التعليق على آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 2

التعليق على آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 2

الدرس في التعليق على آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 2، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

الإخلاص أساس طلب العلم وقبوله

يؤكد المقطع أن الإخلاص لله وحده هو الأساس الذي يجب أن يبني عليه المعلم والمتعلم كل حركاتهما وسكناتهما، لأن العلم عبادة لا تصح إلا بشرطين: الإخلاص والمتابعة. ويستدل بالآيات والأحاديث على أن العمل غير الخالص مردود، وأن "أحسن العمل" هو الأخلص والأصوب، محذراً من طلب العلم لغير وجه الله.

خطر الرياء وضرورة الإخلاص في العمل

يبيّن المقطع أن أول من تسعر بهم النار هم من قاموا بأعمال عظيمة كتعلم العلم وقراءة القرآن لكن بقصد الرياء والسمعة لا لله، ويستدل بالحديث النبوي: «من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به». ويؤكد أن الإخلاص شرط لقبول العمل وبركته.

فضل إخفاء الطاعات وإخلاص النية

يستعرض المقطع مثالين من سلف الأمة على إخفاء العمل الصالح: زين العابدين يحمل الطعام للفقراء ليلاً دون أن يعلم به أحد، وعبد الله بن المبارك يخفي هويته بعد قتله بطل الروم. ويؤكد أن إخفاء الطاعة بين العبد وربه سبب لدفع الفتن والكرب، وجلب الخيرات.

الختام بالصلاة على النبي والحمد لله

يختتم المتحدث بالصلاة على النبي محمد وآله، ويحمد الله رب العالمين، ويقر بعلم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمرّة معنا في الدرس الماضي الكلام حول رسالة العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي التي أسماها «آداب المعلمين والمتعلمين»، وفي بعض النسخ باسم «فإذا تشتمل على آداب المعلمين والمتعلمين». وأخذنا مقدمة يسيرة تتعلق بأهمية الحرص على الأدب سواء للمعلم أو كان للمتعلم، وأن السلف رحمهم الله كانوا يهتمون بأمر الأدب، فلعلهم قدموه على العلم، كما سبق ذكر جملة من الآثار التي تدل على ذلك. ثم قال رحمه الله تعالى: «يتعين على أهل العلم من المعلمين والمتعلمين أن يجعلوا أساس أمرهم الذي يبنون عليه حركاتهم وسكناتهم الإخلاص الكامل، الإخلاص الكامل، والتقرب إلى الله بهذه العبادة التي هي أجل العبادات وأكملها وأنفعها وأعمها، ويتفقد هذا الأصل الجليل في كل دقيق من أمرهم وجليله». والعلم يا إخوان يعتبر عبادة، بل هو يعتبر من أجل العبادات التي أمر الله عز وجل بها، والعبادة لا تقبل والعمل لا يصح إلا إذا توفر فيه شرطان اثنان: أولهما الإخلاص لله عز وجل، ثانيهما المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وأيما عمل وأيما عبادة لم يخلص صاحبها فيها لله عز وجل فإنها لا تقبل، كما قال ربنا عز وجل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. وهكذا ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، ولم يقل أكثر عملا، وإنما قال أحسن عملا. قال أبو علي الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: «أحسن عملا أي أخلصه وأصوبه، أخلصه وأصوبه». قيل: يا أبا علي، وما أخلصه وأصوبه؟ قال: «إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل». والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول فيما يرويه عن ربه عز وجل، كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «قال تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». والعلماء يا إخوان، كما سبق معنا، كثير منهم يصدرون كتبهم ويستفتحون مصنفاتهم بحديث الأعمال بالنيات، قلنا تنبيها على أهمية النية والإخلاص لله تبارك وتعالى في هذه الأعمال، في هذه الأعمال. وجاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم في أن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، وهذا الحديث يا إخوان توجل منه القلوب وتدمع عند سماعه أو قراءته العيون. أول من تسعر بهم النار ليس زناة ولا سراق ولا قتلة، وإنما أناس فعلوا أعمالا عظيمة لكنها افتقدت إلى النية الصالحة ولم يوجد بها الإخلاص لله عز وجل: رجل تعلم العلم، ورجل قرأ القرآن، لكن ليس لله عز وجل، وإنما لكي يقال له عالم، وهذا لكي يقال له قارئ، فيسحب على وجهه إلى النار. ولهذا قيل: «وعالم بعلمه لم يعمل معذب من قبل عباد الوثن، من قبل عباد الوثن». وفي الصحيحين يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به». وهذا كله يا إخوان يدل على أهمية الإخلاص وإصلاح النية. قال رحمه الله تعالى: «فإن درسوا أو دارسوا أو بحثوا أو ناظروا أو أسمعوا أو استمعوا أو كتبوا أو حفظوا أو كرروا دروسهم الخاصة أو راجعوها أو على غيرها الكتب الأخرى، أو جلسوا مجلس علم، أو نقلوا أقدامهم لمجالس العلم، أو اشتروا كتبا أو ما يعين على العلم، كان الإخلاص لله واحتساب أجره وثوابه ملازما لهم، ليصير اشتغالهم كله قربة وطاعة وسيرا إلى الله وإلى كرامته». وقال: «وليتحقق بقوله صلى الله عليه وسلم: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة، سهل الله له به طريقا إلى الجنة». ولهذا يا إخوان، العمل القليل يبارك الله عز وجل فيه بسبب الإخلاص وإصلاح النية، والعمل الكثير إذا لم يكن معه إخلاص فهذا ممحوق البركة، ممحوق البركة. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «الفوائد»: «لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء، لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس، إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت، والضب والحوت». ولما ذكر الضب والحوت؟ هذا يحتاج إلى رجلين: أحدهما أعرابي والآخر صياد بحري، أحدهما يأخذ الضب والآخر يأخذ الحوت. ولماذا لا يجتمعان؟ أما البحار موجود عندنا خبير... ها، لكن من صاحب البر؟ أبو نصر معنا، نعم عندنا أبو نصر ما شاء الله. الضب يا أبا نصر... آه. يقول ابن القيم رحمه الله: «لا يجتمع الإخلاص في القلب مع محبة الثناء، مع محبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس، إلا كما يجتمع الماء والنار، ما يجتمعان، والضب والحوت». أما الحوت فمعلوم ما يعيش إلا مع ماذا؟ إلا في الماء، وإذا خرج من الماء مات. لكن الضب ما له يستطيع يستغني عن الماء... هكذا، ها، نعم أحسن. الضب يستطيع أن يستغني عن الماء لفترات طويلة، بل بعضهم يذكر أنه ممكن ماذا؟ يستغني عن الماء. طيب وماذا؟ ولهذا قلنا: لا يجتمع، أو كما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى ذلك. وهنا مثالان يذكرهما العلماء في باب إخلاص النية واستحباب إخفاء العمل: أحدهما لإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الملقب بزين العابدين. ذكروا عنه أنه كان يحمل الطعام على ظهره في الليل ولا يراه أحد ولا يعلم بعمله أحد، فيضعه على أبواب الفقراء والمساكين، فيصبحون ولا يدرون من أين هذا الطعام. لم يعلموا بذلك إلا متى؟ لما مات، فقدوا الطعام الذي كان يأتيهم. ولما غسل يا إخوان وجدوا على ظهره أثر ذلكم الحمل الذي كان يحمله على ظهره، ما يدري أحد بذلك، قرم وجود وبذل. مثال آخر ذكر في ترجمة الإمام عبد الله بن المبارك، أبو عبد الرحمن المروزي، إمام يا إخوان، كما ذكر ابن عيينة: «لم يسبقه الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعمل إلا بصحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وغزوهم معه». كان إماما، قالوا: كان يحج عاما ويجاهد عاما. آخر في سنة من السنوات خرج للجهاد لقتال الروم، وذكروا أن في الروم علجا، والعلج يطلق على الرجل الشديد الذي يسرع غيره، الذي يسرع غيره. هذا العلج من الروم كان يمشي بين الصفوف ويطلب النزال والمبارزة، شديد جدا. فخرج له أحد المسلمين، فقام ذلكم الرومي وصرع المسلم. خرج له مسلم آخر، فقام هذا العلج وقتل المسلم. خرج الثالث، قتل الرومي المسلم. هنا انبرى رجل من الصفوف وقابل هذا العلج فصارعه حتى قتل الرومي. فأتى الناس كلهم يريدون ماذا؟ يريدون أن ينظروا إلى هذا البطل الذي رفع رؤوس المسلمين ورايتهم بقتل ذلكم الكافر المجرم. فلما رأى الناس اجتمعوا عليه، جعل يغطي وجهه بكم ثوبه، يغطي وجهه بكم ثوبه لكي لا يعرف. فجاء رجل من القوم يقال له أبو عمر، ونزع كمه بالقوة يريد ينظر من هذا البطل. تخيلوا من كان؟ كان الإمام المحدث عبد الله بن المبارك، عبد الله بن المبارك. فعاتب ابن المبارك ذلكم الرجل على أن كشفه، وجعل الناس ماذا؟ يعرفون حاله. وهذا يا إخوان أمر نحن أحوج ما نكون إليه، ألا وهو أن الشخص يخفي ما عنده من عمل وما عنده من طاعة، ويجعل بينه وبين الله عز وجل خبيئة. هذه الخبيئة كم يصرف الله عز وجل بها فتن، وبها كرب ومصائب، ويأتي الله عز وجل بأنواع من الخير بسبب ماذا؟ بسبب هذا التعامل الذي يعامل به العبد ربه تبارك وتعالى. فنسأل الله عز وجل أن يرزقنا الإخلاص وإصلاح النية، وأن يتقبل منا العمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.