التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 85

التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 85

الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 85، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قاعدة تعميم الأحكام في الآيات الواردة لأسباب خاصة

توضح القاعدة أن الآيات النازلة في حالات خاصة تحمل أحكاماً عامة تشمل كل من اتصف بالوصف المذكور. وقد مثل لذلك بآيات التائبين والمستكبرين والنجاة من كرب البحر.

التوفيق بين علم الله الأزلي وآيات تعليق العلم على وجود العمل

يقرر النص أن علم الله أزلي ولا يتغير، وأن آيات (ليعلم الله) و(لنبلونكم) تعني علم الجزاء المترتب على الأعمال لا جهلاً سابقاً. واستدل لذلك بآيات الصيد والقبلة والحديد والمنافقين.

حكمة تحريم الصيد في الإحرام وتفسير "ليعلم الله" في آيات الابتلاء

يبين المقطع أن تحريم الصيد على المحرم ابتلاء لتمحيص المؤمنين، وأن عبارة (ليعلم الله) تفيد علم الثواب والعقاب المترتب على الأعمال. واستشهد بآيات تحويل القبلة ونزول الحديد وامتحان المؤمنين والمنافقين.

  • 28 جمادى الأولى 1445هـ - 10/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

نعم يقرأ نعم يقرأ نعم يقرأ نعم يقرأ نعم يقرأ نعم يقرأ نعم يقرأ نعم يقرأ نعم يقرأ نعم يقرأ والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه وبعد، هذه أيضا قاعدة كما ذكر تعد من أسرار القرآن وبدائعه وأكبر دليل على إحكامه وانتظامه العجيب لأنه من عزيز حكيم سبحانه وتعالى فإذا كان سياق الآيات في أمور خاصة، خاصة بمؤمن تاب من نفاقه أو من كذلك كافر بقي على كفره واتصف بصفات معينة، هذا خاص، حكم خاص كما سيأتي في الأمثلة، هذا قصد حالة خاصة، طيب أمر خاص بأفراد خاصين، فالله سبحانه وتعالى لا ينزل حكمه عليهم خاصة بل على كل كافر أو على كل مؤمن، والعلة في ذلك كما ذكر حتى يحكم لهم حكم عام، طيب فيشملهم هذا الحكم ويشمل غيرهم، ولا يظن أن الحكم خاص بهذه الطائفة فقط التي وردت الآية بذكرهم. مثال ذلك في ذكر المنافقين وذنوبهم، قال الله عز وجل مستثنيا منهم التائبين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، ما قال: «وسوف يؤتيهم الله أجرا عظيما»، وإنما قال: «وسوف يؤتي الله المؤمنين»، فلفظة «المؤمنين» هنا هل هي خاصة بذكر هذا المؤمن التائب الذي كان منافقا فآمن وتاب؟ لا، هذا الحكم عام لكل مؤمن، طيب لماذا؟ ما قال الله سبحانه وتعالى: «وسوف يؤتيهم الله أجرا عظيما»؟ من بديع القرآن وإحكامه وأنه لا نقص فيه ولا كذلك عيب فيه، لا في معناه ولا في ألفاظه، لو قال: «وسوف يؤتيهم الله أجرا عظيما» لظن ظان أن هذا الحكم خاص بهم دون غيرهم من المؤمنين، وهذا الحكم في الحقيقة ليس خاصا، ليس خاصا بهم بل هو لكل مؤمن، فقال الله عز وجل: «وسوف يؤتي الله المؤمنين»، طيب إيش ليش ذكر المؤمنين هنا عامة ولم يذكرهم خاصة؟ لهذا السبب، لأن أجر الإيمان ليس خاصا بطائفة دون أخرى بل هو بكل مؤمن، بل هو لكل مؤمن. هذا مثال، مثال آخر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ إلى آخر الآية، إلى قول: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾، أولئك يعود على من؟ على من اتصف بهذه الصفات: يكفر بالله ورسله، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله، ويقولون: «نؤمن ببعض ونكفر ببعض»، هذا صنف من أصناف الكفار، وبعضهم عنده صفات أشد من هذه، وبعضهم أقل من هذه، الكفر درجات، فلم يقل الله عز وجل: «وأعتدنا لهم عذابا مهينا»، وإنما قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾، ليشمل ذلك ماذا؟ كل كافر، سواء كان اتصف بهذه الصفات أو زاد عليها أو نقص عنها، فكل كافر يعد الله عز وجل له عذابا مهينا، وهذا من بلاغة القرآن، من بلاغة القرآن. وذكر مثالا ثالثا في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنجِيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾، هذه وردت في سياق كربة: اشتداد الرياح وتلاطم الأمواج، فقال الله عز وجل: «ينجيكم منها»، ربما يفهم من قوله «ينجيكم منها» أن الله ينجي فقط من هذه الكربة ولا ينجي من غيرها، فذكر الحكم العام فقال: «ومن كل كرب»، ليس من هذه، إذا كنتم في البحر أو في البر أو في الجو أو في أي كربة من الكرب، إذا توجهتم إلى الله وأخلصتم الدعاء لله، فالله عز وجل ينجيكم منها، ليس من هذه الكربة فقط، فهذا أيضا ما خصص هذه الكربة التي ذكرت: «قل الله ينجيكم منها» من هذه الكربة فقط، بل ومن كل كرب. وضع هذا الآن، نعم يقرأ نعم يقرأ، والماضي والمستقبل، وقد علم ما العباد عاملون قبل أن يعملوا الأعمال، وقد ورد عدة آيات يخبر بها أن الله شرع كذا أو قدر كذا، ووجه هذا أن هذا العمل الذي يترتب عليه جزاء، وأما علمه بأعمال عباده وما العاملون قبل أن يعملوا فذلك علم لا يترتب عليه جزاء، لأنه إنما يجازى على ما وجد من الأعمال، وعلى هذا الأصل نزل ما يرد عليكم من الآيات، فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾، وقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾، وقوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾، وقوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾، وما أشبه هذه الآيات كلها على هذا الأصل. طيب، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، وبعد، الله سبحانه وتعالى كما ذكر أنه تقرر في الكتاب والسنة والإجماع أن الله بكل شيء عليم، وقد علم ذلك قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمس مئة ألف سنة، فالله عز وجل يعلم ما العباد عاملون قبل أن يخلقهم وقبل أن يوجدهم وقبل أن يعملوا أي عمل، فهو يعلم بالعالم العلوي والسفلي، ما يوجد في العالم العلوي من الملائكة والخلق الذي لا يعلمهم إلا الله، والسفلي الأرض من الإنس والجن والحيوانات ونحوها، والظواهر والبواطن، الأعمال الظاهرة والباطنة، الخفية والجليات، والخفيات، كذلك الجليات والواضحات والخفيات يعني التي فيها من السر، والماضي والمستقبل، يعني الأعمال التي مضت والأعمال التي ستأتي في المستقبل. طيب، قد يرد إنسان إيراد أو يورد إنسان إيراد يقول: طيب، إذا كان الله يعلم الأعمال قبل أن نعملها، فلماذا يقول الله عز وجل بعد ذكر بعض الأعمال: «ليعلم الله» أو «لنعلم»؟ لماذا يقول ذلك بعد أن تحدث هذه الأعمال؟ هل معنى أن الله ما يعلم هذه الأعمال إلا بعد حدوثها كما هو قول القدرية؟ لا، ليس الأمر كذلك، فإذا فهمنا هذه القاعدة زال هذا الإشكال، فقال المؤلف هنا: متى علق الله علمه بالأمور بعد وجودها؟ هل الله يعلمها قبل وجودها؟ نعم، يعلمها قبل وجودها، طيب، إذا علق علمه بعد وجودها، ليس المراد أنه كان يجهلها عز وجل وتقدسا أن يكون كذلك، وإنما المراد بذلك العلم الذي يترتب عليه الجزاء، العلم الذي يترتب عليه الجزاء، إيش معنى العلم الذي يترتب عليه الجزاء؟ يعني أن الله عز وجل يجازي العباد بقدر امتثالهم وعدم امتثالهم، فمن امتثل جزاه الجزاء الحسن، ومن لم يمتثل جزاه الله الجزاء السيء. فهذه القاعدة، هذه القاعدة مفادها أن ذكر العلم بعد وجود العمل المراد به ترتب الجزاء، وذكر على ذلك أمثلة، من تلك الأمثلة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾، هذه الآية نزلت في ماذا؟ في المحرم، المحرم بحج أو عمرة لا يجوز له صيد البر، لا يجوز له أن يصيد في البر، لا أرنب ولا غزال ولا حمر وحشية ولا شيء من ذلك، فما هي الحكمة من هذا التحريم؟ الإبتلاء، قال: «ليبلونكم الله»، أنكم ترون الصيد أمامكم تناله أيديكم، الصيد الصغير يأتي عندهم يمكن الواحد يمسكه بيده ويأخذ السكين ويذبحه، ابتلاء من الله، «ورماحكم» الصيد البعيد الكبير بالرماح، ليس بالجري خلفه ولا شيء أمامك، تقول بالرفع هكذا تصيبه، ابتلاء من الله، لماذا؟ وقد وقع هذا للصحابة في غزوة الحديبية وهم محرمون، طيب لماذا قال: «ليعلم الله من يخافه بالغيب»؟ طيب، ذكر الله علمه الآن بعد وقوع هذا الأمر وهو الابتلاء بهذا الشيء، هل معنى أن الله ما علم ذلك من قبل؟ لا، علم الله ذلك من قبل، لكن علمه من قبل لا يترتب عليه الجزاء، أصلا ما وقع الابتلاء، ما وقع الشرع، ما وقع الحكم، الله يعلم هذا الحكم قبل وقوعه، فالحكم الذي قبل وقوعه ما يترتب عليه جزاء، واضح، لكن متى يترتب الجزاء؟ بعد وقوع الحكم، فذكر العلم بعد وقوع الحكم يدل على أيش؟ يدل على ترتب الجزاء، فمعنى قولي: «ليعلم الله من يخافه بالغيب» أي: فيجازي من يمتثل ويعاقب من لم يمتثل، فهمتم هذا الآن؟ هذا هو المراد بالعلم في هذه الآية، وليس المراد بالعلم قبل الجهل، فهذا منتف عن الله عز وجل، واضح هذا الآن. قال: وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾، أول ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة أمر أن يتوجه إلى بيت المقدس، ستة أشهر وهو يصلي إلى بيت المقدس، ثم جاء الأمر لتحويل القبلة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن تكون قبلته إلى البيت الحرام، إلى البيت الحرام، فالله عز وجل أولا جعل القبلة بيت المقدس ليعلم من يتبع الرسول وممن ينقلب على عقبيه، يعني من من لا يستجيب لذلك، فيجازي من استجاب بالجزاء الحسن، ويعاقب من لم يستجب بالجزاء السيء، فالعلم هنا المراد به علم الجزاء، وإلا فالله عز وجل يعلم قبل وقوع هذا الحكم في علمه الأزلي من يستجيب ومن لا يستجيب، صح، يعلم ذلك، لكن المراد بالعلم هنا علم ماذا؟ علم الجزاء، علم الجزاء يعني من يترتب عليه من الجزاء. وذكر مثالا ثالثا: وقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾، أي: فيجازي من ينصره ويعاقب من لا ينصره، فالمراد هنا بالعلم ما يترتب على هذا العلم من الجزاء، ما يترتب على هذا العلم من الجزاء. ثم ذكر مثالا رابعا: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾، فيجازي أهل الإيمان بالجنة، ويجازي أهل النفاق النار، واضح، فالمراد بالعلم هنا ما يترتب عليه من الجزاء، وإلا فالله عز وجل يعلم في علمه الأزلي من هم المؤمنون ومن هم المنافقون، ها؟ نعم. ثم ذكر مثالا سادسا: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾، وهذا أيضا كسابقه، كسابقه، فالمراد به الجزاء، المراد به ما يترتب عليه من الجزاء، فهذه قاعدة نافعة وبها يزول إشكال قد يطرأ على عقول بعض الناس: كيف الله عز وجل يقول بعد وقوع الأعمال: «ليعلم»؟ هل معنى أنه ما كان يعلم؟ تعالى الله عن ذلك، فعلمه أزلي، ولكن المراد بالعلم بعد وجود الأعمال أو وجود الأمور ما يترتب عليه من الجزاء، ما يترتب عليه من الجزاء، هذا هو مختصر هذه القاعدة وبه نكتفي، وإلى هنا والله تعالى أعلم.