الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 90، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يؤكد الدرس أن المؤمن يعبد الله في كل أحواله، سواء في الرخاء أو الشدة، مستشهداً بيوسف عليه السلام الذي استمر في الدعوة والتوحيد حتى في السجن. كما يبرز حكمة تقديم أهم المسائل عند التعليم والإفتاء، حيث قدم يوسف التوحيد على تعبير الرؤيا اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
يشدد المقطع على وجوب البدء بالأهم في الدعوة وهو تصحيح العقيدة والتوحيد، كما فعل يوسف مع الفتيين في السجن. ويبين جواز الاستعانة بالمخلوق في طلب الحاجة، مع ضرورة إخلاص المعلم في بذل العلم لوجه الله دون انتظار مقابل، مستشهداً بصبر يوسف وعدم معاتبته لمن نسي حاجته.
يوضح الدرس أن طالب العلم لا يمتنع عن التعليم بحجة عدم التكريم، بل يجب الإخلاص في النصح وتوجيه السائل لما ينفعه ديناً ودنيا كما فعل يوسف عند تفسير الرؤيا وإرشاده لسياسة المعاش. ويؤكد جواز طلب دفع التهمة عن النفس، حيث امتنع يوسف من الخروج حتى تتبين براءته.
يؤكد المقطع أن انتهاء القضية القانونية لا يكفي، بل يجب على الشخص السعي لتبرئة ساحته أمام الناس وإثبات براءته من التهم المنسوبة إليه. لأن السكوت عنها يترك وصمة عار تلاحقه رغم براءته الشرعية.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فلا يزال المؤلف يتحفنا بالفوائد والعبر والدروس المستنبطة من قصة نبي الله يوسف عليه السلام. قال: ومنها أنه كما على العبد عبودية لربه في حال رخائه، فعليه عبودية في حال الشدة. ويوسف صلى الله عليه وسلم لم يزل يدعو إلى الله، فلما دخل السجن استمر على ذلك، ودعا من يتصل به من أهل السجن، ودعا الفتيين إلى التوحيد ونهاهما عن الشرك. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة»، يعرفك في الشدة. فالمؤمن ليس يعرف ربه في حال الضيق والشدة والكربة فقط، وإنما يعرف ربه في كل أحواله، ومنها في حال الرخاء وفي حال السعة والنعم، فإنه يزداد عبادة لله عز وجل، فلا يخزيه الله ولا يخذله. خديجة رضي الله تعالى عنها لما جاءها النبي صلى الله عليه وسلم من غار حراء لما أنزل عليه الوحي، وجاءه جبريل، فجاء إلى خديجة وهو يقول: «زملوني، زملوني» من شدة الخوف، فقالت له: «كلا والله لا يخزيك، لا يخزيك الله»، ثم ذكرت له عبادته حال الرخاء، قالت: «إنك لتصل الرحم، وتقرئ الضيف، وتعين على نوائب الحق». ذكرت له ما كان عليه عليه الصلاة والسلام من عبادات عظيمة وجليلة كان يعملها، فمن عرف الله في الرخاء عرفه في الشدة. فهذا يوسف عليه السلام استمر على عبادة الله في حال الرخاء وفي حال الشدة، في حال الرخاء وفي حال الشدة. فبينما هو في السجن إذ يدعو إلى الله وينهى عن الشرك، ما ترك عبادة الله، ما ترك عبادة الله عز وجل في حال الشدة، وكذلك كان في حال الرخاء. ولذلك قال: ومن كمال رأيه وحكمته أنه لما رأى فيهما قابلية لدعوته، حين احتاجا إليه في تعبير رؤياهما، وقالا له: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، رأى ذلك فرصة في الدعوة؛ لأنهما طلبا منه هذا الأمر، فأخره عليهما حتى يشتاقا إليه، ويتقبلا منه ما يدعوهما إليه من التوحيد والنهي عن الشرك. فدعاهما إلى الله قبل أن يعبر الرؤيا، ليكون أقرب