شرح سلم الوصول إلى علم الأصول 4

شرح سلم الوصول إلى علم الأصول 4

الدرس في شرح سلم الوصول إلى علم الأصول 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تقسيم التوحيد وأنواعه

يناقش تقسيم التوحيد إلى أنواعه المختلفة وتوضيح أن هذا التقسيم ليس بدعة بل لمصلحة المرسلة. يشمل تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.

أول واجب على العبد تجاه ربه

يتناول مفهوم أول واجب على العبد تجاه ربه، حيث يُناقش اختلاف الآراء بين أهل السنة والأشاعرة والمعتزلة والجهمية حول ما إذا كان التوحيد أو النظر والاستدلال هو أول الواجبات.

توحيد المعرفة والإثبات وتوحيد الطلب والإرادة

ينفي أن يكون النظر والاستدلال واجبا لمعرفة الله، ويشرح نوعي التوحيد: توحيد المعرفة والإثبات وتوحيد الطلب مستدلا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وأقوال الصحابة.

مقدمة لدرس أسماء الله وصفاته وأفعاله

يستعرض الدرس المقبل أسماء الله وصفاته وأفعاله كما ذكرها المؤلف، بهدف استعراض هذه الجوانب من صفات الله عز وجل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى في كون التوحيد ينقسم إلى نوعين، وبيان النوع الأول، وهو توحيد المعرفة والإثبات. مثل تقسيم التوحيد، العلماء رحمهم الله قسموا التوحيد بحسب ما جاء في الآيات، وهو اجتهاد، هذا التقسيم اجتهاد بحسب ما تضمنته هذه الآيات في القرآن. وقد ذكر بعضهم أنه ثلاثة أقسام، منهم من يجعله اثنان، لكن المضمون واحد. قسم الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله التوحيد لثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات. لكن هذا التوحيد أيضا موجود، أو هذا التقسيم موجود في كلام من تقدم، كابن منده في كتاب الإيمان، وكذلك ابن خزيمة في كتاب التوحيد، تجد أن هذا التقسيم موجود بدون تسمية، لكن أخذوه من الآيات. عن الذي يقرأ في الإيمان لابن منده، يرى أنه قسم التوحيد لثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، ثم توحيد الألوهية، ثم توحيد الأسماء والصفات، لكن لم يسمها. وشيخ الإسلام ابن تيمية يسمي هذه الأقسام. وهذا مسألة، مسألة التقسيم ليس من باب البدعة كما خالف بعضهم، البدع في ذلك، فقالوا: أنتم تقولون أن من أتى بشيء في الدين فهو بدعة، أنتم الآن جئتم بأقسام التوحيد، قسمت التوحيد لثلاثة أقسام، قالوا: هذا بدعة. وهذا جهل؛ لأن مسألة التقسيم هذه تعتبر من مصالح المرسلة، تعتبر من مصالح المرسلة التي فعلها العلماء لأجل تسهيل العلم، وفهم أيضا الآيات وفهم الأحاديث، فجعلوا هذا التقسيم. وهذا مثل تقسيم شروط الصلاة، واجبات الصلاة، سنن الصلاة. من أين هذا التقسيم؟ هل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: هذا شرط، وهذا واجب، وهذا كذا؟ لا، لكن العلماء أخذوا بالعدة، ووضعوا قواعد عليها، معنى قواعد كلية أخذوها من الأدلة، وقسموا هذا التقسيم. وهذا مثله، وهذا ليس كما قلنا من البدع، وإنما هو من مصالح المرسلة. والفرق كما ذكرنا قبل أن المصالح المرسلة يحدثها المسلمون، ليس لتقصير منهم، وإنما يقتضي الواقع. وأيضا هذا الأمر الذي هم فيه يقتضي هذه الأمور، فهذه الآن تسهيلا للعلم. وكلما تأخر الوقت، كلما كثر العلم، فيحتاج إلى تسهيل، فأخذ العلماء بهذه التقسيمات. وقد ألف الشيخ عبد الرزاق البدر كتابا في الرد على من يقول: أن تقسيم بدعة. وهنا المؤلف قسم التوحيد إلى قسمين، مثل ما قسمه الإمام ابن القيم رحمه الله عليه، فسمى التوحيد المعرفة والإثبات، والتوحيد الطلب والإرادة. المعرفة والإثبات: الربوبية، والأسماء والصفات. والطلب والإرادة هو توحيد الألوهية. وأما من قسم التوحيد إلى أربع أقسام، وزاد توحيد المتابعة، هذا باب التفصيل فقط، وإلا فقد ذكر الإمام ابن القيم، وكذلك ابن العز، أن التوحيد ينقسم إلى