الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 94، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع فوائد مستنبطة من قصة نبي الله يعقوب عليه السلام، أبرزها الصبر الجميل والاحتساب عند الابتلاء، وأن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر. كما يبين أن الفرج آتٍ لا محالة مع اشتداد الكرب، وجواز إخبار العبد بما يجده من ألم للاستعانة والدعاء لا للتسخط.
يستعرض المقطع فضيلتي التقوى والصبر كشرط لحفظ الأجر وحسن العاقبة مستدلاً بقول يوسف عليه السلام، ويبين أن العمل الصالح والإيمان يحققان الحياة الطيبة. كما يبرز أهمية تذكر مواقف البلاء السابقة عند حلول النعمة لشكر الله تعالى مستشهداً بتمكين يوسف في الأرض.
يستعرض المقطع كيف أن تذكر الشدائد السابقة يعين على شكر النعم الحاضرة مستشهداً بغزوة الخندق وقصة يوسف، ويبين أن الله يلطف بعباده في البلاء برؤى وبشارات تخفف عنهم. ويختم بالتأكيد على أهمية الإلحاح في الدعاء بالثبات على الإيمان وحسن الخاتمة.
يختم المتحدث قصة نبي الله يوسف بدعاء أن يجعل الله خير الأيام آخرها، مؤكداً أن العبرة بالخواتيم وأن المرء يُحشر على ما مات عليه. ثم يعلن الانتقال إلى قصة أصحاب الكهف في الأسبوع القادم.
الحمد لله وحمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال العلامة المفسر عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي رحمه الله في كتابه "قصص الأنبياء" في ذكر سياقه للفوائد المستنبطة من قصة نبي الله يوسف عليه السلام: قال ومنها: هذه المحنة العظيمة التي امتحن الله بها نبيه وصفيه يعقوب عليه السلام، إذ قضى بالتفريق بينه وبين ابنه يوسف الذي لا يقدر على فراقه ساعة واحدة، ويحزنه أشد الحزن، فطالت مدة هذه الفرقة، ويعقوب لم يفارق الحزن قلبه، وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم. ثم ازداد الأمر شدة حين اتصل فراق الابن الثاني بالأول، وهو في ذلك صابر لأمر الله، محتسب الأجر من الله، وقد وعد من نفسه الصبر الجميل، ولا ريب أنه وفى بما وعد به. ولا ينافي ذلك قوله: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾، فإن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، وإنما الذي ينافيه الشكوى إلى المخلوقين. ولا ريب أن الله رفعه بهذه المحنة درجات عالية ومقامات سامية لا تنال إلا بمثل هذه الأمور. ويريد بهذا المؤلف رحمه الله أن يبين ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن من الصبر والاحتساب عند الابتلاء والفتن والمحن. ولنا قدوة حسنة بهذا النبي يعقوب عليه السلام، فانظروا إلى هذه الابتلاءات العظيمة التي امتحن وابتلي بها، بينما هو متعلق بهذا الابن يوسف عليه السلام وقد ملأ قلبه حباً وتعلقاً، فإذا به يفارقه ويغيب عن أنظاره، وكان قبل ذلك لا يستطيع أن يفارقه ساعة واحدة. لك أن تتخيل هذا البلاء: لو أن ولدك قيل فقط إنه ضاع، ضاع هذا الولد، أو أنه اختفى ولا يدرى أينه، لا يقر لك قرار ولا يهدأ لك بال، فتنزعج وتقلق وتبحث، وربما لا يأتيك النوم قلما وحزناً على فراق هذا الولد أو على حال هذا الولد أو نحو ذلك. فهذا ابتلاء من الله عز وجل، وبينما هو يعاني قسوة هذه الفرقة، إذ أتته فرقة أخرى وبلاء آخر وهو فراق ابنه الآخر لما أخذه يوسف عليه السلام، فازداد حزناً وازداد ألماً على فراق ولديه. وقد صور الله عز وجل لنا هذا الحزن من أن يعقوب ابيضت عيناه وهو كظيم، وأنه شكى حزنه وبثه إلى الله. وهذا كما ذكر المؤلف لا ينافي الصبر، فإذا أصبت ببلاء وشكوت إلى الله فهذا لا ينافي الصبر، إنما الذي ينافي الصبر هو الشكوى إلى المخلوقين، الشكوى إلى المخلوقين. وذكر المؤلف في ختام هذه الفائدة عظيم أجر الصبر على البلاء، وأن صاحبه لا يزال في صعود وارتفاع