إلى حصول المطلوب، وبين لهم أن الذي أوصلهم إلى هذه الحالة التي رأياه فيها من الكمال والعلم: إيمانه وتوحيده، وتركه لملة المشركين. وهذا دعا لهما بالحال، يعني بحاله، ثم دعاهما بالمقال، يعني رأوا الإحسان منه، فكما يقال: الفعل أبلغ من القول. فلما رأوا منه الإحسان والأخلاق الفاضلة توسما فيه الخير، فطلبا منه تعبير رؤياهما. قال: وبرهن لهما على حسن التوحيد ووجوبه، وعلى قبح الشرك وتحريمه. فالخلاص من هذه الفائدة: أن العبد كما أنه يعبد الله في حال الرخاء، كذلك يعبد الله في حال الشدة، لا يترك العبادة، لا يترك عبادة الله، فهو معلق بالله سبحانه وتعالى في كل أحواله، لا يترك عبادة الله لابتلاء أو لفتنة أو لشدة أبداً، بل يستمر في عبادة الله سبحانه وتعالى. قال: ومنها أن يبدأ بالأهم فالأهم، وأنه إذا سئل المفتي، وكان السائل عجزته في غير سؤاله أشد، أنه ينبغي له أن يعلمه ما يحتاج إليه قبل أن يجيب سؤاله، فإن هذا علامة على نصح المعلم وفطنته وحسن إرشاده وتعليمه. فإن يوسف لما سأله الفتيان عن رؤياهما، وكانت حاجتهما إلى التوحيد والإيمان أعظم من كل شيء، قدمها. وهذا يستفيد منها العالم وطالب العلم: إذا سألك سائل عن مسألة، وهذه المسألة ليست بتلك الحاجة أو تلك المنزلة، وأنت تعلم أن هذا السائل بحاجة إلى مسائل أعظم من مسألته، فمن حسن التعليم ومن الحكمة الدعوة إلى الله عز وجل أن تبدأ مع هذا السائل بالمسائل المهمة، كما في حال التعليم: تأتي مكان تعلم الناس أولاً، تعلمهم المسائل المهمة. وهذا من وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة، كما في حديث معاذ لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقال: «أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، ابدأ بهذا، ابدأ بهذا. فقد يأتيك عامي مثلاً يسأل عن مسألة في الحلال أو الحرام، أنت ستفتي في هذه المسألة، لا، ما ستخفيها عليه، لكن أنت ترى أن هذا السائل بحاجة إلى تصحيح العقيدة، أو أنه لابس مثلاً تميمة، أو كذلك شيء من تلك الشركيات أو نحو ذلك، فتبين له الأهم أولاً: التوحيد، ثم تجيبه على سؤاله. ليس في هذا تهوين من مسائل الشرع، وليس معنى هذا ترك المسألة التي سأل عنها، طالما أنها من أمور الدين، وإنما المراد أن تبدأه بالأهم، وإن لم يسأل عن هذا الأمر، فأنت تبدأه به. فإن يوسف عليه السلام ما سأله، أو ما سأله الفتيان عن التوحيد، لما سأله عن ماذا؟ عن الرؤية، تعبير الرؤية. فيوسف عليه السلام وجدها فرصة في دعوتهما إلى التوحيد، فدعاهما إلى توحيد الله سبحانه وتعالى. قال: ومنها أن من وقع في مكروه وشدة، لا بأس أن يستعين بمن له قدر على تخليصه بفعله أو الإخبار بحاله، وأن هذا لا يكون نقصاً، ولا شكوى إلى المخلوق ممنوعة، فإن هذا من الأمور العادية التي جرى العرف باستعانة الناس بعضهم ببعض فيها. ولهذا قال يوسف للذي ظن أنه ناجٍ منهم: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾، فهذا لا بأس به. وقعت في شدة مثلاً، عندك دين، لا بأس أن تأتي عند الشخص وتقول له: فلينظر أحد يعني يعينني في هذا الشيء. هذا ليس شكوى إلى مخلوق، وهذا ليس نقصاً، وهذا ليس نقصاً، بل هذا مما تعارف عليه الناس، وجرى به العرف، وجرى به العرف أن ليست مسألة ومذلة، وإنما هو استعانة لأخيك المسلم، لا