الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 86، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يؤكد المحور وجوب العدل في جميع المعاملات مع السلطان والوالدين والزوجات لاستقامة الأمور وجلب السعادة، محذراً من أن الإخلال به يفسد الأحوال. كما يبين شؤم الذنوب وكيف أن ذنباً واحداً يستجر سلسلة من المحرمات كما فعل إخوة يوسف في تفريقهم بين أخيهم وأبيهم.
يشرح المحور كيف يجر الذنب الواحد صاحبه إلى ذنوب متتابعة باتباع خطوات الشيطان، مستشهداً بتطور كذب إخوة يوسف وتزويرهم. وفي المقابل يوضح أن الطاعة تستتبع طاعات وتجلب البركة في العمل والعلم والعمر.
يستعرض المحور كيف تقوي الطاعة إيمان العبد وتوقه للمزيد من الصالحات، ضارباً المثل بتوبة إخوة يوسف التي انتهت بغفران الله لهم وارتفاع درجاتهم. ويقرر أن العبرة بكمال الخواتيم وحسن العاقبة لا بنقص البدايات.
يختم المحور بالتأكيد على أن العبد لا ينبغي أن ييأس من رحمة الله مهما كثرت ذنوبه، لأن التوبة الصادقة والإحسان في العمل يجلبان مغفرة الله. ويؤكد أن باب التوبة مفتوح ومقبول عند الله تعالى لكل من رجع إليه بصدق.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فقد وقفنا في قصص الأنبياء للعلامة المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في الفوائد المستنبطة من قصة نبي الله يوسف عليه السلام. وقفنا عند قوله: "ومنها أن العدل مطلوب في جميع الأمور الصغار والكبار في معاملة السلطان". هنا وقفنا، هل أحد يؤكد لنا الوقف؟ صواب ما قلت. طيب. قال: "ومنها أن العدل مطلوب في جميع الأمور الصغار والكبار في معاملة السلطان لرعيته، ومعاملة الوالدين للأولاد، والقيام بحقوق الزوجات، وغير ذلك في المحبة والإيثار ونحوها. وأن القيام بالعدل في ذلك تستقيم الأمور صغارها وكبارها به، ويحصل للعبد ما أحب. وفي الإخلال بذلك تفسد الأحوال، ويحصل للعبد المكروه من حيث لا يشعر. لهذا لما قدم يعقوب عليه السلام يوسف في المحبة وجعل وجهه له، جرى منهم على أبيهم وأخيهم من المكروه ما جرى. فالعدل أساس نجاح أي مجتمع صغير أو كبير، والعدل السبب لاستقامة الأمور. ولي كذلك أن يسود، أن تسود المحبة والوئام والتعاون في أي مجتمع صغير أو كبير. فانظر إلى ميل يعقوب عليه السلام إلى أحد أبنائه دون الآخرين، ماذا حصل من هذه الأمور الشديدة على نبي الله يعقوب عليه السلام؟ فإذا أدى كل واحد حقه بعدل، وقام بواجبه الذي أمر به تجاه الآخرين، فإن المجتمع يسوده العدل، ويسوده كذلك النجاح، ويسوده النجاح، ولا ترى فيه من الفتن ولا المحن ولا الشرور ولا الشرور. فما ظهرت المشاكل في المجتمعات، وكذلك الحروب الطاحنة والمظالم الكثيرة، إلا بسبب الإخلال بهذا الخلق العظيم وهو العدل، وهو العدل. فإذا قام العبد بواجبه تجاه السلطان، ولي الأمر، ما هو واجبنا تجاه ولي الأمر؟ أن نؤدي الحق الذي علينا، ونسأل الله الحق الذي لنا. قد يقول قائل: طيب، هذا السلطان ظالم، ما عنده عدل، وهذا السلطان قد آثر نفسه وأقاربه بالأموال العامة ونحو ذلك، إيش نفعل؟ هذا قد حكم فيه الشرع، حكم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصبر وتؤدي الحق الذي لك، لا تقابل الظلم بالظلم، لا تقابل الظلم بالظلم. فإذا فعلت ذلك كما ذكر المؤلف هنا، جرى عليك من المكروه ما جرى، شعرت بذلك أم لم تشعر، والواقع خير شاهد على ذلك. وهكذا واجبك تجاه الوالدين بالبر والإحسان والتلطف معهما وخدمتهما والإنفاق عليهما والإحسان بهما، ونحو ذلك مما أمر الله به، استقامت لك الأمور. وهكذا القيام بحقوق الزوجات: استوصوا بالنساء خيراً، من النفقة، من المعاملة الحسنة، من الأخلاق الفاضلة، من العشر الحسنة، ونحو ذلك، فإنك تملك وتأسر قلب زوجتك، فتكون لك خيراً امرأة. أما إذا عاملتها بالظلم، وعاملتها بالقسوة، وعاملتها بعدم إعطائها الحق الواجب لها، فلا شك أنها