الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 87، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع أخلاق النبي يوسف عليه السلام من علم وحلم وعفو ودعوة إلى الله وإحسان، مبيناً أن المؤمن يقتدي بالأنبياء في هذه الخصال. كما يوضح قاعدة فقهية مستنبطة من القصة وهي أن بعض الشر أهون من بعض، مستشهداً باختيار إخوته إلقاؤه في الجب بدلاً من قتله لكونه أخف ضرراً.
يشرح المقطع قاعدة فقهية وهي ارتكاب أخف الضررين لتفادي أشدهما مستشهداً بإخوة يوسف، ويبين حكم المعاملات على السلع المغصوبة أو المسروقة إذا كان المشتري جاهلاً بالحال مستدلاً بقصة بيع يوسف. ويختم بالتحذير من الخلوة بالأجنبيات كمدخل للفتنة.
يحذر المقطع من خطورة الخلوة بالنساء مستشهداً بقصة امرأة العزيز مع يوسف وحديث "الحمو الموت"، ويستعرض أشكال الخلوة المعاصرة في أماكن العمل كالمستشفيات والمدارس والمكاتب. ويؤكد على وجوب الفصل بين الرجال والنساء محذراً من أخطر صور الخلوة اليوم وهي الخلوة بالجوال وما فيه من مواقع ومراسلات.
تذكر القصة كيف أن امرأة العزيز أرادت مراودة يوسف عن نفسه في خلوة، لكن الله عز وجل عصم نبيه يوسف عليه السلام من الوقوع في الشر. ويختم المتحدث المقطع بدعوة الجمهور للاشتراك في القناة والتذكير بأهمية العصمة الإلهية.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول العلامة الإمام عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في كتابه "قصص الأنبياء"، وفي سياق ذكره للفوائد المستنبطة من قصة نبي الله يوسف عليه السلام: "ومنها ما من الله به على يوسف من العلم والحلم والأخلاق الكاملة، والدعوة إلى الله وإلى دينه، وعفوه عن إخوته الخطائين عفوًا بادرهم به، وتمم ذلك بأن أخبرهم أنه لا تثريب عليهم بعد هذا العفو، ثم بره العظيم لأبيه وأمه وإحسانه على إخوته، وإحسانه على عموم الخلق كما هو بين في سيرته وقصته". ومن هنا يتبين لنا عظم الأخلاق الفاضلة، وأن المؤمن يقتدي بالأنبياء والمرسلين، ويقتدي بنبيه الكريم في مثل هذه الأخلاق التي بها يعرف ميزان إيمان العبد، فأكثر الناس إيمانًا أحسنهم أخلاقًا، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك. فمن أعظم ما ينبغي أن يتحلى به طالب العلم وأن يعتني به: الأخلاق الفاضلة، يعفو ويصفح، ويدعو إلى الله، ويصبر ويحلم، لأن همه أن يصل الناس إلى ربهم. لا تجد الداعي إلى الله عز وجل، طالب العلم، حاقدًا وحاسدًا ومكشرًا وشحيحًا ضنينًا بماله أو بوقته في نفع الناس أبدًا. فانظر في قصة هذا النبي الكريم: ماذا فعل به، وماذا قوبل من المحاربة والعداوة؟ فعند تمكنه من عدوه عفى وأصفح، أو عفى وصفح، وكذلك تخلق بتلك الأخلاق العظيمة. وكما ذكر المؤلف هنا طرفًا من هذه الأخلاق التي تحلى بها هذا النبي الكريم، فمن ذلك: الدعوة إلى الله، وهذا من أعظم الأخلاق؛ لأنه من الإحسان، بل من أعظم الإحسان إلى الخلق أن تدعوهم إلى الله، وأن تدلهم على طريق الهداية، أن تخرجهم من الظلمات إلى النور. هذا من أعظم الإحسان؛ لأن فيه نجاة هؤلاء الخلق من نار التلظي، أعظم من أن تحسن إليهم بالدرهم والدينار. أيهما أعظم: أن تدعو إلى الله فيهتدي ضال ويتوب مذنب، أم أن تعطي مالًا فيغتني فقير وكذلك يسد مسكينًا؟ أيهما أعظم؟ الأول أعظم؛ لأن الثاني يستفيد من هذا المال في دنياه، إن سعد بهذا المال سعد به في دنياه. أما ما يدعو إليه الداعية من الهداية والدعوة إلى الجنة وإلى المغفرة، مغفرة الله، فهذا ينتفع به الخلق في نجاتهم من عذاب الله، ولا شك أن الثاني أعظم، الثاني أعظم. وكذلك ذكر من أخلاق هذا النبي: العفو والصفح عن إخوانه المخطئين، ومن كمال أخلاقه أنه هو الذي بادرهم به، هو الذي بادرهم به، ما أذلهم، وما أحرجهم، وما امتن عليهم بما وصل إليه من مكانة ودرجة رفيعة أبدًا، وهذا من تمام أخلاقه وكمالها. بل أخبرهم أنه لا تثريب عليهم، يعني لا لوم عليهم. ثم كذلك انظر إلى إحسانه مع والديه وكيف أكرمهم وقربهم وأحسن إليهم، فهذا كله من الأخلاق الفاضلة التي ينبغي أن نقتدي بمثل هؤلاء الأنبياء فيها. قال: "ومن هذه الفوائد: أن بعض الشر أهون من بعض، وارتكاب أخف الضررين أولى من ارتكاب أعظمهما". فإن أخوة يوسف لما قالوا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾، وقال قائل منهم: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾. قال: "كان قوله -أي الأخير- في قوله: ﴿أَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾، قوله هذا أحسن منه وأخف"، يعني: أحسن من قول إخوانه الأول: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾. فإن القتل معناه الإعدام، القتل معناه الإعدام، فلا أثر يكون ليوسف إذا قتلوه، وهذا شر عظيم ومفسدة كبرى. فاختيار الأخ الآخر لإلقائه في الجب؛ لأنه قال: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾، يعني: ما سيموت، سيعيش، لكن بعيدًا عن أبيكم، وفي مكان آخر، وعند أناس آخرين، وعند أناس آخرين، فهذا أخف. فقوله هذا أحسن منه وأخف، وبسببه خف عن إخوته عن الإثم الأكبر. أيهما أعظم إثما: أن يقتل يوسف، أو أن يطرح في البئر؟ كلاهما إثم، كلاهما إثم، لكن أي الإثمين أعظم؟ لا شك أنه الأول، القتل، فالقتل أعظم. وهو من جملة الأسباب التي قدر الله ليوسف في وصوله إلى الغاية التي يريد، يعني إلقائه، يعني إلقاءه في اليم، إلقائه في غيابة الجب، في غيابة الجب، هذا كان سببًا في وصول يوسف إلى مراده، إلى مراده. فأراد المؤلف من هذا أن بعض الشر أهون من بعض، وكلاهما شر. وهذا ما يعبر عنه كذلك بعض الأصوليين بـ "دفع أعلى المفسدتين بارتكاب أدناهما"، بارتكاب أدناهما. فهم ارتكبوا أدنى المفسدتين، ودفعوا أعلى المفسدتين. فحنانيك، بعض الشر أهون من بعض، أهون من بعض، وكلاهما شر وإثم، لكن الشر يتفاوت، الشر يتفاوت. وهذا ينتفع به المؤمن عند الاضطرار، يعني: لا بد أن يرتكب إحدى المفسدتين، فيقدم أدناهما على أعلاهما، يقدم أدناهما على أعلاهما. نعم. قال: "ومنها: أن الشيء إذا تداولته الأيدي، وصار من جملة الأموال، ولم يعلم العاملون، ولم يعلم المعاملون أنه على غير وجه الشرع، فلا إثم على من باشره ببيع أو شراء أو خدمة أو انتفاع أو استعمال". فإن يوسف باعه إخوته بيعًا محرمًا عليهم، واشترته السيارة بناءً على أنه عبد لإخوة يوسف البائعين، ثم ذهبوا به إلى مصر فباعوه بها، وبقي عند سيده غلامًا رقيقًا، وسماه الله سيدًا، وكان عندهم بمنزلة الرقيق المكرم، وسمّى الله شراء السيارة وشراءه في مصر معاملة، لما ذكرنا. هذه مسألة فقهية: إذا تملك الشخص شيئًا ببيع أو شراء، وهو لا يدري بأن هذا الذي تملكه اشتراه من شخص لم يملك، هذا المشترى لا يملكه، أو باعه هذا البائع بغير طريقة شرعية. ف يوسف باعه إخوته على أنه رقيق، وهو ليس برقيق، فهل يجوز هذا البيع؟ في الأصل لا يجوز، لكن لما كان المشتري لا يعلم بذلك، فمعاملته صحيحة؛ لأنه جاهل. بخلاف من علم بأن هذا الغلام ليس بعبد بل هو حر، فهذا لا يجوز له أن يشتريه. مثال في واقعنا المعاصر: تجد الآن مثلًا بعض المجرمين سرقوا أشياء، مثلًا سرق غنمة، أو سرق سيارة، أو دراجة، فيعرضها في السوق، فيأتي الناس ما يدرون أنه سرق هذه السيارة، أو هذه الدراجة، أو هذه الأشياء، ما يدر الناس، فاشتروا منه هذه البضاعة، اشتروا منه هذه البضاعة. فما حكم هذا الشراء إذا لم يعلموا، ولم تكن هنا قرينة تدل على أن هذه البضاعة المباعة مسروقة؟ فلا شيء على المشتري، لا شيء على المشتري؛ لأنه جاهل، لأنه جاهل. لكن إذا علم بأن هذه البضاعة مسروقة، أو هناك قرينة تدل على ذلك، والقرينة مثل: مثلًا أن يبيعها هذا البائع بثمن بخس، يشتريها أو يبيعها بثمن ليس ثمنها الحقيقي، فهذا يدل على أن في الأمر شيئًا. أو علم أن هذا الشخص مجرم مشهور بالسرقة، ومشهور بأخذ أموال الناس، أو نحو ذلك، فهذا أيضًا ينتبه المشتري. بعض الناس مثلًا إذا بحثوا عن البضاعة هذه المسروقة، ووجدوها عند شخص آخر، قال له: "أنا اشتريت"، قال: "طيب، بكم اشتريت؟"، قال: "اشتريت بكذا وكذا"، ثمن ما هو حتى نصف ثمن هذه البضاعة، الجوال أو نحوه، فيقال له: "كيف أنت يعني اشتريت هذا الجوال بهذا الثمن، وأنت تعلم أنه ما هو حتى نصف ثمنه؟" هذا يورد في نفسك الشك: لماذا يعني ثمنه بهذا الثمن؟ لأن السارق ما يبالي، فأعظم أهم شيء يأتي بقات يومه، إذا حصل هذا القات باع هذا الجوال بثلاثة آلاف، الذي يخزنه اليوم، وإن كان سعر هذا الجوال ثمانين ألفًا أو مئة ألف، ما يبالي، أهم شيء: الشيطان الآن راكب على رأسه يريد أن يخزن، فيبيع هذا الجوال بأي سعر، بأي سعر، ولا يبالي. فهذه المسألة ينتبه لها. وإنما يجوز هذا البيع إذا لم يعلم المشتري بأن هذه البضاعة مسروقة، أو مغصوبة، أو أن هذه البضاعة ليست ملكًا للبائع، لا بد من هذه القيود. قال: "ومنها: الحذر من الخلوة بالنساء الأجنبيات، وخصوصًا التي يخشى منهن الفتنة، والحذر أيضًا من المحبة التي يخشى ضررها". فإن امرأة العزيز جرى منها ما جرى بسبب توحدها بيوسف، وحبها الشديد له الذي ما تركها حتى راودته تلك المراودة، ثم كذبت عليه، فسجن ذلك السجن الطويل. وهذا في غاية الوضوح. الحذر من الخلوة بالنساء قد حذر الشرع من ذلك، قال عليه الصلاة والسلام: «إياكم والدخول على النساء»، إياكم، احذروا الدخول على النساء والخلوة بهن. حتى قال: قال يا رسول الله: "أرأيت الحمو؟" الحمو: قريب الزوج، ابن عمه، أخوه، خاله، عمه، هذا ليسوا بمحارم لزوجته. فقال: «أرأيت الحمو؟» لأن قريب الزوج كثيرًا ما يتردد إلى بيت قريبه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمو الموت»، لأن أمره لا يستنكر إذا خرج من البيت أو دخل. قالوا: هذا بيت ابن أخيه، أو هذا بيت أخيه، أو هذا