في الدرجات العالية والمقامات السامية، فإن رفعة العبد لا تنال إلا بمثل هذه الابتلاءات، فينبغي للمؤمن أن يوطن نفسه عند البلاء، وأن يصبر، وأن يتحمل، وأن يستذكر ما له من فضل وأجر عند الله سبحانه وتعالى. قال ومنها: أن الفرج مع اشتداد الكرب، فإنه لما تراكمت الشدائد المتنوعة وضاق العبد ذرعاً بحملها، فرجها فارج الهم، كاشف الغم، مجيب دعوة المضطرين. وهذه عوائده الجميلة، خصوصاً لأوليائه وأصفيائه، ليكون لذلك الوقع الأكبر والمحل الأعظم، وليجعل من معرفة الله ومحبته ما يوازن ويرجح بما جرى على العبد بلا نسبة. ومعنى هذا الكلام: أن العبد مهما اشتدت به الأمور، فليعلم أن كلما اشتدت عليه فهذه علامة على قرب الفرج، كما قال الله عز وجل: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾، فلن يغلب عسر يسرين. فالعسر أتى هنا معرفاً: ﴿ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾، في الموضعين معرفاً ليدل على الإفراد، وأنه عسر واحد، وجاء اليسر منكراً ليدل على التعدد، وأن اليسر الأول غير اليسر الثاني. ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾، هذا اليسر الأول ليس هو نفسه اليسر الثاني ﴿ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾، بل الأول يسر والثاني يسر آخر، وأما العسر فهو الأول والثاني فهو عسر واحد لأنه معرف. ولذلك قال بعض العلماء: "فلن يغلب عسر واحد يسرين". وقد قال الله عز وجل: ﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً، وأن مع العسر يسراً». وكما قال الشاعر: وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الْفَتَىٰ ذَرْعًا وَعِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا الْمَخْرَجُ فَمَا تَلْبَثُ أَنْ تَكْشِفَ الْغُمَّةَ فَرَجًا كَأَنَّ لَمْ تَكُنْ بِالْأَمْسِ شَيْئًا فمهما اشتدت الأمور، فلا شك أن بعدها الانفراج، وبعدها التيسير، فاليسر لا بد أن يتبع العسر. إذا لاح عسر لا بد أن يتبعه اليسر، هذا ما قضى الله سبحانه وتعالى به في كتابه الكريم. فانظر إلى نبي الله يعقوب، كم اشتدت به الأمور، ووقع عليه البلاء، بلاء تلو البلاء، وكذلك يوسف عليه السلام، وقع في بلاء تلو البلاء، ثم بعد ذلك رفعت هذه الشدائد وجاء بعدها اليسر والتمكين والرغد في العيش والأمن والأمان ونحو ذلك. قال ومنها: جواز إخبار العبد بما يجد وما هو فيه من مرض أو فقر أو غيرهما، على غير وجهي التسخط. لقول يعقوب: ﴿ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾، وقول إخوة يوسف: ﴿ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ ﴾، وأقرهم يوسف. ومعنى هذا: لا بأس أن إذا كنت مريضاً وزارك زائر أن تخبره بما تجد، لا من أجل التسخط، وإنما من أجل مثلاً أن يدعو لك، تقول: أنا عندي هذا المرض وأتألم منه، فأرجو أن تدعو لي. لا بأس إذا كان لهذا الغرض، أو ذكر ذلك لطبيب ترجو منه أن يشخص مرضك ثم بعد ذلك يضع لك العلاج المناسب: "أشعر بألم، أشعر بدوخة، أشعر بشيء في البطن، وخز في البطن" أو نحو ذلك، فلا بأس أن تذكر له ذلك، ليس من أجل التسخط، وإنما من أجل مقصد آخر. فها هو يعقوب يقول: ﴿ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾، يتأسف على يوسف ويخبر بما يجد، لكن هذا ليس على سبيل التسخط، وإنما من أجل أن يعرف من حوله شدة البلاء الذي وقع عليه. وهكذا أخوة يوسف قالوا: ﴿ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ ﴾، لماذا قالوا هذا؟ من أجل أن يرحمهم من قبل ذلك الخازن، فلم يقولوا ذلك تسخطاً. وقوله: "أقرهم يوسف"، يعني: لو كان هذا القول منهم يخالف شرعهم لأنكر عليهم يوسف، فسكت عن قولهم هذا فهو إقرار منه لما قالوا، لأنهم ما قالوا ذلك على سبيل التسخط. قال ومنها: فضيلة التقوى والصبر، وأن كل خير في الدنيا والآخرة فمن آثار التقوى والصبر، وإن عاقبة أهلهما لأحسن العواقب، لقوله: ﴿ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾. فمن اتقى الله بفعله للمأمور وتركه للمحظور، وصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة، فهذا دليل فوزه وفلاحه وعاقبته الحسنة في الدنيا والآخرة. فبهذين الأمرين يكمل العبد: بتقوى الله، وبالصبر على ما ذكر. فإن يوسف هنا قال: ﴿ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾. ومن هنا شرطية، ففعل الشرط "يتقي"، وجوابه الجملة الاسمية: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾، فهذه الجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، بمعنى أن التقوى والصبر شرط في عدم ضياع أجر المحسنين. فأجرك محفوظ لك في الدنيا بأن الله عز وجل يوفقك ويثبتك، وكذلك يحفظك ويكلؤك، وفي الآخرة يجزيك أحسن الجزاء. وهذه الآية هي بمعنى قول الله عز وجل: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾. وقوله: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ ﴾، العمل الصالح هو التقوى، يشمل العمل الصالح فعل المأمور وترك المحظور، ولا شك أنه لا يوفق للعمل الصالح إلا من صبر: صبر على طاعة الله وهذا فيه فعل المأمور، وصبر عن معصية الله وهذا فيه ترك المحظور، وصبر على أقدار الله المؤلمة وهذا فيه الإيمان بالله عز وجل. في قوله في تمام الآية: ﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾، مؤمن بقضاء الله وقدره، مؤمن بأن الله عز وجل هو الذي يستحق العبادة، مؤمن بأن الله سبحانه وتعالى يجزيه يوم القيامة بأعماله. كل هذا من معاني الإيمان بالله وباليوم الآخر وبالقدر ونحو ذلك من معاني الإيمان. فإذا بالتقوى والصبر، ويمكن أن نقول: بالعمل الصالح والإيمان، يعيش المرء في هذه الدنيا حياة طيبة، والحياة الطيبة هي السعادة، وهي القناعة، وهي الانشراح بعمل الطاعات، وهي كذلك الرزق الحلال الطيب. كل هذا من معاني الحياة الطيبة، كما ذكر ذلك المفسر ابن كثير في تفسير هذه الآية. وقوله عز وجل: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾، أي يوم القيامة، وهو بمعنى قول الله عز وجل في هذه الآية: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾. فمن آثار التقوى والصبر يوم القيامة أن يجازى هذا العبد خير الجزاء، فأعظم ما يعطى هذا العبد دخوله الجنة، وكذلك التنعم بما فيها من النعيم، هذا من أعظم ما يجزى به العبد يوم القيامة. ففيه فضل التقوى والصبر، وينبغي للمسلم أن يحرص على هذين الأمرين، فهما من أعظم سعادته في الدنيا والآخرة. قال ومنها: أنه ينبغي للعبد إذا أنعم عليه بنعمة بعد ضدها أن يتذكر الحالة السابقة، ليعظم وقع هذه النعمة الحاضرة، ويكثر شكره لله تعالى. ولهذا قال يوسف: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾. يعني: تذكر مواقف النقص قبل هذه النعمة، قبل هذه النعمة، فإن هذا التذكر يوجب لك الشكر، شكر هذه النعمة الحاضرة، بل وشكر غيرها من النعم، والإكثار من شكر الله عز وجل. وهذا كثير في القرآن، يذكر الله عز وجل عباده بنعمة ثم يذكرهم بضدها. نذكر أمثلة على ذلك غير ما ذكر هنا المؤلف. هنا المؤلف ذكر مثالاً واحداً: يوسف قال: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾، إذن لما مُكِّن في الأرض وأتى أبواه وإخوته إليه، تذكر المواقف التي مرت به من مواقف النقص والبلاء. قال: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾، هذه نعمة عظيمة، أيش يقابلها؟ أيش يقابل السجن؟ السجن بين أربعة جدران، أيش الذي يقابل السجن؟ التمكين في الأرض والسياحة في الأرض. فيوسف صار ماذا؟ صار وزيراً من وزراء الملك، له أن يذهب إلى أي مكان شاء، وأن يتجول في أي مكان شاء في بلد مصر. انظر: من السجن إلى السعة، إلى السعة، وإلى كذلك الانطلاق في هذه الأرض. تذكر مواقف الضعف التي تضاد هذه النعمة. شوف ما ذكر: ما ذكر ما وقع له من البلاء مع النسوة، لأن ذلك بلاء آخر، لكن ذكر السجن، والسجن هنا يشمل سجنه في البئر لأنه رمي في غيابة الجب، ويشمل سجنه بعد أن قال: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾. فتذكر تلك المواقف التي هي ضد النعمة التي هو يتقلب فيها. وهذا له أمثلة كثيرة، منها قول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾. يعني: نعمة الأخوة والتآلف بين المؤمنين، مع أنهم كانوا قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام في عداوة وبغضاء وشحناء، وهي ما تضاد النعمة الموجودة الآن، وهي نعمة المحبة والأخوة والألفة. هذا أيضاً بمعنى هذه الآية. آية أخرى: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾، هذه الآية في غزوة الأحزاب: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾. ﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ﴾. هناك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً، فذكرهم بتلك النعمة، نعمة ماذا؟ نعمة الشدة والكربة التي كانوا فيها في غزوة الأحزاب، حين حاصرهم الأعداء وتمالأوا عليهم وتحالفوا عليهم من كفار قريش، ومن كفار القبائل التي حول المدينة، ومن المنافقين، ومن اليهود. كل هؤلاء تحالفوا بهذه الغزوة على المؤمنين وعسكروا خارج المدينة، فكان البرد شديداً والجوع طارئاً والخوف شديداً، فذكرهم بهذا الموقف العظيم، ثم ذكرهم بنعمة النصر التي تضاد هذه المواقف العظيمة: ﴿ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ﴾، أي أن الله عز وجل نصرهم بعد هذه الشدة. فذكرهم أولاً بالشدة، ثم ذكرهم بنصره وتأييده لهم. ولو نظرنا وتدبرنا في القرآن لوجدنا آيات كثيرة بهذا المعنى، لكن حسبنا ما ذكرنا. فأنت مثلاً على سبيل المثال: أصبحت غنياً وكنت من قبل فقيراً، اذكر أيام فقرك، ربما كنت لا تستطيع أن تملك الريال الواحد، تذكر تلك المواقف، والآن جيبك مليان ما شاء الله، تذكر هذه المواقف. كنت مريضاً لا تستطيع أن تمشي، لربما الآن أصبحت معافى صحيحاً، تجري وتمشي وتدخل وتخرج، تذكر هذه النعمة بأن تتذكر ضدها، يوم أن كنت قاعداً لا تستطيع أن تخطو خطوة واحدة، تذكر هذه المواقف. تذكر بعد أن من الله عليك بالعلم والهداية والفقه، ما كنت عليه قبل ذلك من الجهل، ومن الضلال، ومن الضياع، ومن المعاصي، تذكر ما من الله عز وجل عليك بهذه النعمة. وهكذا، فلما تتذكر ضد النعمة التي أنت فيها، هذا يعينك بإذن الله عز وجل على شكر النعمة الحاضرة، وعلى الإكثار من شكر الله عز وجل في غيرها من النعم. قال ومنها: ما في هذه القصة من الألطاف المتنوعة المسهلة للبلاء. منها: رؤية يوسف السابقة، فإن فيها روحاً ولطفاً بيوسف ويعقوب، وبشارة بالوصول إلى تأويلها. ولطف الله بيوسف إذ أوحى إليه وهو في الجب: ﴿ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾. وتنقلاته من حال إلى حال، فإن فيها ألطافاً ظاهرة وخفية. ولهذا قال في آخر الأمر: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ﴾. يلطف به في أحواله الداخلية، ويلطف له في الأمور الخارجية، ويوصله إلى أعلى المطالب من حيث لا يشعر. ومعنى هذا: أن الله عز وجل إذا ابتلى عباده وأصفياءه، فإنه يخفف عنهم هذا البلاء بأمور تسليهم وتخفف عنهم هذا البلاء. من ذلك مثلاً: رؤية صالحة، مثل ما وقع ليوسف، لما رأى: ﴿ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾. علم يعقوب أن هذه الآية فيها بشارة، وأنها تدل على مقام يوسف الذي سيصل إليه، وأن الشمس والقمر هما الوالدان، وأن أحد عشر كوكباً هما الإخوة، فاطمأن يعقوب وعلم