الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
دعا النبي لأنس رضي الله عنه بتكثير ماله وولده، ويستنبط من ذلك جواز الدعاء لغيره بالخير. كما يبين المقطع جواز صلاة النافلة جماعة أحيانا.
يبرز المقطع أهمية الرحمة والتعامل الحسن مع الأطفال، مستشهدا بأحاديث نبوية تبرز رحمة المرأة لأولادها وتأثير ذلك على نيل رحمة الله.
يؤكد المقطع على أهمية تأديب الوالدين لأولادهم ومراقبتهم لضمان صلاحهم، ويشير إلى اتخاذ الأسباب التي تعين على ذلك مثل اختيار الزوجة الصالحة ودفع الولد إلى مجالس العلم.
التربية الصالحة للأبناء تتطلب بيئة مناسبة تقوى الله وتحضر مجالس العلم، ولا يمكن أن ينشأ الأبناء صالحين إذا تركوا في الشوارع دون مراقبة أو توجيه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق ومرسلينا أبينا ومحمدنا وآله وأصحابه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: باب من دعا لصاحبه بتكثير ماله وولده. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوما، وما هو إلا أنا وأمي وأم حرام، قالت: إذ دخل علينا، فقال لنا: «ألا أصلي بكم؟» وذاك في غير وقت صلاة، وقال: «قوموا»، فأين جعل أنسا منه؟ قال: جعله عن يمينه، ثم صلى بنا، ثم دعا لأهل البيت بكل خير من خير الدنيا والآخرة، وقال: ثم يا رسول الله، خادمك -يعني أنسا- أدعو الله له، فدعا لي بكل خير كان في آخر دعائه أن قال: «اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له». والحديث صحيح، هو في مسلم، وفيه دعاء النبي عليه الصلاة والسلام لأنس رضي الله تعالى عنه أن الله سبحانه وتعالى يكثر ماله وولده ويبارك له. ففيه دعاء الرجل لصاحبه بتكثير المال والولد، فهذا من الجائز والمستحب، تدعو لصاحبك أن الله سبحانه وتعالى يكثر ماله وولده كما دعا النبي عليه الصلاة والسلام لأنس، واستجاب الله جل وعلا دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، فكثر ماله وولده، حتى ذكر أنه كانت له أشجار تثمر في السنة مرتين، كانت تثمر في السنة مرتين. وكذا أيضا كان له أولاد كثير، حتى ذكر كذلك عنه أنه ولد له من صلبه ومن أولاد أولاده أكثر من مائة. وفيه أيضا تواضع النبي عليه الصلاة والسلام، فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو العالم والمفتي والأمير والحاكم، ويذهب إلى بيت أنس رضي الله تعالى عنه خادمه يزوره في بيته. وفيه أيضا جواز صلاة النافلة جماعة أحيانا، يجوز أن تصلى النافلة جماعة أحيانا لقوله: «ألا أصلي بكم؟» قال: وذاك في غير وقت صلاة، يعني ليس في وقت صلاة فريضة، بل مراد أنها صلاة نافلة، وصلى بهم النبي عليه الصلاة والسلام جماعة. ولهذا غرب الإمام النووي رحمه الله في صحيح مسلم باب جواز الجماعة في النافلة، لكن هذا كما قلنا أحيانا، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يستمر على ذلك، وإنما فعله أحيانا، وصلى بأنس، ومرة بابن عباس، وصلى مرة بحذيفة، ومرة بابن مسعود، فيجوز أحيانا. وهذا أيضا فيه أن المأموم إذا كان واحدا فإنه يقف بجانب الإمام، لقوله: فأين جعل أنسا منه؟ قال: جعله عن يمينه، فيقوم المأموم عن يمين الإمام إذا كان منفردا. وإذا قام عن يساره، الصحيح أنها لا تبطل صلاته، لكن خلاف الأفضل، وذلك حيث بن عباس أنه لما قام يصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام قام عن يساره، فأقام عليه الصلاة والسلام برأسه وحوله إلى يمينه، ولم يأمره باستئناف الصلاة، وهذا دليل على أن صلاته صحيحة، لكن خلاف الأفضل، فالأفضل أن يقوم عن يمين الإمام. ثم دعا النبي عليه الصلاة والسلام لأهل البيت -يعني لأنس وأمه وخالته- دعا لهم عليه الصلاة والسلام بكل خير من خير الدنيا والآخرة. ثم كذلك قص أنس رضي الله تعالى عنه بالدعوة، وشاهد منه هو قوله: «اللهم أكثر ماله وولده»، ففيه جواز دعاء الصاحب لصاحبه بتكثير المال والولد. قال: باب الوالدات رحيمات. قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن فضالة، قال: حدثنا بكير بن معبد، عن أنس بن مالك: أن امرأة جاءت إلى عائشة رضي الله تعالى عنها بتمرات، فأعطتها عائشة ثلاث تمرات، فأعطت كل صبي لها تمرة، وأمسكت لنفسها تمرة، فأكل الصبيان التمرتين، ونظر إلى أمهما، فعمدت إلى التمرة فشقتها نصفين، وأعطت كل صبي نصف تمرة. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته عائشة، فقال: «وما يعجبك من ذلك؟ لقد رحمها الله برحمتها صبييها». والحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم، وأيضا في صحيح البخاري. وفيه أن هذه المرأة سألت عائشة رضي الله تعالى عنها، فلم تجد إلا ثلاث تمرات، وهذا دل على ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من الزهد في هذه الدنيا، فعائشة زوج النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك لا يجد عندها من الطعام إلا ثلاث تمرات، لم تجد ما تعطي هذه السائلة إلا ثلاث تمرات. فأعطت كل صبي لها تمرة -يعني هذه المرأة- وأمسكت لنفسها تمرة، فأكل الصبيان التمرتين، ونظر إلى أمهما -يعني أنهما كان جائعين- فأكل التمرتين، ومعلوم أن أكل التمرتين مع الجوع ما يغني، فلهذا نظر إلى أمهما، فما كان من هذه الأم إلا أن شقت هذه التمرة نصفين، وأعطت كل صبي نصف تمرة، وبقيت بلا شيء، بقيت على الجوع، وآثرت نصيبها لأولادها. فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام، أخبرته عائشة بما فعلت هذه المرأة مع صبييها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد رحمها الله برحمتها صبييها»، رحمها الله سبحانه وتعالى بسبب أنها رحمت هؤلاء الصبيان. وهذا دل على أن رحمة الطفل والصبي لها أجر عظيم عند الله سبحانه وتعالى، وهي سبب لرحمة الله سبحانه وتعالى. وجاء في بعض الروايات أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من ابتلي من هؤلاء البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار». وفيه أيضا بيان أن الأم رحيمة على أولادها، وأن الأم ربما كانت رحمته أعظم من رحمة الأب لأولاده، هذا هو الغالب. قال: باب تقبيل الصبيان. قال: حدثنا عمر بن يوسف، قال: حدثنا صبيان، عن إسماعيل، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أتقبلون صبيانكم؟ فما نقبلهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟». والحديث في الصحيحين. وفيه أن هذا الأعرابي أتى النبي عليه الصلاة والسلام، فرآهم يقبلون الصبيان، فسأل: أتقبلون صبيانكم؟ قال: فما نقبلهم، يعني نحن ما نقبل الصبيان. ولعل هذا لسبب الغلظة والجفاء الذي عند الأعراب، كما وصفهم الله سبحانه وتعالى: الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله. فقال: ما نقبلهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟» يعني أن تقبيله للصبيان من الرحمة التي جعلها الله سبحانه وتعالى في قلوب العباد، فيقبل الرجل الصبي رحمة وشفقة. قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة قال: قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن أو الحسين، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد، ما قبلت منهم أحدا. فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «من لا يرحم لا يرحم». والحديث كذلك في الصحيحين. ففيه بيان أن تقبيل الصبيان من الرحمة، وأن من لا يرحم لا يرحم، أي من لا يرحم غيره لا يرحمه الله سبحانه وتعالى، فتقبيل الصبيان من الرحمة التي جعلها الله سبحانه وتعالى في قلوب العباد، فالذي لا يقبلهم ولا يرحمهم، فهذا نزعت من قلبه الرحمة. قال: باب أدب الوالد وبره لولده. قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الوليد بن نمير بن أوس، أنه سمع أباه يقول: كانوا يقولون: الصلاح من الله، والأدب من الآباء. وهذا الأثر له حكم الرفع، ومعناه صحيح، أن صلاح الأولاد من الله سبحانه وتعالى، الله عز وجل يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لكن لا بد للوالد أن يأخذ بالأسباب التي بها يكون صلاح الولد، فليس معنى أن يكون الصلاح من الله أنه لا يبالي به، ثم يريده أن يكون صالحا وهو لا يربيه ولا يعلمه أحكام الدين، فليس هذا صحيحا، بل لا بد للوالد أن يؤدب ولده إذا أراد من ولده أن يكون صالحا، فلا بد أن يأخذ بالأسباب التي تعين ولده على الصلاح، يسأل من الله سبحانه وتعالى ذرية صالحة: «ربنا هب لنا من أزواجنا وذرية قرة أعين». يسأل من الله سبحانه وتعالى أن يصلح أولاده، وهكذا يختار الزوجة الصالحة التي تعينه على صلاح أولاده، وهكذا يأتي بالأذكار والأدعية التي أوصى بها النبي عليه الصلاة والسلام عند إتيانه أهله، مما يبعد الشيطان: «إن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله وقال: اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، لم يضره الشيطان أبدا». أو إن يقدر له ما ولد لا يضره الشيطان، هذا من أسباب صلاح الولد. وهكذا دفع الولد إلى مجالس العلم، ودور العلم الصالحة السالمة من المعاصي والمخالفات الشرعية، سبب لصلاح الولد. وهكذا مراعاة الولد، ومراقبة الولد لولده، ينظر أين يذهب، وإلى أين يخرج، وكيف يقضي وقته، إلى غير ذلك، كل ذلك سبب في صلاح الولد. فهذا لا بد منه إذا أردت صلاح أولادك، فلا بد أن تتخذ الأسباب التي تعين على ذلك. أما أن ترمي به في الشوارع والمزابل، ثم تريد من ولدك أن يكون صالحا، يخرج من الصباح إلى الظهر أو إلى الليل، ولا تدري أين ذهب، ولا مع من ذهب، ثم تريد منه أن يكون صالحا، أبدا لا يكون صلاح من الشوارع، بل لا يكون صلاح إلا بتربيته وتأديبه في بيت الله سبحانه وتعالى، وفي مجالس العلم. والله تعالى أعلم.