. فلم تزل تراوده وتستعين عليه بما تقدر عليه من الوسائل حتى أن يئست منه، لما رأت من إصراره، وكذلك من عدم موافقته على ذلك. قال: نعم، قال: فلم تزل تراوده وتستعين عليه بما تقدر، العلم من الوسائل، حتى أن يئست، وصرف الله عنه كيدها، ﴿ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [يوسف: 34]، السميع لدعاء الداعي، العليم بنيته الصالحة، فمن صدق الله يصدقه الله عز وجل، ومن كان مع الله في الرخاء كان الله معه في الشدة، فلما علم الله عز وجل بنية هذا النبي الكريم الصالحة استجاب له، فصرف عنه هذه الفتنة، ﴿ وَنِيَّتِهِ الضَّعِيفِ الْمُقْتَضِيَةِ لِإِمْدَادِ بِمَعُونَتِهِ وَلُطْفِهِ ﴾، فهذا ما نجى الله به يوسف من هذه الفتنة الملمة والمحنة الشديدة. وأما أسياده، فإنه لما اشتهر الخبر وبان، وصار الناس فيه بين عاذر ولائم وقادح، ﴿ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ [يوسف: 35]، قال: يعني ظهر لهم، أي: سيادة العزيز ومن حوله، ظهر لهم من بعد ما رأوا الآيات، أي: الدال على براءته، وأنه ذو أمانة وصدق وعفة، فلما رأوا ذلك وتبين لهم، ﴿ بَدَا لَهُم ﴾، ليسجننه حتى حين، أي: ليسجننه إلى وقت ما، أي: لينقطع بذلك الخبر ويتناساه الناس، فإن الشيء إذا شاع لم يزل يذكر، إذا شاع كل يوم: امرأة العزيز مع فتاها، امرأة العزيز كذا، امرأة العزيز كذا، الخبر إذا شاع مع وجود أسبابه. قال: وإذا شاع لم يزل يذكر ويشاع مع وجود أسبابه، مع وجود أسبابه، يعني: الآن في مشكلة بين اثنين، إذا كان هؤلاء المتخاص... إذا كان هؤلاء المتخاصمين، مثلا في مكان واحد، كل يوم يكون هناك المخاصمة والكلام والفتن، لكن إذا أبعد أحدهما، خلاص تناسى الناس ذاك، في مكان بعيد، وهذا في مكان آخر، فتناسى الناس ما بينهما، وانتهت المشاكل والخصومات. وهكذا رأى هؤلاء أن إبعاد يوسف من بيت العزيز يكون سببًا في تناسي الناس لهذا الخبر، ولهذا الأمر الذي شاع وذاع في البلد. قال: فإذا عدمت أسبابه نسي، فرأوا أن هذا مصلحة لهم، أن هذا مصلحة لهم، فأدخلوه في السجن، أدخلوه في السجن، وهذا رحمة من الله عز وجل ليوسف، وأحيانًا السجن يكون نعمة لصاحبه، وبعدًا له من الفتن، وبعدًا له من الفتن، كما وقع ليوسف عليه السلام. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله أعلم.