التعليق على كتاب فضل الصلاة على النبي للإمام إسماعيل بن إسحاق المالكي 2

الدرس في التعليق على كتاب فضل الصلاة على النبي للإمام إسماعيل بن إسحاق المالكي 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شرح أحاديث فضل الصلاة على النبي وتوضيح إسنادها

يشرح المقطع أحاديث من رسالة الإمام إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي حول فضل الصلاة على النبي ويبين ضعف إسناد أحد الأحاديث وتحسينه بشواهده. كما يشرح معنى مضاعفة الأجر والثواب للصلاة على النبي.

فضل الصلاة على النبي ورفع الدرجات

يذكر الحديث فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يرفع الله المصلي عشر درجات ويصلي عليه عشر مرات. كما تصلي عليه الملائكة وتثني عليه في الملأ الأعلى، مما يشمل مضاعفة الصلاة ورفع الدرجات ونيل الثناء من الملائكة.

مشروعية سجود الشكر وفضل الصلاة على النبي

يشرح المقطع حديثين نبويين صحيحين يتعلقان بفضل الصلاة على النبي، حيث يبين الأول أن من يصلي على النبي يصلي عليه الله. ويتطرق إلى مشروعية سجود الشكر عند حصول نعمة أو دفع نقمة، ويبين الثاني أن من يصلي على النبي مرة واحدة يصلي الله عليه عشر مرات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد بدأنا بالأمس بالقراءة في رسالة «فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» للإمام إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي، رحمه الله، المتوفى سنة 282 للهجرة. وقد جمع فيه المصنف، رحمه الله، جملة من الأحاديث في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وما يتحصل عليه المسلم من أجر عظيم وثواب كبير، وكذلك أيضا ما يتحصل عليه من رفع الدرجات وتكفير الذنوب والخطايا والسيئات. قال المصنف، رحمه الله: حدثنا إسحاق بن محمد الفروي، قال: حدثنا أبو طلحة الأنصاري، عن أبيه، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي طلحة، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا، فليكثر عدد ذلك أو ليقل». وهذا الحديث إسناده ضعيف، في إسحاق الفروي فيه ضعف، وأبو طلحة الأنصاري فيه جهالة، إلا أن الحديث حسن بشواهده. وقوله: «من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا»، كما مر معنا في الدرس الماضي، مضاعفة الأجر والثواب في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. وأن المسلم إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم صلاة واحدة، صلى الله عليه بها عشرا، أي عشرة صلوات. قال: «فليكثر عدد ذلك أو ليقل»، إذا شاء أن يكثر من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، فيكثر له الأجر والثواب ومضاعفة الصلوات عليه، أو ليقل من ذلك، إذا قلل من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، قل له هذا الأجر والثواب. قال: وحدثنا عبد الله بن مسلمة، قال: حدثنا سلمة بن وردان، قال: سمعت أنس بن مالك، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يتبرز -والبراز المراد به قضاء الحاجة- يعني خرج إلى الخلاء ليقضي حاجته عليه الصلاة والسلام، وموضع قضاء الحاجة يسمى برازا، ويسمى الخلاء، ويسمى قضاء الغائط، ونحو ذلك من المسميات- قال: فلم يجد أحدا يتبعه، وكان الصحابة -رحمهم الله- يحبون خدمة النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا خرج إلى الخلاء تبعه بعض الصحابة بالماء الذي قد يحتاج إلى الاستنجاء به، أو كذلك يتبعه بالحربة التي كان يضعها ويستتر بها. قال: فلم يجد أحدا يتبعه، فهرع عمر فتبعه بمطهرة -يعني إداوة، إداوة إناء من جلد يوضع فيه الماء- قال: فوجده ساجدا في شربة -والشربة هي الأرض ذات الحشيش ليس فيها شجر- قال: فتنحى عمر فجلس وراءه حتى رفع رأسه، قال: فقال: «أحسنت يا عمر حين وجدتني ساجدا فتنحيت عني، إن جبريل عليه السلام أتاني فقال: من صلى عليك واحدة صلى الله عليه عشرا ورفعه عشر درجات». وهذا الحديث الصيح منه المرفوع؛ لأن له شواهد كثيرة، وهو قوله: «من صلى عليك واحدة صلى الله عليه عشرا ورفعه عشر درجات». وهذا فيه فضيلة زائدة عن مضاعفة الصلاة عليه على المصل على النبي عليه الصلاة والسلام، أنه كذلك يرفع عشر