الدرس في كتاب المعاملات 42، ألقاها
الوقف عقد لازم يثبت بمجرد القول، والهبة هي التبرع بمال أو غيره بلا عوض وتكون مستحبة إذا قصد بها وجه الله.
يجب العمل بشرط الواقف إذا كان لا يخالف الشرع، والوقف على الأولاد يستوي فيه الذكور والإناث إذا استخدم لفظ أولادي.
الهبة تختلف عن الصدقة والهدية في النية، والرياء في الصدقة يعتبر شركًا مبطلًا للأعمال.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقفنا في باب الوقف عند قول المؤلف: «الوقف عقد لازم يثبت بمجرد القول، ولا يجوز فسخه ولا بيعه»، وعرفنا أن معنى كونه لازمًا أنه لا يجوز له فسخه، لا يجوز له أن يفسخه. فإذا أوقف شيئًا صار وقفًا، لا يجوز له أن يتصرف فيه ببيع أو هبة أو غير ذلك من أنواع تصرفات. لماذا؟ لأن الوقف عقد لازم، ما يوقف ثم يقول: أنا تراجعت أو فسخت الوقف، ما يصح، يثبت بمجرد القول، بمجرد القول، سواء كان القول صريحًا أو كان كناية. الصريح كان يقول: أو أوقفت هذه الأرض، أو حبست هذه الأرض، حبست هذه الأرض وتصدقت بها، أو أوقفت هذه الأرض، هذا صريح. أو كذلك سبلت هذا البستان على الفقراء والمساكين. والكناية كان يقول: تصدقت بهذه الأرض صدقة لا رجوع فيها، مثلا، هذا كناية وتدل على أن أراد بذلك الوقف، أن قوله: تصدقت بها صدقة لا رجوع فيها، هذا معنى أنه أوقفها، معنى أنه أوقفها. أو يقول مثلا: حرمت على نفسي هذا البيت، هذا إذا نوى أنه وقف، لأن التحريم قد يحرم على نفسه شيء وحلال له إذا لم ينو الوقف، فلا يكون وقفًا، لكن هو محتمل، إذا نوى الوقف فيكون وقفًا. إذا قال: حرمت على نفسي هذا البيت، ونوى بذلك أن يوقفه، فإنه يصير بهذا وقفًا. أو أبتت هذه الأرض أو هذه السيارة، ونوى بذلك الوقف، فإنه يصير وقفًا. إذن يثبت الوقف بمجرد القول، سواء كان صريحًا أو كان كناية مع النية. قال: «ولا يجوز فسخه»، كذلك أيضًا الفعل قد يثبت الوقف بالفعل من غير قول، كمن أوقف أرضًا وبنى بها مسجدًا، وأذن للناس بالصلاة فيها، هذا وقف بالفعل، هذا وقف بالفعل، فيصح كذلك أيضًا بالفعل الدال على ذلك. أو كذلك أيضًا، أتى بأرض وسورها، ثم أذن للناس بدفن الموتى فيها، هذا معنى أنه أوقفها، هذا كذلك وقف بالفعل. قال: «ولا يجوز فسخه»، لأن الوقف عقد لازم، وعرفنا أن العقد اللازم لا يجوز فسخه ولا بيعه، أي لا يجوز له أن يبيع هذا الوقف، لا يوم يوقف أرضًا أو بيتًا أو سيارة، ثم يقول: أريد أن أبيعها، لا يحق له ذلك. كما مر معنا في حديث عمر في الدرس الماضي، في قول النبي عليه الصلاة والسلام حين استشار عمر في أرض خيبر التي أصابها، أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يوقفها، ثم أخبره أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث، إذن الوقف لا يجوز بيعه. قال سادسًا: أن يكون الموقوف معينًا، فلا يصح وقف غير المعين، أن يكون الوقف معينًا، كما قلنا إذا عنده بيتان، ما يجوز أن يقول: أوقفت إحدى بيتي، لا بد أن يعين أي البيتين أوقفه، وهكذا إذا عنده أرضان أو عنده سيارتان أو عنده مزرعتان، لا بد من تحديد أيهما أراد وإيقافها وأجعلها وقفًا. قال سابعًا: أن يكون الوقف منجزًا، فلا يصح الوقف