بيت ابن عمه، لا يستنكر الناس ذلك، ولا يكشف أمره، فهو غاية في الخطورة. فالحذر من الخلوة بالنساء. وفي هذا الزمان تعددت أصناف أنواع الخلوة بالنساء، نظرا لانتشار الفتن المعاصرة. فمن الخلوة بالنساء: الخلوة في الوظائف. فمن الفتن التي ابتلي بها هذا الزمان: توظيف النساء عند الرجال، سواء كان في المستشفيات، أو في المدارس، أو في الدوائر الحكومية الأخرى. كم من مصائب وقعت بسبب تلك الخلوات! لك أن تتصور امرأة يقال: "مساعدة صحية"، عندها نوبة في الليل من الساعة التاسعة ليلًا إلى الساعة السادسة صباحًا، ورجل عنده نوبة نفس هذا الوقت، كيف سيلتقون في مكان واحد، في غرفة واحدة، في ظلمة الليل، والعياذ بالله؟ وقد أمرنا بالتعوذ من ظلمة الليل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. نعم، حذرنا، يعني: أمرنا بالاستعاذة من ذلك، لما يكون في الليل من الخلوة والستر بظلام الليل ونحو ذلك. فهذا من الابتلاءات، ومن الفتن. مدير عنده سكرتيرة، مكتب مكتب آخر صغير بجانبه فيه امرأة، لو أحد يريد أن يدخل على المدير عن طريقه. طبيب وعنده مسجلة امرأة، إذا ما في يوجد مرضى هي بجانبه. هذا كله من الخلوة بالنساء. والحل في ذلك: أن يفصل الرجال من النساء. لا نقول: لا يجوز للمرأة أن تعمل في باب الطب، أو في باب التدريس، لكن بشرط أن تكون بعيدة عن الرجال، تداوي النساء في مستشفى خاص بالنساء، أو في قسم خاص بالنساء لا يدخل عليهن الرجال، تدرس النساء في مدرسة خاصة بالنساء، لا يكون المدير رجلًا والطالبات والمدرسات من النساء، ما يكون مدير والسكرتير امرأة، لا يكون رجل والسكرتير يكون رجلًا، إن كان ولابد يريد ينظم حركة دخول الناس إليه يكون رجلًا، تكون امرأة. في الطائرة: السائق رجل والمضيف امرأة، وليست أي امرأة، تختار اختيارًا. هذا كله من الفتن، ومن الخلوة بالنساء. وأعظم من ذلك اليوم، وهو في متناول الجميع: الخلوة بالجوال. هذا في الحقيقة هو من الخلوة بالنساء. إنما يخلو بجواله من مواقع، أو من كذلك من مواقع، أو من مجموعات، أو من برامج فيها عرض النساء الفاتنات، أو الأفلام الخليعة الإباحية، أو نحو ذلك. فمن خلوة بجواله، فإن كان من أهل التقوى والإيمان والخوف من الله، لعله ينجو. وأما من ضعف عنده، ضعفت عنده هذه الأمور، فلا تسل عن عظيم وقوعه في هذه الفتنة، فتنة الخلوة بالنساء، بل والمراسلات، مراسلة الشباب للنساء، هذا أيضًا يشكو منها كثير من الآباء ومن الناس. يراسل الشاب الشابة، ولربما التقى بها بعد مراسلات طويلة ومراودات عديدة، هذا من هذا الباب. فالحذر من ذلك. إن عرفت من نفسك أنك لا تقوى على الصبر، وعلى البعد عن الوقوع في هذه الفتن، فاترك هذا الجوال، فإنه سيكون سببًا في فسادك، وفي خرابك، وفي انحرافك، والعياذ بالله. هذه نصيحة من المؤلف: الحذر من الخلوة بالنساء الأجنبيات، بالنساء الأجنبيات. انظر إلى هذه المرأة، امرأة العزيز، ما هو سبب وقوعها في هذه الفتنة، ومراودة يوسف؟ لأنه عندها في بيتها، وهو خادم لها، وهي متوحدة به، كما ذكر المؤلف هنا، مع حسن يوسف عليه السلام، فغرها الشيطان، ووقعت في هذه المراودة، وأرادت الشر، فعصم الله عز وجل نبيه يوسف عليه السلام. طيب، نكتفي بهذا، وإلينا اشتركوا في القناة.