سيما مثل تلك المسائل التي لا تظهر ولا تعرف إلا بالإخبار، إلا بالإخبار، فلا بأس بذلك. فيوسف قال لمن ظن أنه سينجو: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾، يعني عند سيدك، لعله يذكرني ويفك أسري أو سجني، فهذا لا بأس به، وليس بمذموم أو ممنوع. قال: ومنها أنه يتعين على المعلم والداعي إلى الله استعمال الإخلاص التام في تعليمه ودعوته، وأن لا يجعل ذلك وسيلة إلى معاوضة في مال أو جاه أو نفع، وأن لا يمتنع من التعليم إذا لم يفعل السائل ما كلفه به المعلم. فإن يوسف قد وصى أحد الفتيين أن يذكره عند ربه، فلم يذكره ونسي، فلما بدت حاجتهم إلى سؤال يوسف، أرسلوا إليه، أرسلوا ذلك الفتى، وجاءه سائلاً مستفتياً عن تلك الرؤية، فلم يعنفه يوسف، ولا وبخه، بل ولا قال له: لما لم تذكرني عند ربك؟ وأجابه جواباً تامة من جميع الوجوه. وهذا أيضاً نحتاجه جميعاً معاشر طلاب العلم: أن يكون طالب العلم باذلاً للعلم لوجه الله، لا تقل: ما سأعلم فلاناً لأنه ما قضى حاجتي، أو لأنه ما شفع لي، أو لأنه ما أكرمني، أو ما أهداني، أو نحو ذلك. أنت تعلم لوجه الله، لا تريد من الناس ولا من المتعلمين جزاءً ولا شكوراً، وهذا من تمام الإخلاص. فتبذل العلم لله، لا لدنيا تصيبها، لا لدنيا تصيبها. فانظر إلى يوسف، قال لهذا الذي نجا: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾، فلم يذكره ونسى حاجته، ثم جاءه مرة أخرى، ما قال له: ما سأفتيك، كيف أنت ما ذكرتني عند سيدك؟ ما قال له ذلك، بل لم يقل له: ما ذكرتني؟ لماذا لم تذكرني؟ ما وبخه ولا عنفه، ولا طلب منه أو ذكره بما مضى أبداً، كأنه ما سأله، وكأنه ما طلب منه شيئاً. هذا يدل على تمام صدقه وإخلاصه، فأجابه، أجابه وبذل له العلم، بذل له العلم، بل ما قال له مرة أخرى: اذكرني عند ربك، أو طلب منه أن يكلم سيده أن يخرجه من السجن، أبداً، أعطاه العلم وانتهى. آه، كذا طالب العلم يبذل العلم لله، رجاء الأجر من الله، لا يريد لا مالاً ولا ثناءً ولا مدحاً من أحد، ولا شيئاً، يدعو إلى الله، فإن جاءه شيء من غير استشراف ومن غير سؤال، أخذ والحمد لله، وإلا مضى في دعوته، ما يقول: إن أعطيت علمت، وإن لم أعطى تركته، هذا ما يعمل لله، هذا ما يعمل لله. نعم، إذا كان هذا العطاء سبباً لسد حاجتك الدنيوية، وترى أن الوقت هذا تستغله في أمر آخر كي تسد حاجتك، هذا أمر آخر. أما أن يكون عندك من الفراغ، وعندك من الاستطاعة على تعليم إخوانك، ثم بعد ذلك تمتنع، لماذا؟ لأنني لم أعطَ، أو لم أقدر، أو لم أُكرم، أو نحو ذلك، لا، هذا ينافي الإخلاص الذي ينبغي أن يكون عليه طالب العلم. قال: ومنها أنه ينبغي للمسؤول إذا أجاب السؤال أن يدل السائل على الأمر الذي ينفعه مما يتعلق بسؤاله، ويرشده إلى الطريق التي ينتفع بها في دينه ودنياه، فإن هذا من كمال نصحه وجزالة رأيه، يعني رجاحة رأيه وحسن إرشاده. فإن يوسف لم يقتصر على تعبير رؤيا الملك، بل دلهم مع ذلك وأشار عليهم بما يصنعونه في تلك السنين المخصبات من الإكثار من الزراعة، وحسن الحفظ والجباية. ومعنى هذا: إن أتى مستفتي عنده مشكلة، فهو يستفتيك في المسألة: هل هذا يجوز أو لا يجوز؟ فأنت الواجب عليك الآن أن تقول له: يجوز أو لا يجوز، صح. لكن لو معك حل، معك حل لهذه المعضلة أو لهذه المشكلة، فتعطي هذا الحل. على سبيل المثال: جاءك سائل يقول: أنا اختصمت مع أبي، فهل يحق لي أن أخرج من البيت وأستقل بأولادي وأترك أبي في البيت حتى لا أنصدم معه مرة أخرى؟ فأنت بدل ما تقول: لا، نعم يجوز، أو لا يجوز، قال له: يا أخي تعال نصلح بينك وبين أبيك، الواجب عليك أن تفعل كذا، والوالد هذا مهما فعل فيك فقد تعب فيك، وكذا تعظه وتنصح، وتبين له عظم حق الأب، وتبين له الطريق الصحيح في الإصلاح أو في الصلح مع أبيه. هكذا الداعية يعالج الأمور، ويعطي السائل أكثر مما يريد، أكثر مما يريد. آخر هجر أخاه، قال لك مثلاً: هل يجوز لي أن أمنع أولادي مثلاً من السلام عليه لأن هذا الرجل فعل كذا وكذا؟ فأنت بدل ما تقول له: نعم يجوز، أو لا يجوز، قال له: يا أخي تعال نصلح بينك وبين هذا، إيش الذي صار؟ أنتم مسلمون، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه»، تكون مفتاح خير بين الناس، تكون مصلحاً، تكون يعني ترشد الناس إلى ما فيه خير لهم، ولا تقتصر على السؤال. وربما بعض السائلين يقول لك: لا، لا، أنا ما جئتك من أجل أن تصلح بيني وبين فلان، أنا جئتك من أجل أن تفتي، قل: لا، لا، أولاً لابد أن تعمل حل مع هذا، ولا بد أن تصلح مع هذا، لا أفتيك إلا بعد أن... فلربما يستجيب، وتكون سبباً في الإصلاح بينهما، في الإصلاح بينهما. فيوسف عليه السلام كان بإمكانه في هذه الرؤية أن يقول: يعني ستأتي سبع سنين عجاف، طيب، أو سبع سنين سمان، ثم تأتي سبع سنين عجاف، هذا معناه التفسير: البقر السمان دليل على السنوات السمان، والبقر العجاف دليل على السنوات العجاف، خلاص انتهت الرؤية، صح، انتهت تعبيره. لكن أعطاهم كيف يعني يسايسون أمور معاشهم في مثل هذا الحال، فبين لهم أنهم يجتهدون في السبع السنين في الزراعة، وأنهم يكثرون من الجني، جني الحبوب ونحو ذلك، ثم تخزينها للسبع العجاف. وهكذا أعطاهم كيف يفعلون، فأفتاهم في تعبير الرؤية، وزادهم نصحاً وإرشاداً، وكذلك سياسة في تدبير شؤونهم، وهكذا ينبغي أن يكون المستفتي. قال: ومنها أنه لا يلام العبد على دفع التهمة عن نفسه، بل ذلك مطلوب، كما امتنع يوسف من الخروج من السجن حتى تتبين لهم براءته مع النسوة التي قطعن أيديهن. وهذه مسألة مهمة: يعني يوسف عليه السلام في قصته لما قيل له: الملك يطلبك، قال الملك: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾، استخلصه لنفسي، هل جاء مباشرة فرح؟ قال: هيا خروج من السجن، الملك طلبني؟ لا، قال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، لماذا قال هكذا يوسف؟ حتى يبر ساحته، لأنه اتهم بما هو منه براء، اتهم بأنه هو المراود، وليس النسوة المراودات، هو المراود، فأراد أن يدفع التهمة عن نفسه، ولذلك رفعت هذه التهمة عن يوسف عليه السلام بعد ذلك. وهكذا مثلاً: اتهمت بأي مصيبة من المصائب، باختلاسات، أو بشيء من الفواحش، أو نحو ذلك، ثم قيل لك: خلاص انتهت القضية، ما في داعي، اذهب إلى بيتك، والناس قد تحدثوا: فلان مختلس، فلان كذا، فلان كذا، ما تسكت وتقول: خلاص، طالما أنني نجوت من السجن، سهل، الناس يتكلمون ما تشاء؟ لا، تبر ساحتك، تطلب أن يعرف الناس أنك بريء، أنك ماذا؟ بريء، حتى تدفع عنك هذه التهمة، حتى تدفع عنك هذه التهمة، طالما أنك بريء منها، طالما أنك بريء منها. هذا وخلاص هذه الفائدة، والله تعالى أعلم.