درجات، يرفعه الله عز وجل، أي من صلى على نبيه عليه الصلاة والسلام يرفعه الله جل وعلا عشر درجات. قال: وحدثنا يعقوب بن حميد، قال: حدثني أنس بن عياض، عن سلمة بن وردان، قال: حدثني مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر بن الخطاب، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يتبرز، فاتبعته بإداوة، فوجدته قد فرغ، ووجدته ساجدا لله في شربة، فتنحيت عنه، فلما فرغ رفع رأسه، فقال: «أحسنت يا عمر حين تنحيت عني، إن جبريل أتاني فقال: من صلى عليك صلاة صلى الله عليه عشر ورفعه عشر درجات». قال: وحدثنا عاصم بن علي، قال: حدثنا شعبة بن الحجاج، عن عاصم بن عبيد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد يصلي علي إلا صلت عليه الملائكة ما صلى علي، فليقل من ذلك أو ليكثر». والحديث في إسناده الضعف، إلا أنه حسن في الشواهد. وهذا المتن فيه أن من صلى على النبي عليه الصلاة والسلام صلت عليه الملائكة، «ما من عبد يصلي علي إلا صلت عليه الملائكة»، يعني أثنت عليه الملائكة في الملأ الأعلى وذكرته بالخير والثناء، وهذه فضيلة كذلك ينالها المصلي على النبي عليه الصلاة والسلام، فالله عز وجل يصلي عليه كما في الأحاديث التي مرت معنا، وهكذا الملائكة تصلي عليه وتثني عليه في الملأ الأعلى، «إلا صلت عليه الملائكة ما صلى علي»، يعني كلما أكثر من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام كلما صلت عليه الملائكة، «فليقل من ذلك أو ليكثر»، أي من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمر بن أبي عمرو، عن عبد الواحد بن محمد، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فأطال السجود، قال: «أتاني جبريل، قال: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكرا». والحديث صحيح بمجموع طرقه، كما قال علامة الألباني، رحمه الله. ففي هذا الحديث أن عبد الرحمن بن عوف أتى النبي عليه الصلاة والسلام وهو ساجد، فطال النبي صلى الله عليه وسلم السجود، يعني على غير المعتاد إطالة شديدة، ثم لما رفع رأسه أخبره بأن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «من صلى عليك صليت عليه»، قال: «ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكرا». وجبريل هو أشرف الملائكة وأفضل الملائكة، وهو الموكل بالوحي، هو الواسطة بين الله عز وجل وبين أنبيائه ورسله، ولهذا خص بالذكر في مواضع كثيرة من القرآن مع ذكر عموم الملائكة، خص ذكر جبريل عليه السلام من بينهم، ﴿قل من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين﴾، وهكذا أيضا في قوله جل وعلا: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها﴾، هو جبريل عليه السلام، وغير ذلك من الآيات الكثيرة. فلما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك أن المصلي على النبي عليه الصلاة والسلام والمسلم عليه يصلي عليه جبريل ويسلم عليه، سجد النبي صلى الله عليه وسلم لله شكرا. وكان هذا السجود سجود شكر، وسجود الشكر يكون عند حصول نعمة أو دفع نقمة، ففي هذا الحديث مشروعية سجود الشكر إذا حصلت للإنسان نعمة كرزق بالولد، أو عوفي من مرض، أو ربح في تجارة، أو شيء من ذلك من أمور التي يفرح بها ويسر بها، فيسجد لله شكرا، أو إذا دفع الله عز وجل عنه نقمة ومصيبة كأن يسلم من حادث أو نحو ذلك، فيسجد لله شكرا، هذا يسمى سجود الشكر. قال: وحدثنا أبو ثابت، قال: حدثنا عبد العزيز، عن أبي حازم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: «من صلى علي صلى الله عليه عشر». والحديث صحيح. قال: وحدثنا عيسى بن ميناء، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشر». وهذا كذلك الحديث صحيح. فهذه الأحاديث كلها تدل على فضل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وأن أجرها مضاعف، وأن من صلى صلاة واحدة صلى الله عليه عشرا، وصلت عليه الملائكة، وأثني عليه في الملأ الأعلى، وضعف له الأجر والثواب، وكلما أكثر من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام كلما ضعف له في الأجر والثواب، وإذا قلل من ذلك قلل له الأجر والثواب. نكتفي بهذا القدر، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.