المعلق ولا المؤقت إلا على موته، أن يكون الوقف منجزًا، يعني يقول: أوقفت هذا البيت، أوقفت هذه الأرض، أوقفت هذه السيارة، لا يكون معلقًا بشيء، لا يكون معلقًا بشيء، ما يقول: إن جاء فلان من السفر فهذا البيت وقف، سالما مثلا، فهذا البيت وقف، لا، لا يعلقه، بل يجعله منجزًا من غير التعليق. وهكذا الوقف المؤقت، ما يجوز أن يوقف شيء مؤقتًا، يقول مثلا: هذا البيت وقف لمدة سنة، هذا ما يصح، لأن الوقف لا بد أن يكون مؤبدًا مستمرًا. قال: «إلا على موته»، يعني إذا علق الوقف بموته فهذا جائز، يجوز أن يعلق الوقف بموته، يقول: إذا مت فأرضي الفلانية مثلا وقف. وحينئذ إذا كانت هذه الأرض تساوي أكثر من ثلث التركة، فإنه يوقف ما زاد على الثلث إلى رضى الورثة، إذا رضوا بأن يوقفوا ما زاد على الثلث فذاك، وإن لم يرضوا فإنه لا يوقف منها إلا قدر الثلث، لا يوقف منها إلا قدر الثلث. الآن الوصية لا ينفذ منها إلا الثلث، ولا يجوز أن يوصي بأكثر من الثلث، إذا ينفذ منها قدر الثلث فقط. فلو قال شخص مثلا: إذا مت فجميع أموالي وقف، فإذا قال: جميع أموالي وقف، هنا نقول: إن أجاز هذا الورثة فذاك حق لهم، تنازل عنه، وإن لم يجيز فلا يوقف من أمواله إلا قدر الثلث، والباقي للورثة. قال ثامنًا: يجب العمل بشرط الواقف إذا كان لا يخالف الشرع، يجب العمل بشرط الواقف، يعني قد يوقف الإنسان وقفًا ويكون عنده شرط، يكون عنده شروط وقيود وصفات وجهات يوقف عليها هذا الوقف، فيجب العمل بشرطه. مثلا إذا قال: هذا البيت وقف للمساكين، إذا يكون للمساكين، إذا قال: هذا البيت وقف لطلبة العلم، فيجب أن يكون لطلبة العلم، إذا قال: هذا البيت وقف لابن السبيل، إذا يكون لابن السبيل، وهكذا إذا ذكر في وقفه شرط أو قيد أو صفة، فإنه يعمل بشرطه، يعمل بشرطه الذي شرطه، والقيد الذي قيده، ولا يجوز مخالفة شرط الواقف إلا إذا كان في ذلك مصلحة ومنفعة أعظم، فلا بأس. وهكذا إذا كان الوقف مخالفًا للشرع، فإنه يبدل إلى ما هو خير وأنفع. لو أوقف شيء من ماله على بعض الزيارات الشركية أو على بعض القبور، فهنا لا ينفذ هذا الوقف، لأن هذا معصية، فيصرف في شيء مما هو من البر والطاعة وخير لصاحبه. والله عز وجل يقول: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، فيصلح هذا الوقف وهذا الشرط إذا كان الشرط باطلًا مخالفًا للشرع، فإنه كما قلنا يصرف في شيء أو يوقف في شيء مما هو جائز، وهو أيضًا خير وأفضل لصاحب الوقف. أما إذا كان يخالف الشرع، فلا يعمل بشرطه، لا يعمل بشرطه، لو قال: هذا وقف على سهرات الغناء، أقول: هذا ما يجوز، هذا الشرط باطل، إذن يغير هذا الشرط إلى ما هو أنفع وما هو جائز. وقس على ذلك مما كان فيه من الشروط المخالفة للشرع، فإنه لا يقال: إن هذا شرط الوقف فيجب العمل به، نقول: لا يجب العمل به إذا كان موافقًا للشرع، أما إذا كان مخالفًا للشرع، فإننا لا يلزمنا، بل لا يجوز لنا أن نفعله وأن نعمله، لأن هذا من التعاون على الإثم والعدوان، فيغير، يبطل هذا الشرط إلى ما هو أنفع. قال تاسعًا: إذا وقف على أولادي استوى فيه الذكور والإناث، إذا قال: هذه المزرعة وقف على أولادي، اشترك بذلك الذكور والإناث