تعاملك بالمثل، ولربما تكدرت عليك حياتك، وكذلك اشتدت عليك معيشتك بسبب هذا الظلم. فالعدل أساس النجاح في كل مجتمع، صغر أم كبر. فكما ذكر أن بالعدل تستقيم الأمور صغارها وكبارها، ويحصل للعبد ما أحب. فاعدل في أقوالك وفي أفعالك وفي معاملاتك، وأبشر بعد ذلك بالخيرات والبركات، وبالسعادة، وبالحياة الطيبة. قال: ومنها الحذر من شؤم الذنوب، فكم من ذنب واحد استتبع ذنوباً كثيرة، وتسلسل الشر المؤسس على الذنب الأول. وانظر إلى جرم إخوة يوسف، فإنهم لما أرادوا التفريق بينه وبين أبيه، الذي هو من أعظم الجرائم، احتالوا على ذلك بعدة حيل، وكل هذه الحيل محرمة في دين الله. فانظروا إلى تتابع الذنوب، تتابع الذنوب: أول ذنب أرادوا أن يحيلوا، أو أن يحيلوا بين يوسف وأبيه، هذا هو غايتهم. ثم ماذا فعلوا من الذنوب الأخرى؟ انظروا كيف أتبعوا الذنب بالذنب. فقال المؤلف: "فاحتالوا على ذلك بعدة حيل، وكذبوا عدة مرات". شوف جرهم هذا إلى الكذب الآن. انضاف إلى الحيل، إلى حيلة التفريق بينه وبين أبيه، جريمة كذلك الكذب، وليست مرة واحدة، عدة مرات. قالوا: ﴿ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ ﴾، وهل هم ناصحون؟ إذن كاذبون في هذا. ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾، هل هم له حافظون؟ كذبوا في ذلك. ﴿ وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾، هذه الآية صريحة في كذبهم. وكم وكم من تلك الكذبات التي وقعوا فيها، التي وقعوا فيها، والعياذ بالله، بسبب ذنب واحد. قال: "وكذبوا عدة مرات، وزوروا على أبيهم في القميص والدم الذي فيه". مع الكذب أضافوا إلى ذلك التزوير، يعني بأن جعلوا دم الذئب، أو نعم، على قميصه. ﴿ وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾، بدم كذب، ليس هو بدم يوسف عليه السلام، وإنما هو دم آخر. قال: "وفي صفة حالهم حين أتوا عشاء يبكون". هل هم صادقون في هذا البكاء؟ لا. ولا بد أن الكلام في هذه الغضية تسلسل، وتشعر... هذا ما ذكره الله، ولا شك أنهم وقعوا كذلك في كلام آخر فيه من عدم الحقيقة، بل ربما أنه اتصل إلى الاجتماع بيوسف، يعني أنهم اجتمعوا به، وكلما بحث في هذا الموضوع فهو وبحث كذب وزور، مع استمرار أثر المعصية على يعقوب، بل وعلى يوسف. فليحذر العبد من الذنوب، خصوصاً الذنوب المتسلسلة. ما هي الذنوب... ما هي الذنوب... أثر المصيبة مع استمرار أثر المصيبة على يعقوب، نعم، المصيبة على يعقوب. قال: "فليحذر العبد من الذنوب، خصوصاً الذنوب المتسلسلة". الذنوب المتسلسلة هي التي يضطر المذنب أن يرتكب ذنباً آخر حتى يسوغ لنفسه هذا الذنب. مثال ذلك: مثلاً إنسان ينظر إلى الصور، هذه معصية، النظر إلى الصور. هذا قد يتبعه معاصٍ أخرى. ما هي هذه المعاصي؟ قد تؤدي هذه المعصية إلى الزنى، تثور شهوته، فأولاً نظرة، ثم ربما أيضاً هذه النظرة إذا كانت مع امرأة يتراسل معها، ربما تواعد معها، فالتقى بها، وهذا يدخل في الخلوة، إذن وقع الآن في الخلوة، هذا أيضاً محرم. ثم لربما بعد ذلك قبل أو مس أو نحو ذلك، هذه معصية أخرى. ثم لربما وقع في الزنى، أو ربما وقع في اللواط، أو ربما وقع في العادة السرية. اهتسلسل الأمر، ولا تسل أيضاً عما يقع من الذنوب الأخرى. لربما تأخر عن أهله، أين كنت؟ قال: كنت في المسجد، وهو مع عشيقة في الملعب أو في الملهى أو نحو ذلك. انظر، أتبع هذا كذب. معاصم تسلسلة. ولذلك يقول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾. هذا التسلسل من خطوات الشيطان، هذا التسلسل من خطوة ينقلك من خطوة إلى خطوة حتى تقع في عدة معاصٍ وذنوب، والعياذ بالله. وقس على هذا، هذا كمثال، هذا كمثال، والأمثلة في ذلك كثيرة، والأمثلة في ذلك كثيرة جداً، ولا يتسع المقام لذكر كثير منها. قال: "وضد ذلك بعض الطاعات تكون طاعة واحدة، ولكن يتسلسل نفعها وبركتها حتى تستتبع طاعاتٍ من الفاعل وغيره". وهذا من أعظم آثار بركة الله للعبد في علمه وعمله. أيضاً كما أن المعصية والذنب يستتبع بالذنب، كذلك الطاعة تستتبع بالطاعة. أنت صليت، يتبع هذه الصلاة أنك تجلس قبل الصلاة تقرأ القرآن، أنك تدعو الله. انظر طاعات عديدة: أنك تتوضأ، كل هذه طاعات مستقلة، طاعات مستقلة. تحضر درساً في المسجد، تحضر جنازة أتي بها في المسجد. وهكذا الطاعة تجعلك ماذا؟ تتبع الطاعة، الطاعة تتبع الطاعة. وهكذا طلبت العلم، فجلوسك في حلقات العلم هذه طاعة، حفظك للقرآن طاعة، ومجرد لفظك بما تقرأ من القرآن طاعة وأجر وحسنات تجري عليك. انظر كيف الطاعة الواحدة تجر أختها، تجر أختها. ولاشك أن الطائع يقوى إيمانه، فتتوق نفسه إلى الأعمال الصالحة، تتوق نفسه إلى الأعمال الصالحة. فإذا جلس مجلس علم، فسمع في هذا المجلس مثلاً فضل إزالة الأذى عن الطريق، شجعه ذلك إلى أن يعمل بهذه الطاعة، وتجده يزيل الأذى عن طريق المسلمين. جلست مجلس علم، فسمعت المتكلم والناصح تكلم عن قيام الليل، فشحد همتك وقوى عزيمتك، فقمت من الليل. انظر هذا من بركة الطاعات، أن بعضها يجر بعضاً، أن بعضها يجر بعضاً. وهذه علامة على قبول الأعمال: إذا الطاعة جرت إلى أختها، هذا دليل على قبول الأعمال. ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾. قال: ومنها أن العبرة للعبد في حال كمال النهاية لا بنقص البداية. وهذا يعبر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات، لا بنقص البدايات، والأعمال بالخواتيم، والأعمال بالخواتيم". ومن أين أخذ هذه القاعدة؟ قال: "فإن أولاد يعقوب عليه السلام جرى منهم ما جرى في أول الأمر من الجرائم المتنوعة كما تقدم معنا، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح والاعتراف التام، والعفو التام عنهم من يوسف ومن أبيه، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة. وإذا سمح العبد بحق فالله أولى بذلك. إذا كان يعقوب عفى عنهم وسمح لهم، فالله عز وجل العفو الكريم الرحيم أحق بهذا العفو، فيعفو عن عباده. فالله أولى بذلك، وهو خير الراحمين الغافرين. ولهذا في أصح الأقوال إن الله جعلهم أنبياء، لمحوي ما سبق منهم، وكأنه ما كان. ولقوله: ﴿ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ ﴾، وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم". هذا خلاف بين أهل العلم: هل إخوة يوسف أنبياء أو ليسوا بأنبياء؟ منهم من قال أنهم أنبياء، ومنهم من قال أنهم ليسوا بأنبياء، لأن النبي لا تقع منه كبائر الذنوب. لكن يرد عليهم بأن هذا إذا كان قبل النبوة، أما إذا كان قبل النبوة وقد تاب هذا العبد من هذا الذنب، فلا يكون من النبي أو من الرسول كبائر الذنوب، كون حاله نبياً أو رسولاً، كون حاله نبياً أو رسولاً. ولذلك فسر جماعة من أهل العلم أن الأسباط وهم أخوة يوسف، فذكروا مع الأنبياء، ذكروا مع الأنبياء. قال: "ومن يرجح ذلك؟ المؤلف يميل إلى ذلك أنهم أنبياء". قال: "أم يؤيد هذا أن في رؤيا يوسف أنهم هم الكواكب التي فيها النور والهداية، ومن صفات الأنبياء". لكن قد ينازع في ذلك ويقول: وكذلك هي من صفات الصالحين والعلماء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب». نعم، فإن لم يكونوا أنبياء فإنهم علماء عباد، وهذا ما ذهب إليه جماعة كذلك من أهل العلم. المهم الشاهد من هذه الفائدة: أن العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات، لا بنقص البدايات. فالعبد مهما فعل في مقتبل شبابه مثلاً من معاصٍ أو من ذنوب أو من عدم استقامة، ثم تاب الله عليه في آخر أمره، فهذا دليل على أن الله عز وجل أراد به خيراً، وأن العبرة بما مات عليه وبما كان آخر أمره عليه. نعم، فلا يقنط العبد ولا ييأس من رحمة الله، لا من فعل من الذنوب المعاصي، إذا تاب وحسن حاله وصدق في توبته، فإن الله عز وجل يتوب عليه، فإن الله عز وجل يتوب عليه. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر