شرح لمعة الاعتقاد 46

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 46، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعريف الإيمان وخصائصه

الإيمان عند أهل السنة يشمل الاعتقاد والقول والعمل، ويتفاوت بين الناس. هناك اختلافات لفظية في تعريفه لكنها لا تمس الجوهر.

زيادة الإيمان ونقصانه وتفاوته

أهل السنة يعتقدون أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، مستندين إلى أحاديث نبوية تثبت ذلك. هذا المفهوم يميزهم عن المرجئة الذين يخالفونهم في اعتبار العمل جزءًا من الإيمان.

تبعض الإيمان وآثاره

أهل السنة يعتقدون أن الإيمان يمكن أن يتبعض، أي أن الشخص يمكن أن يكون مؤمنًا مع وجود نواقض أو معاصي. هذا يؤكد على أن الإيمان يزيد وينقص.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، والإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. قال الله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾، فجعل عبادة الله، وإخلاص القلب، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة كله من الدين. وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، فجعل القول والعمل من الإيمان. وقال تعالى: ﴿فزادتهم إيمانا﴾، طيب هذا المبحث من المباحث التي حصل فيها الخلاف بين أهل القبلة، بين المسلمين. والإيمان يعتبر من المسائل القديمة التي اختلف الناس فيها، وأتوا بآراء غير صحيحة. وأصل هذه المسألة أكثرها في الأعمال: هل تدخل في مسمى الإيمان أو لا؟ وهل الإيمان يزيد وينقص أم لا؟ وهل هو يتبعض أم لا؟ هذه كلها مسائل اختلف فيها الناس. والذي عليه معتقد أهل السنة هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان، ويزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. فهذه خمسة أمور يتميز بها الإيمان عند أهل السنة، لابد أن يكون الإيمان بهذه الأوصاف الخمسة: اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الأركان -أي الجوارح- ويزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. فهذه الأشياء الخمسة التي عند أهل السنة، وبعض أهل السنة يختصر فيقول: الإيمان قول واعتقاد، والمراد به قول القلب، وهو ما يقوم به من الاعتقاد في الله عز وجل، وعمل القلب وهو نية وإخلاصه وصدقه ورضاه ومحبته، وغير ذلك من الأعمال. وقول اللسان، وعمل الجوارح. وبعضهم يقول: القول يدخل فيه قول القلب واللسان، والمراد بقول الجوارح هو قول اللسان نفسه. وعمل القلب وعمل الجوارح. والمراد بعمل الجوارح المعنى الأعمال الظاهرة كالصلاة والصيام والصدقة وغيرها. وأيضًا يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، يزيد وينقص. وهذا قول عامة أهل السنة، إلا أنه اختلف في شيء من الألفاظ، لكن الخلاف لفظي ليس خلاف جوهر. مثلًا جاء عن مالك أنه ما يقول نقص، يقول بالزيادة ولا يقول بالنقص، قال: لأن القرآن لم يأت بالنقص وإنما جاء بالزيادة. لكن اتفق أصحابه على أن الزيادة تستلزم النقص. وأصحابه من أهل السنة ذكروا عنه أنه كان يقول بالزيادة لأنها لفظ القرآن، ولا شك أن لازم الزيادة النقص ما دام أنه يزداد فهو ينقص. وأيضًا جاء عن عبد الله المبارك أنه كان يقول: يتفاوت، أن الإيمان يتفاوت، وما كان يقول يزيد وينقص، لكن يتفاوت أيضًا بمعنى الزيادة والنقصان. فالخلاف إنما لفظي فقط، ولكن يتفق أهل السنة جميعًا أن الإيمان يزيد وينقص. ولهذا اهتم العلماء من أهل السنة بهذه المسألة اهتمامًا حتى أن الإمام البخاري رحمه الله قال: كتبت عن كذا وكذا من المشايخ، قال: ولم أكتب إلا عن شيخ يقول: بأن الإيمان قول وعمل، معنى ما كتب إلا عن شيخ يقول: لأن الإيمان قول وعمل. فإذا رأى أنه لا يقول ذلك لا يكتب عنه، هذا الحديث. وقد كان أيضًا زائدة بن قدامة إذا علم بأن رجلًا في حلقته يقول: بأن الإيمان ليس قول وعمل يطرده من الحلقة، بل كان يقول: لا يجلس مجلسي مبتدع، لا يجلس مجلسي رجل لا يقول: أن الإيمان قول وعمل. ومع اشتهار هذه المسألة -مسألة الإرجاء- وأن الإيمان قول فقط -معنى