الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 87، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تتمثل آيات الأنبياء في براهين قاطعة تزيد المؤمنين إيماناً وتهديهم للحق، بينما مطالب المشركين بآيات محددة ليست إلا تعنتاً وعناداً لا رغبة في الهداية. لو استجيب لطلبهم لاستمروا في كفرهم أو عُجلت لهم العقوبة، مما يدل على فساد قصدهم.
اختص الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالقرآن معجزة خالدة تحدى بها فصحاء العرب فأعجزهم عن الإتيان بمثله أو معارضته. رغم وضوح البرهان، أصر المكذبون على طلب آيات حسية تعنتاً، وكذبوا بآية انشقاق القمر ووصفوها بالسحر.
امتنع الله عن إظهار الآيات على وفق طلب المكذبين لحكمة بالغة، إذ لو أجيبوا لاستمروا في عنادهم أو نزل بهم العذاب استئصالاً. الإيمان النافع عند الله هو التصديق بالغيب لا بالمشاهد، والاعتراض على تشريعه في إنزال الآيات كفر ومعاندة.
يتبين الفرق الجوهري بين حال المؤمن الذي تسكن قلبه الآيات القرآنية فتزيده يقيناً وتسليماً، وحال الكافر الذي يطلب الآيات تحدياً وتعجيزاً لا استبصاراً. يختم المتحدث بيانه مؤكداً كفاية ما ذُكر في إقامة الحجة وإيضاح السبيل.
نعم يقرأ. كما جاءت، فإذا جاءت ولم يؤمنوا عجلوا بالعقوبة الحاضرة، وأنه الجزم جزمًا لا تردد فيه أنها إذا جاءت آمنوا وصدقوا، وهذا قلب للحقائق وإخبار بغير الذي في قلوبهم. يبديها من الإبداء، أي: الظهور والوضوح، يبديها ويوضحها الباري، ويبتديها أي: يبدأ بها قبل أن يسبقها شيء من الابتداء، ويبتديها من الابتداء يعني: يبتدئ بها، يبتدئ بها دون أن تطلب، ودون أن يسبقها شيء، فيبديها: يظهرها، ويبتديها: يعني يبدأ بها دون تقدم سؤال أو آية مثلها. وأما قول: وأما ما أبداه المكذبون له، فأبداه بمعنى: أظهره واقترحه واغترحه، فليست آيات، يعني: هذه ليست بآيات حتى تظهر وحتى تتحقق. لماذا ليست آيات؟ سيأتي بيانه، سيأتي بيانه: لأن لا نفع في ظهورها، لا نفع في ظهورها؛ لأنهم قالوا ذلك تعنتًا وتكبرًا، ولو جاءت ما آمنوا، إذن ما الفائدة منها؟ فأهمتم هذا الآن: لا فائدة منها، فما اقترحه المشركون فليست آيات، وإنما هي تعنتات وتعجيزات. يعني: تعنت التعنت، بمعنى: الإصرار على الخطأ، تعنت فلان: أصر على الخطأ، أصر على الخطأ. وتعجيزات: يعني يريدون إعجاز النبي صلى الله عليه وسلم، كأنهم يقولون: أنت ما تستطيع لهذا، إذن أنت لست بنبي، أنت لست بنبي. فهذه ليست بآيات، هذه ليست بآيات، وهذه ما قالوها صدقًا، وكذلك رجوعًا إلى الحق، وإنما قالوها تعنتًا وتكبرًا وتعجيزًا. وقوله: وبهذا يعرف الفرق بينه وبين الآيات. إذا قيل لك: ما الفرق بين الآيات التي أيد بها النبي صلى الله عليه وسلم وبين ما طلبه المشركون من آيات؟ الفرق بينهما كما ذكر: أن الآيات التي أظهرها الله عز وجل على يد رسوله، هذه تدل على صدق الرسول وغيره من الرسل. فكل ما جاء به الرسول يدل على صدقه، بل وعلى صدق الأنبياء الذين قبله؛ لأنه أخبر بقصصهم ولم يحضر زمانهم، ولم يحضر زمانهم. قال العلماء: كل قصة ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، أو خبر من أخبار الأنبياء المتقدمين، فهذا فيه دليل من أدلة نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام؛ لأنه من أين أتى بهذه الأخبار وهو لم يحضر، وهو لم يقرأ، وهو لم يكتب؟ إذن هذا دليل على أنه تلقاها من ربه الذي يعلم الغيب والشهادة سبحانه وتعالى. فكل ما جاء به الرسول فهو دليل على صدقه وصدق الأنبياء الذين قبله، وأنها الأدلة والبراهين التي يلزم من فهمها على وجهها، أو يلزم من فهمها على وجهها، صدق ما دلت عليه ويقينه. بمعنى أن المؤمن الحق إذا قرأ الآية عن الرسول لا يتعنت، بل تزيده ماذا تزيده؟ إيمانًا. على سبيل المثال: علم المؤمن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم عليه حجر، هذا شيء خارق للعادة، صح، هذا دليل من دلائل نبوته. أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفور الماء من بين أصابعه، نؤمن بهذا، هذا يزيدنا ماذا يزيدنا؟ إيمانًا ويقينًا، هذا المؤمن. لكن الكافر إذا سمع هذه الآية تعنت وقال: لا، نحن نريد آية أخرى، كما مثل هنا: وقالوا: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا، نريد أن نراك تفجر لنا ينبوعًا. الله عز وجل قادر على هذا، وغير قادر على هذا، لكن لو فعل الله عز وجل هذا وهم لم يؤمنوا، ما قالوا هذا إلا تعنتًا، فهم يضرون أنفسهم في العاجل والآجل كما سيأتي. فما ذكره هنا: فإذا هذا هو الفرق، أن الدليل من دلائل النبوة هو برهان على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، فأهل الإيمان يزيدهم إيمانًا، وأما أهل الشقاق والعناد فما يزيدهم إلا نفورًا واستكبارًا، هذا هو الفرق. وقالوا: وبهذا المعنى ما أرسل الله من رسول إلا أعطاه من الآيات ما على مثل آمن البشر. كل الأنبياء أوتوا من الأدلة والبراهين، وهذا حديث في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «ما من نبي إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر». وإن الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، أي: القرآن، فهو أعظم دليل وأعظم معجزة أكرم الله عز وجل بها نبيه محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا معنى قوله: نعم، وبهذا المعنى ما أرسل الله من رسول لأعطاه من الآيات ما على مثل آمن البشر. وأما ما آت الله محمدًا صلى الله عليه وسلم فهي لا تحد ولا تعد من كثرتها، حتى أن العلماء ألفوا في ذلك المؤلفات، ومن أجملها وأحسنها وأنفعها كتاب شيخنا الإمام مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله، له كتاب اسمه: «الصحيح المسند من دلائل النبوة»، ذكر فيه أدلة كثيرة من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، فهي كثيرة جدًا. قال: فلم يبق لأحد من الناس بعدها عذر، يكفي هذا القرآن الذي تحدى الله عز وجل به فصحاء وبلغاء العرب، تحداهم أن يأتوا به سورة، أن يأتوا بعشر سور، أن يأتوا بمثله، وهم أعلى الفصاحة والبلاغة، فلم يستطيعوا. فلو كانوا منصفين لأذعنوا وانقادوا، وعلموا أن الذي جاء به هو رسول الله حقًا وصدقًا، حقًا وصدقًا، لكنه العناد والشقاق. قال: فعلم بذلك أن اقتراح المكذبين لآيات يعينونها ليست من هذا القبيل، يعني: ليست من الآيات التي تدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنها ما قيلت إلا عنادًا