أن الله عز وجل سيحقق ليوسف هذه الرؤية، فكلما جاءه بلاء تذكر هذه الرؤية فخفف عنه هذا البلاء، وعلم أن الفرج سيأتي بإذن الله عز وجل. وكذلك يوسف له من البشارات الشيء الكثير في هذه السورة، كما مر معنا، من ذلك ما رأى في تلك الرؤية، رؤية الملك، وكذلك ما من الله عز وجل عليه من العلم والحكمة ونحو ذلك. وهكذا فإن الله عز وجل ينزل على عباده من الألطاف ما يسليهم. وقد لعلي ذكرت قصة في أكثر من موضع، ذكرها أحد المشايخ، وفيها مثل هذا المعنى، لأن هذه الألطاف قد تكون مع غير الأنبياء من أصفياء الله وأولياء الله والصالحين. فمن ذلك: أن رجلاً كان له ولد، وكان هذا الولد وحيد هذا الأب، وقد تعلق به تعلقاً شديداً، تعلق به تعلقاً شديداً، فاصطفاه الله، أي: مات هذا الولد، فحزن هذا الأب حزناً شديداً، وصار هذا الأب في حالة لا يستطيع أن يكلم أحداً ولا يجلس مع أحد، أصبح منعزلاً مهموماً مغموماً متذكراً لولده، يجد في قلبه من الحزن الشديد، وجلس على هذا الحال فترة من الزمن. ثم أراه الله عز وجل رؤيا، هذه الرؤيا كانت سبباً في ذهاب حزنه، وفي تغير حاله، وفي ذهاب وجده. ما هي هذه الرؤيا؟ رأى في منامه أن القيامة قامت، وأن الناس جميعاً في صعيد واحد، وقد بلغ بهم الظمأ مبلغه، بلغ بهم الظمأ مبلغه، والناس عطشى يستغيثون بمن يسقيهم. قال: بينما الناس على هذه الحالة، إذ يطلع بعض الغلمان الصغار، فيطلع الغلام ومعه كأس من الماء، فيأتي الناس يريدون أخذ هذا الكأس، كل واحد يريد أن يشرب هذا الماء لما بهم من عطش، فهذا الغلام يقول: "لا، أنا ما سأعطيه إلا أبي، أين أبي؟ أين أبي؟" يبحث عن أبيه، ثم يعطيه أباه، فيشرب أبو هذا الولد. وهكذا يطلع الغلام تلو الغلام، وهذا الرجل ينظر، فإذا بولده يطلع، هذا الولد الذي مات، يطلع ومعه كأس، ويأتي الناس إليه، يقول: "ما سأعطيه إلا أبي، أين أبي؟" فيبحث إلى أن يأتي إلى أبيه ويعطيه هذا الكأس، ويشرب هذا الأب، ثم يستيقظ من هذه الرؤيا. ففرح هذا الأب، وذهب ما به من حزن، وسلاه الله عز وجل بهذه الرؤيا، وعلم أن هذا الولد سيكون له شفيعاً بإذن الله عز وجل يوم القيامة، وأن الدار الآخرة خير له من بقاء هذا الولد في الدار الدنيا. فانظر كيف أرى الله عز وجل هذا الرجل الصالح هذه الرؤيا، حتى ذهب ما به من ولع بهذا الولد، ومن حزن، ومن وجد، ونحو ذلك. وأخيراً قال ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يلح دائماً على ربه في تثبيت إيمانه، وأن يحسن له الخاتمة، وأن يجعل خير أيامه آخرها، وخير أعماله خواتمها، فإن الله كريم جواد رحيم. وأخذ هذا من قول يوسف عليه السلام في آخر هذه السورة: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾. انظر إلى دعائه: ﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا ﴾، أي: ثبتني على هذا الإسلام وعلى هذا الإيمان إلى أن ألقاك، ففيه الدعاء بحسن الختام. فأكثر يا عبد الله من قولك: "اللهم إني أسألك حسن الخاتمة". الشيخ ابن باز كان كثيراً ما يدعو بهذا الدعاء، يذكرون في سيرته وفي حياته أنه كان كثيراً ما يردد هذا الدعاء: "اللهم إني أسألك حسن الخاتمة". وهكذا دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». وما جاء في القرآن أيضاً: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾، وأيضاً قوله سبحانه وتعالى: ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾. فأكثر من مثل هذه الأدعية، وادعُ الله عز وجل أن يجعل خير أيامك آخرها، فإن العبرة بالخواتيم، فإن العبرة بالخواتيم، والمرء يحشر على ما مات عليه، فاسأل من ربك الثبات. وبهذا نكون قد انتهينا من قصة نبي الله يوسف، وإن شاء الله في الأسبوع القادم نشرع في قصة أصحاب الكهف بإذن الله تعالى. إلى هنا والحمد لله رب العالمين. شكراً.