قسمين: توحيد المرسل، وتوحيد المرسل إليه. يعني يقولون أن التوحيد أصلا ينقسم إلى قسمين: توحيد المرسل، وهو الله، وتوحيد المرسل إليه، وهو النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا الشيخ محمد بن عبد الوهاب الوصابي رحمه الله ذكر من أقسام التوحيد توحيد المتابعة. وهذا كما قلنا ليس بدعة، وليس خروج عن كلام العلماء، وإنما هو من باب التوضيح فقط، وإلا فتوحيد المتابعة داخل في توحيد الألوهية. توحيد المتابعة داخل في توحيد الألوهية، لكن أحيانا يفرد من باب الاهتمام. معنى العلماء يفردون الشيء لأجل أن يهتم بهذا الشيء، ولا يهمل. قال المؤلف رحمه الله: أول واجب على العبيد معرفة الرحمن بالتوحيد. أول واجب على العبيد معرفة الرحمن بالتوحيد، أن أول ما يجب على العبيد معرفته هو معرفة توحيد الله جل وعلا، فهو أول واجب. كما قال ابن القيم: أول واجب. لماذا؟ لأن الإنسان ما يدخل الإسلام إلا بالشهادتين، ما يدخل الإسلام إلا بالشهادتين، فهو توحيد. أول واجب عليه هو أن يأتي بالتوحيد، ولا يقول الشهادتين إلا بمن إذا كان قلبه أيضا قد وحد الله، إذا كان قلبه لم يوحد الله، ولو قال الشهادتين لم ينفعه. مراد قلبه أي ما يعتقد، إذا كان يعتقد أن هناك من يتصرف في الكون غير الله، فهذا لا معنى حتى ولو قال: لا إله إلا الله، فإنها لا تنفعه لا إله إلا الله؛ لأنه لم يأت بالتوحيد، ولم يعتقد الاعتقاد الصحيح. فلهذا أول واجب على العبيد هو معرفة الرحمن بالتوحيد، فهو أول واجب وآخر واجب، كما قال الإمام ابن القيم في المدارج السالكين، لما ذكر التوحيد، قال: وهو أول واجب وآخر واجب. أول واجب؛ لأن الإنسان يدخل الإسلام به، وآخر واجب؛ لأن المسلم والمؤمن يموت بالتوحيد، بقوله: لا إله إلا الله. من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة. وهناك مسألة ذكرها الكلام، وهو في أول واجب على العبد، ما هو أول واجب على العبد تجاه ربه جل وعلا؟ فقالت الأشاعرة: أول واجب على العبد هو النظر والاستدلال. وهكذا قالت المعتزلة والجهمية: أنه التفكر، يقولون هذا أول واجب، وهو النظر والاستدلال. بل إن بعض الأشاعرة صرح، كما ذكر الإيجي، أن من لم ينظر ويستدل فإيمانه غير صحيح. فإيمانه غير صحيح، أن التجرأ إلى هذا الباب، فهذه جرأة عظيمة. طيب أين الدليل على أنه أول واجب النظر والاستدلال؟ قالوا: الآيات، الله عز وجل ذكر النظر والاستدلال في الآيات: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾. فقالوا: الله عز وجل أمر العباد أن يتفكروا في هذه المخلوقات، فلا إيمان إلا لمن تفكر في هذه المخلوقات وآمن بعد ذلك. وهذا جرأة عظيمة؛ لأن الله عز وجل لم يذكر هذه لأجل أن الإنسان لا يدخل الإسلام إلا إذا تفكر ونظر واستدل، هذا لم يأتي في الآيات. وإنما الله عز وجل يريد أن يقنع حوله الكفار، ومن في قلبه شك مثلا، من دخل الإسلام أو حتى من المؤمنين، لأجل أن يزدادوا إيمانا، أنهم يتفكرون في مخلوقات الله، فيزدادون فتزداد في قلوبهم عظمة الله. فلهذا ذكر أهل السنة أن أول واجب على العبيد هو التوحيد. ولأن معرفة الله عز وجل تكون بالفطرة، هذا العهد الذي ذكره الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. وقد ذكرنا ذلك بالأمس، فهذا العهد الذي أخذه الله عز وجل هو الذي جعله سبحانه وتعالى أن خلقهم على الفطرة. فإذا قال القائل: كيف نعرف ربنا؟ نعرفه أنه عرف نفسه لنا، عرف نفسه لنا. فلهذا قال ابن أبي حاتم، عبد الرحمن بن أبي حاتم: من قال أننا عرفنا الله عز وجل بغير الله فهو مبتدع. معنى تفهموا هذه المسألة، يقول الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم: يقول من قال أننا عرفنا الله بغير الله فهو مبتدع. معنى الآن الذي يقول: أنا ما عرفت الله إلا بالنظر والاستدلال وكذا، هذا كلام باطل. عرفنا الله عز وجل بفطرة، ما من مخلوق إلا وهو يعرف الله، معنى في قلبه معرفة الله، معنى معرفة وجود الله عز وجل وتوحيده، فهذا الذي جعله الله عز وجل في القلوب. ومن قال غير ذلك فهو كاذب. وكما قال الصحابة رضي الله عنهم: «والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا». فالهداية وهداية القلوب هي من الله، ليس بالنظر ولا بالاستدلال ولا بغيره. والله عز وجل جعله فطرة في قلوب العباد. فلهذا الله عز وجل عرف عباده بنفسه، جعله في قلوبهم الفطرة. فقولهم أن الواجب هو النظر والاستدلال، هذا قول باطل. بل كما قلنا أن كثيرا من الأشاعرة صرحوا بأن من لم ينظر ويستدل فهو ليس بمسلم. قالوا: من لم ينظر ويستدل فليس بمسلم. وهذا جناية؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم ليس كلهم نظروا واستدلوا. يأتي الرجل فيسمع القرآن فيؤمن، يأتي الرجل يسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم فيؤمن، ما ينظر ولا يستدل ولا غيره من هذه الأشياء. ضمام بن ثعلبة سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعود بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا». قال له: أعد علي هذا الكلام، فأعاده النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أعد، فأعاده، قال: والله هذا ما يقوله بشر، هذا الكلام ما يقوله بشر، ولا يعرفه الناس مثل هذه الكلمات العظيمة. هؤلاء أهل اللغة. سمع، قطبة الحنفي آمن وأسلم، ما نظر ولا استدل ولا كذا. هل نقول له: إيمانك باطل لأنك ما استدللت على عظمة الله؟ ما استدللت، ما نظرت في الآيات، ما نظرت في السماء؟ هذا كلام غير صحيح أبدا. لكن هذه التفكر والمعرفة هو يكون للمؤمن تعظيما لله. أنا حتى قول شيخ الإسلام: كيف نعرف ربنا؟ أي كيف نتعرف عليه؟ كيف نتعرف على عظمته؟ تعرف على عظمة الله جل وعلا، وليس المراد أننا نعرف وجوده أو نعرف أنه توحيده. وإن كانت هذه من الدلائل على التوحيد، من الدلائل على التوحيد. لكن المؤمن أو العبد نفسه يخلقه الله عز وجل على الفطرة، إلا من تغيرت فطرته، غيره آباءه. فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه». قال: فأول واجبنا العبيد معرفة الرحمن بالتوحيد، إذ هو من كل الأوامر أعظم. ومن نوعان، أي من يفهم. وهو نوعان، أي من يفهم. أي من يفهم، أي هنا حرف نداء للقريب. وقال: إذ هو من كل الأوامر، يعني أعظم أمر هو توحيد الله جل وعلا، وأعظم نهي هو الشرك بالله جل وعلا. كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب. قال: وهو نوعان، أي من يفهم، هذا التوحيد نوعان. قال: إثبات ذات الرب جل وعلا، أسمائه الحسن، صفاته العلاء، وأنه الرب الجليل الأكبر، الخالق البارئ والمصور. أنا الآن الأول هو إثبات المعرفة أو إثبات ذات الرب ومعرفته، هذا الذي يسمى بتوحيد المعرفة والإثبات. توحيد المعرفة والإثبات: إثبات وجوده جل وعلا وذاته ومعرفته أسمائه وصفاته، أو معرفته بأسمائه وصفاته. فهذا التوحيد الأول. والتوحيد الثاني سيأتي: توحيد الطلب. الآن سيتكلم على هذا التوحيد بنوعي: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء وصفات. ليش صار هذا معا؟ لأن فيها إثبات الربوبية والأسماء وصفات إثبات. والألوهية ليس فيها إثبات، وإنما طلب. الله عز وجل يطلب من عبادي أن يعبدوا، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فلهذا فالفرق بين هذا وهذا أن الأسماء وصفات والربوبية إثبات. الربوبية هي إثبات أفعال الله عز وجل، والأسماء وصفات: إثبات أسماء الله عز وجل وصفات، فهو معرفة وإثبات. وأما الألوهية فليس فيها إثبات، وإنما طلب، طلب من الله عز وجل من عبادي أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. طيب إن شاء الله وتعالى في درس الآخر نذكر ما ذكره المؤلف رحمه الله من أسماء الله عز وجل وصفاته، وأيضا أفعاله.