وشقاقًا. وإنما مقصودهم بهذا أنهم وطنوا أنفسهم على دينهم الباطل، يعني: يريدون البقاء على الدين الباطل، فلما لم تأت هذه الآية يقولون للناس: انظروا ما استطاع أن يأتي بهذا، إذن هو كاذب. هكذا يريدون؛ لأنهم ما أرادوا الحق، إنما أرادوا البقاء على ما هم عليه من الكفر والشرك. قالوا: عدم اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما دعاهم إلى الإيمان وأراهم شواهد الآيات، أرادوا أن يبرروا ما هم عليه عند الأغمار والسفهاء. الأغمار: يعني الجهال الذين يتبعونهم، الذين يتبعونهم بقولهم: يأتينا بالآية الفلانية والآية الفلانية، إن كنت صادقًا، وإن لم تأت بذلك فلا نصدقك. فهذه طريقة لا يرتضيها أدنى منصف. حتى بعضها للبدع والأهواء، نذكر في بعض الفتن: نقول لبعضهم: تكلم العلماء في هذا الأمر، وبينوا أن الخطأ وقع من هذا الشيخ مثلًا، فهم يقولون: لا نريد العالم الفلاني يتكلم. انتظرنا قليلًا، تكلم العالم الفلاني وخطأ شيخهم، قالوا: لا نريد العالم الفلاني. كل ساعة ينتقلون إلى عالم، لماذا؟ لأنهم ما يريدون الحق، هم يريدون البقاء على ما هم عليه من التعصب، أو من كذلك تصحيح ما عليه شيخهم. فهم يأتون بتعجيزات، كل ما تكلم شيخ، حتى تكلم العلماء جميعًا، فقيل لهم: من تريدون أن يتكلم؟ أي علماء تقصدون؟ ما يقصدون إلا شيخهم فقط الذي هو على هذا الخطأ وهذا الضلال. فهذا دليل على اتباع الهوى، دليل على اتباع الهوى. وهؤلاء مثلهم أهل العناد والشقاق، كلما جاءت آية طلبوا غيرها. كلما جاءت... يعني: طلبوا النبي صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر، فانشق القمر، هل آمنوا؟ لا، قال الله عز وجل: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾، ﴿وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر﴾. رأوا آية، قالوا: لا، هذا سحر. هذا دليل أيش؟ دليل يعني: العناد والشقاق، وأنهم ما أرادوا الحق، ما أرادوا الحق. فهذا معنى قوله: وأما قوله لأنهم وطنوا أنفسهم على الرضا بدينهم، يعني: الباطل، خلاص هم ما يريدون الانتقال من هذا الدين، فيبررون لما هم عليه بمثل هذه التبريرات، بمثل هذه التبريرات. وأما قوله: وأيضًا فهذا من جهلهم في الحال والمآل، يعني: لما يطلبون، لما يطلبون تلك الآيات، فهذا من جهلهم في الحال والمآل. كيف في الحال؟ الحال: بمعنى في نفس الوقت، الوقت الموجود الآن، والمآل في المستقبل، في المستقبل. فالحال: ما الذي يعني يضرهم بطلبهم لهذه الآيات؟ قال: فإن هذه الآيات التي تقترح وتعين، جرت العادة أن المقترحين لم يكن قصدهم الحق. هل لو جاءت هذه الآية... لو فجر لهم، لو فجر لهم صلى الله عليه وسلم ينبوعًا من الأرض، هل سيتبعوه؟ ما سيتبعوه. إذن ماذا سيحصل في الحال؟ قال هنا: لم يكن قصدهم الحق، فإذا جاءت ولم يؤمنوا عجلوا بالعقوبة الحاضرة؛ لأن يقال لهم: إما أن تأتوا بهذه الآية فتصدقوا بها وتؤمنوا بالرسول، وإما تبقوا على كفركم فتنزل عليكم العقوبة العاجلة. وهذا في المآل... هذا في المآل، وهذا في الحال، عفوًا، وهذا في الحال، يعني: في الزمن الموجود الآن. وأما المآل في المستقبل، ما هو الذي يضرهم في المستقبل؟ قالوا: أما المآل فإنهم جزموا جزمًا لا تردد في أنها إذا جاءت آمنوا وصدقوا، وهذا قلب للحقائق وإخبار بغير الذي في قلوبهم. فلو جاءتهم لم يؤمنوا إلا إن شاء الله، يعني: سيستمروا على عنادهم ولو بعد نزول هذه الآية. إذن ما الذي يعني... ما الفائدة من نزول هذه الآية؟ هذا لصالحهم لو لم تأت هذه الآية لصالحهم؛ لأن لو جاءت إما أن يعاقبوا في الحال، وإما أن يستمروا في باطلهم وتزداد عليهم الحجج والبراهين، وتزداد عليهم الحجج والبراهين. ثم مثل لبعض ما طلبه هؤلاء في قوله: وقالوا: ﴿لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا﴾. ينبوعًا: يعني ماء ينبع، ماء ينبع من الأرض هكذا يسيل. هذا طلب. طلب آخر: ﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة﴾، قالوا: أنزل علينا الملائكة، خلينا نشوف الملائكة. هؤلاء طيب. ﴿وكلمهم الموتى﴾، قالوا: اجعل الموتى يكلموننا، ترجع إليهم أرواحهم. ﴿وحشرنا عليهم كل شيء قبلًا﴾، يعني: حشرنا عليهم ما يقابلهم، يكون أمام وجوههم، أمام وجوههم. هم طلبوا هذه الأشياء، وهذا كلها قلنا: تعنتات، كلها ماذا؟ تعنتات. وطلبوا أشياء كثيرة كما في سورة الفرقان، وفي سورة الأنعام أيضًا. قالوا أيضًا: إذا تدبرت الاقتراحات التي عينوها لم تجدها في الحقيقة من جنس البراهين، ولما هي لو فرض الإتيان تكون شبيهة بآيات الاضطرار التي لا ينفع الإيمان معها. ومعنى: لا ينفع الإيمان معها، لأن من أعظم وأبرز صفات أهل الإيمان الإيمان بالغيب. فلو رأوا مثل هذه الآيات وآمنوا مثلًا، كان إيمانهم ليس عن يعني عقيدة في قلوبهم بما يخبر الله عز وجل به من أمور الغيب، وإنما بشيء شاهدوه بأم أعينهم. واضح هذا الآن؟ هذا معنى قوله: لا ينفع الإيمان معها، ويصير شهادة. شهادة: بمعنى شيء مشاهد، لا شيء من أمور الغيب. عالم الغيب والشهادة: الغيب ما خفي، والشهادة ما رؤي وشوهد. واضح. قال: وإنما الإيمان النافع هو الإيمان بالغيب. فكما أنه المنفرد بالحكم بين العباد إلى آخره، يريد أن يقول: أنت الآن أيها المؤمن، يأمرك الله بأوامر: صلي كذا، صوم كذا، افعل كذا، هذا حلال، هذا حرام. هل لك أن تعترض وتقول: لماذا؟ ما نزيد في الحلال، ما نزيد في الحرام، ما نزيد في العبادة؟ هل لك أن تعترض؟ فكما أنك تؤمن أن الحكم لله وحده والتشريع لله وحده، كذلك يجب عليك أن تؤمن أن إظهار الآيات لله وحده، ما تقترح على الله لا في شرعه ولا في فعله سبحانه وتعالى وقدره. فهذا خلاصة ما أراده من ذكر هذا الكلام، يعني: كما أنك لا تعترض في حكم الله، فكذلك لا تعترض في الآيات التي أنزلت على الأنبياء. ثم استدل بهذه الآية: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحي إلي ولم يوحي إلي شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله﴾. فمن أراد أن ينزل مثل ما أنزل الله، سواء كان من التشريع أو من الآيات، هذا لا أحد أظلم منه؛ لأنه معترض على شرع الله، معترض على فعل الله، معترض على قدر الله. فما يعترض على قدر الله إلا الكافرون المشاقون المعاندون. أما المؤمن فيسلم ويقول: ربنا سمعنا وأطعنا. فهذا هو الفرق بين إيمان المؤمن بتلك الآيات وبين ما يطلبه الكفار من الآيات التعجيزية، كما سمعت في هذه القاعدة. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، الله تعالى.