الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 575

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 575

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 575، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضائل عبد الله بن جعفر وحديثه عن رسول الله

يتناول هذا الفصل فضائل عبد الله بن جعفر وأخلاقه الحميدة التي ورثها من النبي، كما يذكر حديثا لأحمد بن حنبل عن عبد الله بن جعفر حول إرداف النبي له وحديثه عن قضاء حاجة النبي واستتاره. يبرز هذا الفصل أهمية الأخلاق الحميدة الموروثة من النبي.

قصة الجمل الذي شكا للنبي

يروي هذا الفصل قصة جمل حن وذرفت عيناه عند رؤية النبي صلى الله عليه وسلم، فمسح النبي عليه وهدأ، ثم وبخ النبي صاحب الجمل لسوء معاملته له. يظهر هذا الفصل رحمة النبي بالحيوانات ووجوب الرفق بها.

فوائد حديث رسول الله مع عبد الله بن جعفر واستخلاص الدروس

يستخرج هذا الفصل عدة فوائد من الحديث، منها وجوب الاستتار عند قضاء الحاجة، وجوب النفقة على الحيوانات وإطعامها، واستحباب الوضوء بعد قضاء الحاجة، ورحمة الحيوانات والرفق بها. يشير أيضا إلى كلام الحيوانات للنبي وتحنانها له.

أهمية الحفاظ على أسرار الناس

يناقش هذا الفصل أهمية الحفاظ على أسرار الناس لأنها أمانة، فلا ينبغي أن يفضح سرًا أو يتكلم بسر أفضاه له أحد، بل عليه أن يحفظ الأمانة. يبرز هذا الفصل جانبًا مهمًا من الأخلاق الإسلامية.