المرجئة يقولون: هذا مرجئة الفقهاء- وانتشاره في الكوفة، إلا أن أهل السنة كانوا يحذرون أشد التحذير من المرجئة. كان حماد بن زيد، وحماد بن سلمة من أهل البصرة، وكذلك سفيان الثوري من أهل الكوفة وغيرهم كانوا يحذرون من المرجئة. وظهر الإرجاء في الكوفة، معنى ظهرت مرجئة الفقهاء في الكوفة، لكن أول من أظهر الإرجاء هو الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان السمرقندي الترمدي. فالجهم بن صفوان هو من أظهر هذه المسألة، وقال: أن الإيمان هو معرفة الله، قال: أن الإيمان هو معرفة الله، ولا دخل للعمل في الإيمان. وجاءت مرجئة الفقهاء وقالوا: أن الإيمان قول واعتقاد، ولا يدخل للعمل في مسمى الإيمان. فسدت الكلام على قول هؤلاء أولًا: أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان، دلت عليه الأدلة. ولهذا الإمام البخاري رحمه الله اهتم بهذا الجانب اهتمامًا. فمن قرأ كتاب الإيمان من صحيح البخاري يعلم علم يقين أن الأعمال من الإيمان. فكان رحمه الله يبوّب أبوابًا كثيرة فيقول: الصلاة من الإيمان، الصوم من الإيمان، فيذكر أشياء كثيرة من الإيمان. وأصل هذه المسألة قول النبي عليه الصلاة والسلام كما ذكره المؤلف: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، فدل على أن الإيمان شعب يتفاوت. فذكر النبي صلى الله عليه وسلم منها ما هو متعلق بالاعتقاد، وما هو متعلق بقول القلب -أي اعتقاده- وما هو متعلق أيضًا بالعمل. فذكر أيضًا ما هو متعلق باللسان، فقال: «أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله»، هذه متعلقة بالقلب واللسان، قول القلب واللسان. فلا إله إلا الله هي أوجب ما يقوله المسلم بلسانه، وهي التي تدخل الشخص الإسلام إذا كان كافرًا، وأيضًا هي الاعتقاد -اعتقاد التوحيد- كلمة التوحيد لا إله إلا الله. وقال: «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، أي أن إماطة الأذى من العمل. «والحياء شعبة من الإيمان» من عمل القلب، الحياء من عمل القلب، وإماطة الأذى من الطريق من عمل الجوارح. فمعنى أن الإيمان يدخل فيه هذه الأشياء كلها. وجاء في الصحيحين: «بضع وستون شعبة»، فأدناها إماطة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، فدل كما قلنا على أن الإيمان يشمل القول والعمل والاعتقاد: قول باللسان، وعمل بالأركان، وعقد بالجنان -القلب-. وأما زيادة الإيمان بالطاعة فقد دلت عليه الدلالة: ﴿فزادتهم إيمانا﴾، ليزدادوا إيمانًا. وأيضًا النقصان جاءت به الأحاديث، كما ذكر هنا المؤلف: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان»، أيضًا هذا يدل على التفاضل، ويدل على النقص. أن من أهل الإيمان من عنده حبة من الإيمان -شيء يسير- ومنهم من عنده خردلة، ومنهم من عنده هكذا. معنى ذلك أن الإيمان يتناقص عند الناس، فقد يكون الإنسان في فترة من الفترات عنده خردلة من الإيمان، في فترة من الفترات عنده حبة، عنده دينار، عنده إيمان صحيح وهكذا. فالإيمان التفاوت بين الناس كما دلت عليه هذه الأحاديث. وقد دلت الأحاديث المتكاثرة على زيادة الإيمان ونقصانه، زيادة الإيمان ونقصانه. لهذا السنة قالوا به. وأيضًا أصل هذه المسألة: هل يتبعض الإيمان أو لا يتبعض؟ هل يتبعض الإيمان؟ لأنه لو قلنا: يزيد وينقص معناه أنه يتبعض. وهذه المسألة التي حصل فيها خلاف بين أهل السنة وبين البدع جميعًا، سواء كان الخوارج أو المعتزلة أو المرجئة أو غيرهم من أهل الفرق الضالة. فكل الفرق الضالة يقولون: أن الإيمان واحد لا يتجزأ، إما إيمان وإما كفر، إما إيمان وإما كفر. لكن هذا الحديث يرد عليهم، وأن الإيمان شعب وليس إيمانًا واحدًا، بل يتناقص ويزداد، ومنه ما هو أعلى ومنه ما هو أدنى. فلهذا فأهل السنة يقولون: أن الإيمان يتبعض، فقد يكون الرجل مؤمنًا وعنده شعب من شعب الكفر، وقد يكون عنده أيضًا معاصي كما سيأتي الخلاف في مسألة المعاصي والكبائر. فلهذا فالإيمان يتبعض عند أهل السنة، وعند أهل البدع جميعًا أنه لا يتبعض. ومن تبعض الإيمان أنه يزيد وينقص، أنه يزيد وينقص.