بالسوية، يشتركون في هذا الوقف بالسوية، ما يقال: الذكر مثل حظ الأنثيين، لا، هنا في الانتفاع بالوقف هم سواء، ذكر أو أنثى. لفظ الولد يشمل الذكر والأنثى، يشمل الذكر والأنثى، لكن هذا الوقف هو عبارة عن انتفاع، يعني ليس هو إرث ولا هو في معنى الإرث، حتى نقول: الذكر مثل حظ الأنثيين، وإنه مجرد انتفاع، وهذا يستوي فيه الذكر والأنثى. فإذا أوقف شيء على أولاده، فإنهم ينتفعون به بالسوية، الذكر والأنثى سواء. إذا وقف على أولاده استوى فيه الذكور والإناث. نعم، إذا قال: هذا وقف على أولادي وأولادهم، على أولادي وأولادهم، فإنه أيضًا يستمر وينتقل هذا الوقف من الأولاد إلى أبنائهم، إلى أولادهم وأولادهم، يشمل الذكر والأنثى، يشمل الذكر والأنثى. وإذا قال: هذا وقف على أبنائي، هل يدخل في ذلك النساء والإناث؟ لا، يدخل الإناث، إذا قال: هذا وقف على أبنائي، هل يدخل الإناث؟ لماذا؟ لفظ الأبناء لا يشمل إلا الذكور، لفظ الأبناء لا يشمل إلا الذكور. وإن كان هذا الوقف، الوقف لا يجوز، يعني لا يجوز أن يوقف على الذكور دون الإناث، لكن لو قال: هذا وقف على أبنائي، خص بذلك الذكور دون الإناث، بخلاف لفظ أولادي، لفظ الولد يشمل الذكر والأنثى، كما قال الله عز وجل: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، فلفظ الولد يشمل الذكر والأنثى، لكن لفظ الابن يشمل الذكر ولا يشمل الأنثى. طيب إذا قال: هذا وقف على أبنائي وأبنائهم، هذا وقف على أبنائي وأبنائهم، كذلك يكون هذا خاص بالذكور، هذا خاص بالذكور دون الإناث، لا، ما يجوز أن يوقف على الأبناء دون الإناث، لكن لو قال ذلك فيكون هذا خاص بالذكور، لكن من حيث الجواز الحكم منه لا يجوز أن يوقف على الذكور دون الإناث، لأن الواجب هو المساواة بين الذكور والإناث في العطية، كما سيأتي في الباب الذي بعد هذا. قال رحمه الله: الباب الثالث والعشرون، الهبة والعطية، وفيه مسائل. قال مسألة الأولى: معناها وأدلتها. قال أولا: معناها، الهبة هي التبرع من جائز التصرف في حياته لغيره بمال معلوم أو غيره بلا عوض. الهبة هي التبرع من جائز التصرف في حياته لغيره. قوله: من جائز التصرف، يعني أن يشترط في الهبة أن يكون المتصرف فيها ممن يصح تصرفه، كما سيأتي ذلك في ذكر الأحكام المتعلقة بالهبة. وقوله: في حياته، يخرج بذلك الوصية، لأنها تبرع بعد الموت، الوصية تبرع بعد الموت. وقوله: بمال معلوم أو غيره، يعني سواء كان المال معلومًا أو كان مجهولًا، فيجوز التبرع به بالهبة. بالمال المعلوم، كان يقول: خذ هذه الأرض، أو خذ هذه السيارة، أو خذ هذا المال، هذا مال معلوم. وغير المعلوم، كان يقول: هذه الشاة إذا وضعت فما في بطنها لك، ما في بطن هذه الشاة لك، هذا الآن تبرع وهبة بشيء مجهول، هل هذا جائز؟ الجواب: نعم، يجوز، يجوز التبرع بشيء مجهول. أو يقول: ما في داخل هذا الكيس فهو لك، الذي في داخل هذا الكيس مجهول، لكن يجوز التبرع به وهبته. أو يقول مثلا: بعيري الضال إذا وجدته فهو لك، إذا وجدته فهو لك، هل هذا جائز؟ الجواب: نعم، يجوز، لماذا؟ لأنه إن وجده فهو رابح، وإن لم يجده فهو لم يخسر شيء، فهو لم يخسر شيء، بخلاف البيع والعوض، فلا يجوز في مثل هذه الصور، لأن صاحبه بين أمرين: إما الغنم، وإما الغرم. بخلاف ما إذا كان على جهة الهبة. قال: بلا عوض، الهبة تكون بلا عوض، بلا مقابل، يعطيه الشيء بلا مقابل، هذه هي الهبة. والتبرع بالمال، التبرع بالمال قد يكون صدقة، وقد يكون هبة، وقد يكون هدية، نفس المال التبرع به قد يكون صدقة إذا نوى بها الأجر والثواب من الله جل وعلا، فهذه صدقة. وإذا نوى التبرع بهذا المال التودد إلى من أعطاه هذا المال، فهي هدية. وإن نوى بها إن انتفاع المعطى فهي هبة، إذا نوى بها نفع المعطى فهي هبة، نعم، فهي هبة. إذا نوى بها التقرب إلى الله فهي صدقة، وإن نوى بها التودد إلى المعطى فهي هدية، وإن نوى بها نفع المعطى فهي هبة. قال: حكمها وأدلتها. قال: والهبة مستحبة إذا قصد بها وجه الله، كالهبة لصالح أو فقير أو صلة رحم. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تهادوا تحابوا»، والحديث رواه البيهقي، وهو حسن علامة الباني رحمه الله. «تهادوا» يعني: بينكم، ليهدي أحدكم لأخيه، الهدية وهي مما يجلب المحبة، مما يجلب المحبة. «تهادوا تحابوا» يعني: تهادوا فإن تهاديتم تحاببتم، فالهدية من أسباب جلب المحبة بين الناس بعضهم مع بعض. وقول: «تهادوا» هذا فيه أمر، وإن كان هذا الأمر للاستحباب، فيدل على استحباب الهدية. قالوا: عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها»، والحديث في البخاري. كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها، يعني: إذا أهدي له أحد شيء أثابه عليها، أعطاه شيء من عنده، يعني إكرامًا له، لا بأس به، يعني: يهدي لك إنسان هدية فأنت ترد له بمعنى شيء تثيبه عليه على هذه الهدية. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، وهذا من تواضع عليه الصلاة والسلام، وهو القائل: «لو أهدي إلي كراع أو ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت»، يعني: أعطي لي هدية وكانت من أحقر الأشياء ما ردها، لقبلتها، لو كانت ذراع أو كراع -كراع غنم- لو كانت كراعًا لأخذها النبي صلى الله عليه وسلم وما ردها. بعض الناس اليوم لو جبت له كراعًا ربما يرميه في وجهك، سيرميه في وجهك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقبلها، يأخذها ما يردها، عليه الصلاة والسلام، هذا من تواضعه عليه الصلاة والسلام. قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها». قال: وتكره إن كانت رياء وسمعة ومباهاة، وتكره إن كانت رياء وسمعة ومباهاة، يعني: يعطي من باب الرياء أن فلان يعطي ويهب ويهدي، هذا إذا كان على هذه النية فهذه نية فاسدة، لا يثاب عليها صاحبها، ولا يثاب، بل قد يأثم. الواجب إن أهدى يكون قصده بذلك إذا أراد التودد إلى أخيه والتحابب فيما بينه، فهذا أمر حسن. أو أراد أن ينفعه بما أعطاه فكذلك. أو أراد بذلك التقرب إلى الله فهي صدقة. وإذا كانت صدقة فلا يجوز له أن يرائي فيها، إن راءى فيها، وقد وقع في الشرك، وقع في الشرك المبطل للأعمال. والله عز وجل يقول في الحديث القدسي: «إن أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه». طيب نكتفي بهذا القدر إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.