  • 15 جمادى الآخرة 1445هـ - 27/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: مسند عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما، عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وعن أبيه، عبد الله له فضائل عظيمة، ومن فضائله أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أما عبد الله فأشبه خلقي وخلقي»، أي كان يشبه النبي عليه الصلاة والسلام في خلقه، وكذلك في أخلاقه، فكانت أخلاقه أخلاق الأنبياء. عرف عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنه بالسخاء والكرم والحياء والأخلاق العظيمة التي أخذها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي كفله، وكان يسعى في حوائجه. قال لأسماء بنت عميس أمهما: «لا تبكي عليهما، وأنا كفيلهما»، أي عبد الله بن محمد، بعدما مات جعفر رضي الله عنه، استشهد جعفر في مؤتة، فالنبي عليه الصلاة والسلام تركهم ثلاثة أيام، أي ترك أسماء ثلاثة أيام، ثم جاءها بعد ثلاثة وقال: «هاتي ابني أخي»، فقال عبد الله: «فجيء بنا كأننا فراخ»، معنى ذلك من صغرهم، ودعا لهما النبي عليه الصلاة والسلام. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا يزيد، والظاهر أنه يزيد بن هارون أبو خالد الواسطي، قال: أنبأنا مهدي بن ميمون، ومهدي بن ميمون ثقة وهو بصري، عن محمد بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر قال: ... وحدثنا بهز وعفان قال: حدثنا مهدي قال: حدثنا محمد بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي، قال: عن عبد الله بن جعفر قال: «أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خلفه، فأسر إلي حديثا لا أخبر به أحدا أبدا». وأنا يقول عبد الله بن جعفر: إنه أردفه النبي عليه الصلاة والسلام، أي جعله خلفه في ناقة أو في حمار، وكان النبي عليه الصلاة والسلام دائما يردف معه هؤلاء الأولاد، وكانوا صغارا، عبد الله بن جعفر وأسامة بن زيد والحسن بن علي والحسين وغيرهم من أبناءه وأبناء عمه، فكان يردفهم النبي عليه الصلاة والسلام، وكان إذا خرج غزوة أو سافر سفرا ثم رجع فيستقبلونه هؤلاء الأولاد فيردفهم. قال: «فأسر إلي حديثا لا أخبر به أحدا أبدا»، كأن هذا الحديث سر، معناه أعطاه سرا، النبي عليه الصلاة والسلام قد يكون شيء في فضائله أو في فضائل به أو ما يكون في إخبار عن الغيب، فالمهم أنه سر أعطاه إياه فلم يخبر به أحدا. قال: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب ما استتر به في حاجته هدف أو حائش نخل»، الهدف مكان الحشيش أو كذا يجتمع حشيش فيختبئ يستتر خلفه، أحب ما استتر به في حاجته، معناه في قضاء حاجته، وهذا فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب الاستتار في قضاء الحاجة، ولهذا استحب العلماء ذلك خاصة إذا كان هناك أناس، فقد يجب حتى لا ترى عورته إذا كان هناك أناس يمرون، فلا يجوز له أن يكشف عورته أمام الناس، بل يختبئ عند شيء حتى لا ترى عورته. قال: «أو حائش نخل»، حائش نخل معناه نخل المجتمع. قال: «فدخل يوما حائطا من حيطان الأنصار، فإذا جمل قد أتاه»، الحائط هو البستان، الحائط المراد به بستان، مزرعة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يدخل لقضاء حاجته، وأحيانا لأجل مثلا شرب ماء أو كذا، كما كان يدخل في حائط أبي طلحة، وكان يستعذب له ماء، أن يأتي بماء عذب، وكان في بستان أبي طلحة ما عذب والذي كان يسمى بيرحاء. قال: «فإذا جمل قد أتاه»، أي أتى النبي عليه الصلاة والسلام، فجرجر، وجرت عيناه، أي الجمل لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام، جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، معنى كأنه يجري، وأيضا لما وقف عند النبي عليه الصلاة والسلام، درفت عيناه، أي عيني هذا الجمل. قال بهز وعفان: «فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام حن ودرفت عيناه»، معنى عفان يقول وبهز يقولون في الحديث: لما رأى أي هذا الجمل البعير لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام حن للنبي عليه الصلاة والسلام، وهو حيوان يحن لرسول الله صلوات الله وسلام عليه، وكذلك قد حن له الجذع وهو جماد، حن للنبي عليه الصلاة والسلام، الجذع الذي كان يخطب عليه، فلما تركه صاح هذا الجذع حتى كأنه ناقة عشراء، الناقة الحامل في الشهر العاشر إذا أخذ ولدها فحن هذا الجذع حن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما يسمع من الذكر، وهذا الجمل لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام حن لرسول الله، ودرفت عيناه. قال: «فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم سراته ودفراه فسكن»، قال: مسح عليه النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام يمسح عليه سكن وهدأ، ثم قال: «من صاحب الجمل؟»، فجاء فتى من الأنصار فقال: «هو لي يا رسول الله»، فقال: «ما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملككها الله؟ إنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه»، تجيعه وتدئبه معنى تجيعه، معنى أنك لا تعطيه طعام، وتدئبه أي تتعبه، معنى تجعله يعمل كثيرا. قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وقد أخرج بعضه، وقال الحافظ في «النتائج»: «أنا أخرج بعضه»، أي أخرج ما ذكره في الاستتار في الحاجة. قال: قال الحافظ في «النتائج»: «وأخرجه البزار في صحيحه من الطريق التي أخرجها مسلم مطولا، وزاد فيه قصة الجمل الذي شكا إليه»، كأن مسلم لعله حذفها والله أعلم. قال: وأخرجه الإمام أحمد، فقال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، وهو جرير بن حازم البصري، وهو ثقة إلا أنه حدث عن قتادة بأشياء وهم، وأيضا كذلك اختلط في آخر عمره، ودخل عليه ابن معين وهو مختلط، فقال لوهب: «لا تدخل عليه أحدا فإن الشيخ قد خرف»، قال لوهب: «لا تدخل على أبيك أحدا من أهل الحديث»، فلهذا لم يدخل وهب أحدا عليه، ولهذا جرير بن حازم من الذين اختلطوا ولم يضر اختلاطهم، اختلطوا أي خرفوا في آخر عمرهم، لكن لم يضر، لماذا؟ لأن ابنه وهب لم يدخل عليه أحدا في وقت اختلاطه. قال: سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدث، عن الحسن بن سعد، وهو مولى الحسن، عن عبد الله بن جعفر قال: «ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلته وأردفني خلفه»، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تبرز كان يحب إليه أو حب ما تبرز فيه هدف يستتر به أو حائش نخل، فدخل حائطا لرجل من الأنصار، فإذا فيه ناضح له، ناضح معناه بعير أو جمل، فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام حن وذرف، وتعجبنا أي الجمل حن وذرفت عيناه، وهذا يوافق رواية بهز وعفان عن مهدي. قال: «فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح ذرفاه وسراته فسكن»، فقال: «من رب هذا الجمل؟»، أي صاحب هذا الجمل، فجاء شاب من الأنصار فقال: «أنا»، فقال: «لا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إلي وزعم أنك تجيع وتدعبه». قال: ثم ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحائط فقضى حاجته، ثم توضأ، ثم جاء والماء يقطر من لحيته على صدره، فأسر إلي شيئا لا أحدث به أحدا، قال: «فحرجنا عليه أن يحدثنا»، فقال: «لا أفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ألقى الله». وأنه يقول: فحرجنا عليه، وأنه الحرج عليه أنه يقول: من الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم له؟ فقال: «لا أفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ألقى الله». وفي هذا الحديث عدة فوائد، فيه كما قلنا الإرداف في البعير أو البغلة، البغل هو المتولد من الخيل والحمار، المتولد من الخيل والحمار يسمى بغل، فأردف على بغلة، أردف عبد الله بن جعفر. وفي الحديث كما تقدم الاستتار، وجوب الاستتار، وجوب الاستتار إذا كان عند الناس، وإذا كان بعيدا فهو من باب المستحب، إذا كان مثلا في مكان خال من الناس، فهو مستحب أيضا، كذلك أن يقضي حاجته في مكان مختبئ من الناس، لا يراه الناس. أيضا في هذا الحديث كلام الحيوانات للنبي عليه الصلاة والسلام، بل وإحنانها له، التحن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسلم أحق بذلك أن يحن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قال أصحابي أو قال أخواني يأتون من بعدي، يود أحدهم لو أعطي كذا وكذا أنه رآني»، معناه أنه لو خير أنه سيعطى كذا وكذا من الدنيا أو يرى النبي صلى الله عليه لاختار رؤية النبي عليه الصلاة والسلام. أيضا في هذا الحديث فيه أن من اتخذ بهايم يجب عليه أن يرعاها، وأن يعطيها طعامها وشرابها، وأن لا يجيعها، فإن لم يستطع ذلك فإنه يبيعها أو يهبها أو يتصرف فيها، لا يتركها إذا لم يستطع أن يطعمها ويعطيها شرابها. وأما أن يأتي بشيء من هذه البهائم ثم يجيعها فهذا لا يجوز، لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الشاب: «ألا تتقي الله في هذه البهيمة؟ فإن الله ملكك إياها»، فعليك أن تقوم بشأنه. وفيه جواز أو فيه وجوب النفقة على الحيوان، أن هناك النفقة هناك نفقة واجبة ونفقة مستحبة، فالنفقة الواجبة مثل النفقة على الوالدين، نفقة على الأولاد، نفقة على الزوجة، نفقة على من مثلا إذا كان عنده عبيد وموالي، وكذلك أيضا الحيوانات أيضا مما يجب النفقة عليه، الحيوانات يجب عليها أن ينفق عليها إذا كانت ملكا فيجب عليها أن ينفق عليها، يعطيهم من الطعام والشراب. وأيضا فيه الرحمة بالحيوانات، وأن الإنسان لا يجوز أن يقسى على هذه الحيوانات، فقال: «تجيع وتدئب»، وأيضا في هذا الحديث أن من قضى حاجته يستحب له الوضوء، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يستحب أن يتوضأ عند كل صلاة، وجاء في الصحيحين أنه قال لبلال: «قد رأيت خشخشة عليك يا بلال في الجنة»، فما كنت تفعل؟ فقال يا بلال: «ما كنت أفعل شيئا إلا أن إذا قضيت حاجتي توضأت ثم صليت ركعتين»، فقال: «بهذا إذن»، أيضا النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذا الذي أدخلك الجنة أو رأيت خشخشة نعلي أو صوت النعل، رأى سابقه النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، سابقه النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة، فهذا فيه يستحب أن من قضى حاجته أنه يتوضأ. وقد جاء في حديث ثوبان في السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «استقيم ولن تحصوا»، أي لن تحصوا الاستقامة، «استقيم ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن»، فالمحافظ على الوضوء أمر مستحب، فإذا قضى حاجته توضأ، وهنا النبي عليه الصلاة والسلام فعل ذلك. وأيضا في هذا الحديث فائدة وهي الفائدة الأخيرة أن الإنسان أن المسلم ينبغي عليه أن يحافظ على أسرار الناس، فهي أمانة، فمن أعطاك سره فلا تفضحه ولا تتكلم بسر أفضاه لك هذا الأخ، فما أعطاك إياه إلا أنه أمنك إياه، فلا ينبغي لك أن تنشر سره إلى غيره.