الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 48، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول الدرس مسألة الاستثناء في الإيمان واختلاف العلماء حول جواز قول "أنا مؤمن إن شاء الله". اعتبر أهل السنة هذا القول مستحباً لعدم العلم بمصير العبد.
يتناول المقطع مفهوم الإيمان وتجزئته عند أهل السنة والبدع، حيث يرى أهل السنة أن الإيمان يتجزأ ويتكون من شعب متعددة بينما يرى أهل البدع أنه لا يتجزأ.
يشرح المقطع تأثير الكبائر على الإيمان عند أهل السنة، حيث يؤثر ارتكاب الكبيرة على إيمان الشخص دون أن يذهب به كلياً، مما يدل على أن الإيمان يتجزأ ويزيد وينقص.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى أقوال الفرق في مسألة الإيمان، وهناك مسألة في مسألة الإيمان أيضاً يذكرها العلماء، وهي مسألة الاستثناء في الإيمان. مسألة الاستثناء في الإيمان حصل فيها أقوال، فهناك من يقول إنه لا يجوز الاستثناء في الإيمان، لا يجوز الاستثناء في الإيمان أبداً، فلا يجوز عندهم أن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله. وهذا قول الجهمية والمعتزلة، ولهذا يطلقون على أهل السنة: شكاكة. ولهذا قال أبو حاتم وأبو زرعة: إذا رأيت الرجل يقول شكاكة على أهل السنة، فاعلم أنه جهمي. وأيضاً قول الكرامية، أصحاب محمد بن كرام السجستاني، يقولون: إنه يجب أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، قالوا: لأنه لا يعلم متى أو هل يموت على الإيمان أو لا. وقالوا أيضاً: إن الإيمان لابد أن يجزم به العبد، فإذا لم يكن جزم بالإيمان، فكأنما يزكي نفسه، وهذه التزكية، الله عز وجل يقول: «ولا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى»، لكن قولهم بأنه واجب لا دليل عليه. لكن أهل السنة يقولون: إنه يستحب أن يقول الشخص: أنا مؤمن إن شاء الله، لأنه لا يعلم متى أو هل يموت على الإيمان أو لا. وبعض العلماء يفرق، كما جاء عن بعض السلف، كما جاء عن المزني وغيره، وأيضاً أبو عبيد يقولون: إذا كان أراد الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، فهذا لا استثناء فيه، فلابد أن يجزم به، لأن العبد إذا لم يكن مؤمناً في شيء من هذه الأمور الستة، معنى أركان الإيمان، فهو يعتبر كافراً. لكن المراد به الإيمان الذي هو كمال الإيمان، أو بعضه، فلهذا جاءت بعض العبارات عن السلف فيقول: أنا مؤمن ولا أدري هل أنا مؤمن عند الله أو لا. وبعضهم يقول: إن شاء الله أنا مؤمن عند الله. بعضهم يقول: إنه يوم القيامة، فلهذا لأجل هذه الترددات يستحب أن يقول العبد: أنا مؤمن إن شاء الله. وأما مسألة الإيمان هل يتجزأ أو لا يتجزأ، كما ذكرنا قبل ذلك، أن هناك خلافاً، مسألة الإيمان هل يتجزأ أو أنه واحد، فقلنا: كل أهل البدع من الجانبين يقولون: إن الإيمان واحد لا يتجزأ، إما إيمان وإما كفر. لكن أهل السنة يقولون: إن الإيمان يتجزأ، والإيمان شعب، كما دل عليه حديث أبي هريرة الذي ذكره المؤلف هنا: «الإيمان بضع وستون شعبة، أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق»، فهو شعب. ولهذا قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك من قبله وغيرهم من أهل السنة، أن المؤمن قد يكون عنده شعب من شعب الكفر، وكذلك أيضاً قد يكون الكافر عنده بعض شعب الإيمان، لكنه لا يكون مؤمناً بها. وكذلك المؤمن لا يكون كافراً بهذه الشعب. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في الأنساب والنياحة». وأيضاً قال: «أربع من أمر الجاهلية في أمتي...» إلى آخر الحديث، الذي يبين أن هناك بعض الأشياء قد تكون في الشخص وليست من الإيمان. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، فقد يكون الرجل فيه شيء من الجاهلية أو من شعب الكفر، وليس بكافر، بل مؤمن. فلهذا فالمؤمن أيضاً كذلك في مسألة الكبيرة، إذا أتى بكبيرة، فهل يؤثر ذلك في إيمانه؟ نعم، عند أهل السنة أنه يؤثر في إيمانه، وهذا يدل أيضاً على أن الإيمان يتجزأ. ولهذا في مسألة الكبائر، لم يقل أحد إلا أهل السنة: بأن الكبيرة تؤثر في الإيمان ولا تذهبه، فالكافر المليء، كما قال شيخ الإسلام: معه مطلق الإيمان، والذي يسلب منه الإيمان المطلق هو الإيمان الكامل. فصاحب الكبيرة الذي يسلب منه الإيمان المطلق، ويبقى معه مطلق الإيمان، فلهذا فهو يتجزأ. الإيمان قد يكون صاحب الكبيرة عنده ناقص الإيمان، وهذا القول لا يقول به أحد من أهل البدع. ولهذا يقول الإمام أحمد رحمه الله: من قال بأن الإيمان يزيد وينقص، فقد خرج من الإرجاء كله. الذي يقول: يزيد وينقص، ليس فيه إرجاء. وأما بعض المسائل الفرعية التي أتى بها بعض المعاصرين، مثل مسألة الأعمال: هل هي شرط كمال أو شرط صحة؟ أو مثل مسألة جنس العمل، وغيرها من هذه المسائل، فهذه المسائل مدخولة على مذهب أهل السنة، ولم يتكلم فيها العلماء. إلا أن العلماء يقولون: إن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، التفريق بين العمل والإيمان ليس من مذهب أهل السنة. فالأعمال من الإيمان، مرتبطة بالإيمان. وأيضاً مسألة جنس العمل، فهذه أيضاً لم تعرف هذه المسألة، وهي مسألة مبتكرة. ولا يكون كما قال شيخ الإسلام: رجل يكون مؤمناً وليس عنده عمل أبداً، فهذا شيء لا يحصل. وأيضاً ليس عند الشخص إذعان إذا لم يكن يعمل، كأن إنسان يقال له: لو صليت وإلا نضرب عنقك، فيختار ضرب العنق على الصلاة، فهذا ليس عنده إذعان للشرع، كما ذكر شيخ الإسلام. وكذلك ذكر الحميدي في رسالته في الإيمان. فالمهم أن مثل هذه المسائل غالباً يختلف فيها الناس بسبب بعض المفاهيم التي تفهم من بعض المسائل القديمة. وإلى الأصل أن من قال بأن الإيمان يزيد وينقص، فإنه يخرج من مذهب الإرجاء.