الدرس في شرح سلم الوصول إلى علم الأصول 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الله عز وجل خلق العباد لعبادته وتوحيده وأخذ منهم الميثاق على الإقرار بربوبيته. هذا الميثاق هو أساس العلاقة بين الله وعباده.
الله عز وجل أرسل الرسل وأنزل الكتب لتبيين الدين وعبادته، حتى يقيم الحجة على العباد. هذا البيان الإلهي يهدف إلى تذكير الناس وإنذارهم وبشارتهم.
اتباع الرسل والكتب السماوية أمر ضروري لوفاء الميثاق، بينما تكذيبهم أو الإعراض عنهم يؤدي إلى نقض العهدين واستحقاق الخزي في الدارين. هذا يبين أهمية الإتباع وخطورة الإعراض.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: تهيأنا من مقدمة طيبة، قال: معرفة العبد بما خلق له، وبأول ما فرض الله تعالى عليه، وبما أخذ الله عليه به الميثاق في ظهر أبيه آدم عليه السلام، وبما هو صائر إليه. قال رحمه الله: اعلم بأن الله جل وعلا لم يترك الخلق سدى وهمل، بل خلق الخلق ليعبدوه وبإلهيته يفردوه. أخرج فيما قد مضى من ظهر آدم ذريته كالذر، وأخذ العهد عليهم أنه لا رب معبود بحق غيره. أو بحق غيره. طيب، الآن هذا بدأ رحمه الله تعالى في هذه المنظومة بأعظم غاية طلبها الله عز وجل من العباد، وهي عبادته سبحانه وتعالى. فقال: اعلم بأن الله جل وعلا لم يترك الخلق سدى وهمل. فحسبتم أن ما خلقناكم عبثا، فعن الله عز وجل يخبر الناس أنه لم يخلقهم سدى وعبثا وهمل، وإنما خلقهم لغاية حميدة ولغاية عظيمة، وهي عبادته سبحانه وتعالى. ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. وقال جل وعلا: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ أي لا يؤمر ولا ينهى. معنى هؤلاء الذين يحسبون مثل هذا أو يظنون هذا الظن من الكفار وغيرهم، معنى ما يتفكرون في هذا؟ لماذا خلقوا؟ هل خلقوا عبثا وخلقوا لأجل أن يتركوا هكذا عبثا لا يؤمرون ولا ينهون؟ لا، بل هناك أوامر ونواهي. الله عز وجل طلب من العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، هذا الذي طلبه أعظم طلب وأعظم أمر أمر الله عز وجل به عباده أن يعبدوه، أن يوحدوه ويفردوه بالعبادة. وبعث الرسل لأجل هذا، لقد بعثنا في كل أمة الرسول «أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت». قال: بل خلق الخلق ليعبدوه، وبالإلهية يفردوه. بالإلهية أي بالعبادة، أن الألوهية من ألها يأله إلاهة وعبد يعبد عبادة، فالمراد به أن يعبدوه جل وعلا ولا يشركوا به شيئا، يفردوه بالعبادة، لا يجعلون معه غيره من الأنداد والأرباب وشركاء وغيره. الله عز وجل بين توحيده جل وعلا وأنه لا يشارك فيه أحد، ولم يكن له كفوا أحد. ﴿هل تعلم له سميا﴾؟ فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون. فلابد أن يفرد التوحيد، وأن تفرد العبادة له جل وعلا. قال: وأخرج فيما قد مضى من ظهر آدم ذريته كالذر. ومعلوم أن المؤلف هنا بدأ بتوحيد الألوهية، لأن هذا التوحيد هو الذي دعت إليه الرسل، وهو الذي حصل فيه الخصام بين الرسل وأقوامهم، وسيأتي إن شاء الله تعالى أنه هو أول توحيد أو أول واجب على العبيد، وسيأتي ذكر أقسامه. قال: أخرج فيما قد مضى من ظهر آدم ذريته كالذر، وهو أراد قول الله جل وعلا: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى﴾. وجاء في الحديث أن الله عز وجل أخرج من ظهر آدم ذريته كالذر. والذر هو النمل الصغير، أو الذر أصغر شيء فيما يرى بالعين يسمى ذر. وقيل: أن الذر هو النمل الصغير. فربنا جل وعلا أخرج من ذرية آدم من ظهورهم ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾. متى هذه الشهادة؟ هذه الشهادة حصلت، لكن هل يذكر أحد هذه الشهادة؟ لا. لكن قال العلماء: أن الله عز وجل أبدلها بالفطرة التي يخلق الله عز وجل عليها الناس. ما من مولود إلا ويولد على الفطرة. وهذا الميثاق الذي أخذه الله عز وجل على الناس: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم﴾، ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم﴾، هذا عهد أخذوه على أنفسهم أشهدهم على أنفسهم: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾. فهذا العهد الذي أخذه الله عز وجل، والميثاق الذي أخذه الله عز وجل على العباد. لكن يمثل هذا الميثاق على العباد هو أن الله عز وجل خلقهم على الفطرة، كما قال في الحديث: «إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم». وأيضا الحديث: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». ما قال: أو يسلمانه، لأنه مسلم يخلقه الله عز وجل مسلما على الفطرة يعرف الله. قالوا: أخذ العهد عليهم أنه لا رب معبود بحق غيره. ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾، أي هذا الرب الذي يعبد، الذي يطاع فلا يعصى. وإنما ذكر الله عز وجل الرب، لأن الرب هو المربي الذي يستحق العبادة. لهذا قال شيخ الإسلام في الوصول الثلاثة: «والرب هو المعبود». معنى ذكر لازمه. قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾. عبدوا ربكم لماذا؟ الذي خلقكم. والرب هو الذي يخلق ويرزق، وأيضا يسخر للإنسان. معنى يقوم بتربية هذا الإنسان ونشأته، أنشأه ورباه، فهو رب جل وعلا. فلهذا قال الشيخ: «الرب هو المعبود»، لأنه يلزم من الإقرار بالربوبية العبادة. أنا كيف أعرف أن هذا الإنسان مقر بالربوبية؟ الله عز وجل أنه يفرد له العبادة. فقال: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ لماذا؟ الذي خلقكم. ليش تعبدونه؟ لأنه خلقكم. فالزم من خلقه أن يعبده. خلقه. قالوا: بعد هذا رسله قد أرسل لهم، وبالحق الكتاب أنزل. أيضا أمر آخر وهو بعد جعل الله عز وجل في فطر الناس الدين والعبادة، أرسل إليهم الرسل يبين لهم هذا الدين، يبين لهم هذه العبادة. ما هي هذه العبادة؟ ما هو هذا الدين؟ أرسل الرسل حتى يبين لهم ويقيم عليهم الحجة بإرسال الرسل: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾. فليس لهم حجة بعد ذلك، لأن الله عز وجل أرسل من يبين لهم الدين، لم يتركهم هملا. فخلقهم لعبادته، ثم لم يتركهم كذلك يتحيرون، فأرسل إليهم الرسل حتى يعلموهم دين الله جل وعلا. قالوا: بعد هذا رسله قد أرسل لهم، وبالحق الكتاب أنزل. أيضا من البيان العظيم الذي جعله الله عز وجل للناس حتى يبين لهم الدين، أنزل إليهم الكتاب. الكتب التي أنزلها الله عز وجل أيضا هي بيان للناس. ﴿وأنزلنا إليك الكتاب لتبين للناس ما نزل إليهم﴾، حتى يتبين دين الله عز وجل وكيف يعبد الله سبحانه وتعالى. فأنزل الله عز وجل الكتب وأرسل الرسل، فهذا كله متعلق بما ذكره قبل أن الله عز وجل لم يترك الخلق سدى وهمل، بل أرسل إليهم الرسل وأنزل إليهم الكتب حتى