الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 41، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع آراء القدرية والمعتزلة ويبين بطلان مذهبهم، كما يتناول آراء الجبرية في القضاء والقدر ويوضح الفرق بينهم وبين أهل السنة.
يتناول المقطع آراء الجبرية في القضاء والقدر، بينما يرى أهل السنة أن الفعل هو فعل العبد ولكن الخلق هو لله، ويوضح الفرق بين المفهومين.
يناقش المقطع مفهوم الكسب عند الأشاعرة ويشير إلى غرابته وعدم معقوليته، كما يرد على شبهة حول اعتبار الشخص الضعيف في حمل شيء ما.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال ابن القدام رحمه الله: ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل. قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. مثلما ذكرنا قبل في الدرس الأخير القدرية الذين خالفوا في مسألة القدر، الذين سماهم العلماء نفات القدر، وهم معتزلة. وذكرنا أنهم على قسمين: غلاة وغير غلاة. والغلاة هم الذين أنكروا المراتب الأربع، وغير الغلاة الذين أنكروا الخلق والمشيئة، وقالوا: إن لكل عبد مشيئة، ولا دخل لله عز وجل في فعل العبد. فهم يثبتون أن العبد يخلق أفعال نفسه، وهذا مذهب باطل؛ لأنهم يجعلون العبد يخلق وأنه هو الذي يتصرف في الفعل. ولهذا شبههم العلماء بالمجوس، بل ذكر الخطاب رحمه الله أن فرقة من فرق القدرية يقولون: إن الله عز وجل يخلق الخير ولا يخلق الشر. يقولون: إن الله يخلق الخير، أفعال الخير يخلقها الله، وأفعال الشر لا يخلقها الله. وهذا كما قلنا يشبه قول المجوس الذين يقولون بأن خالق النور هو الله وخالق الظلمة هو الشيطان. يقولون: الشيطان خالق الظلمة، والله عز وجل خالق النور، فيجعلون الشيطان له التصرف وأنه يخلق. وهؤلاء جعلوا العبد أيضا يخلق، سواء كان يخلق فعل نفسه كما هو قول المعتزلة المشهور عنهم، فجعلوا كل العباد يخلقون، أو أنه يخلق الشر، يخلق الشر. وهذا أيضا باطل. ولهذا يقولون: لما دخل أبو سحاق النيسابوري على بعض الأمراء وكان عنده رجل من المعتزلة، فلما دخل أبو سحاق، فقال هذا المعتزلي: «سبحان الذي تنزه عن الفحشاء، تنزه عن الفحشاء عن أنه لا يخلق الفحشاء ولا يخلق الشر». هكذا يريد. فقال أبو سحاق: «سبحان الذي يفعل في ملكه ما يشاء». أراد أن يرد عليه بهذا على أن الله عز وجل يفعل في ملكه ما يشاء، يخلق الخير ويخلق الشر بحكمة منه سبحانه وتعالى، لكن هؤلاء لم يعرفوا هذه الحكمة وتركوا نصوص الكتاب والسنة. ومقابلهم فرقة تسمى الجبرية، ورأس هذه الفرقة هم الجهمية. الجهمية في مسألة القضاء والقدر جبرية، يقولون: إن الإنسان مجبور على الفعل، أن الإنسان مجبور على الفعل وليس له دخل في الفعل. ولهذا قال المؤلفون: ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامر واجتناب النواهي كما هو قول الجبرية. الجبرية يقولون: إن العبد ليس له دخل في الفعل، وإنما الفعل فعل الله والخلق خلق الله. والفرق بينهما بين أهل السنة: أهل السنة يقولون إن الخلق خلق الله، والفعل فعل العبد، العبد هو الذي يفعل فعله حقيقة، لكن الذي يخلق الفعل هو الله؛ لأنه لا يقع شيء في الكون إلا بإذن الله جل وعلا وبخلقه سبحانه وتعالى. فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وما يكون إلا ما يشاء جل وعلا: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. فكل شيء تحت مشيئة الله عز وجل النافذة. لكن هؤلاء الجبرية قالوا: بأن العبد كالريح أو كالريشة في مهب الريح، أو يقولون كالميت في يد المغسل؛ لأنه لا إرادة له. والذي يحزن والذي يؤلم أن هذا الجبر قال به الأشاعرة الذين يظنون أنفسهم أنهم من أهل السنة أو أقرب الناس إلى أهل السنة. لكن قالوا بالجبر، قالوا بمذهب غريب في الجبر، قالوا بمذهب غريب في الجبر وهو ما يسمونه بالكسب. وهذا الكسب مذهب غريب، لم يعلم أحد قاله قبلهم. ويقولون: إن الكسب معناه أن العبد في ظاهره أنه مختار، وأصله مجبور. لكن هذا لو جئت في حقيقته غير موجود في الواقع. كيف ظاهره الاختيار وأصله مجبور؟ ولهذا قال بعض العلم في أبيات ذكرها الشيخ السلام ابن تيمية في عدة أماكن، فذكر رحمه الله أنه يقال: «ولا حقيقة تحته معقولة تذنو إلى الأفهام». معناه: ليست معقولة ولا تدخل في العقل كما نقول: الكسب عند الأشعرية، والحال عند البهشمية، وطرفة النظامية. معناه: هذه الأشياء ليست موجودة في الواقع وإنما في الخيال فقط. كيف يكون ظاهره الاختيار وأصله مجبور؟ ولهذا اختلف في تعريف أو في توضيح هذا الكسب. معناه: إيش هذا الكسب الذي يذكرونه؟ حتى ذكر بعضهم أنهم اختلفوا إلى 12 قولا أو أكثر. بل إمامهم الرازي، وهو إمام الأشعرية العقلانية، يقول: «أنا لم أفهم هذا الأمر، لم أفهم معنى الكسب هذا». كيف يكون الإنسان ظاهر الاختيار وأصله الجبر وأصله مجبور؟ قال: فتدارثنا أنا والصديق لي هذا الأمر، فقال: هذا مثل أن تكون حجرة كبيرة، أنا إنسان معه حجرة كبيرة، وهناك عندنا رجل قوي ورجل ضعيف. الرجل القوي هذا يستطيع أن يأخذ هذه الحجرة بنفسه، والرجل الضعيف لا يستطيع أن يأخذها بنفسه. فإذا أخذاها معا فمن الذي حملها؟ هل كلاهما حمل هذه الحجرة أم القوي الذي حمل؟ فقال: هذا هو القوي الذي حمل، وأما الضعيف فظاهره أنه يحمل، وإنما الأصل أن الذي حمل هو القوي. وهذا كلام باطل حتى في واقعه؛ لأن هذا الضعيف الذي يحمل فهو يساعد القوي في حمله، ساعد القوي في حمله، فهو أيضا داخل في الحمل. المهم إن شاء الله وتعالى نكمل هذه المسألة، الكسب أو ما يقوله الأشاعرة في درس لاحق. فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.