يعلمونهم دينهم، حتى يعلمونهم هذه العبادة التي فرضها عليهم. قال: لكي بذلك عهد يذكرهم أو يذكروهم، وينذروهم ويبشروهم. أنا هذا العهد الذي هو عبادته يذكرونهم بهذا العهد، هذا الرسل وهذا الكتاب، وينذروهم ويبشرهم: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين﴾. يبشرونهم بما هو فيه بشارة، وينذرونهم بما فيه نذارة، كي لا يكون حجة للناس، بل لله أعلى حجة عز وجل. معناها: هذه الرسل والكتب حجة على الخلق. كما قال الله عز وجل: ﴿أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير﴾. أنهم يريدون أن يحتجوا ويعتذروا أنهم ما جاءهم بشير ولا نذير. والله عز وجل يقول: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾. لابد أن الله عز وجل يقيم الحجة على العباد بماذا؟ يقيم الحجة على العباد بإرسال الرسل وإنزال الكتب، هذه إقامة الحجة على العباد، فلا يحتاجون بعد ذلك إلى أن يعتذروا: ما جاءنا من بشير أو يقولون: أن كنا عن دراستهم لغافلين. أي على الرسل وغيرها من العذر الواهية التي يذكرها أهل الشرك قد ذكرها الله عز وجل عنهم. قال: فمن يصدقهم بلا شقاق فقد وفى بذلك الميثاق. الذي يصدقهم ويتبعهم بلا شقاق، الشقاق هو المخالفة. ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين: ﴿نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾. فهو متبع من غير مخالفة، من غير شقاق ومعارضة، لا يعارض الرسول ولا يخالفه بل يتبع. فمن يصدقهم بلا شقاق فقد وفى بذلك الميثاق. أي من الميثاق؟ الميثاق الذي قال الله عز وجل فيه: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى﴾. فمن يتبع الرسل فهو مصدق بهذا الميثاق. قالوا: ذاك ناج من عذاب النار. وذلك الوارث عقب الدار. أنا هذا الذي سينجو من عذاب النار، هذا الموحد الذي وحد الله عز وجل وعبده ولم يشرك به شيئا. وهذا الذي جاءت به الأدلة، كما جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام «من لم يشرك بالله جل وعلا دخل الجنة، ومن أشرك بالله دخل النار». وجاء في حديث ابن مسعود: «من لم يشرك بالله دخل الجنة، ومن أشرك بالله عز وجل دخل النار». قال ابن مسعود: «وزدته: ومن لم يشرك بالله دخل الجنة». وقال الله عز وجل: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾. فالناج من النار هو من عبد الله عز وجل وأتى بتوحيده. قالوا: من بهم وبالكتاب كذب. من بهم أي بهم الرسل كذب الرسل، وكذب بالكتاب، فهذا أيضا من أهل النار. قال: ولازم الإعراض عنه والإباء. الإعراض عن الرسل أو عن الكتاب ورفضا هذه الطريقة، فهؤلاء أيضا من أهل النار. وسيأتي إن شاء الله تعالى معنا أنواع الكفر. قال: فذاك ناقض كلا العهدين، مستوجب للخزي في الدارين. فذاك ناقض كلا العهدين، أنا عهد الكتاب والرسل، مستوجب للخزي في الدارين. خزي في الدنيا وخزي في الآخرة، والخزي هو الإهانة. خزي في الدنيا أي هوان في الدنيا، والإهانة هذه قد تكون بالعذاب، قد تكون بالشقاء، قد تكون بالإشغال. فليس هناك شيء معين، لكن أنواع قد تكون بالإشغال، يشغله فيظل طول الوقت وهو مشغول باله وقلبه، هذا أيضا يعتبر من العذاب. طيب، هذه بعض الأشياء التي ذكرها في التوحيد، وأن الله عز وجل خلق العباد لعبادته جل وعلا، وأنه أخذ عليهم الميثاق بهذا. طيب، إن شاء الله نكمل بهذا.