عبادة الرضا

عبادة الرضا

الخطبة بعنوان عبادة الرضا، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة بتاريخ 1 ربيع الأول 1448هـ الموافق 14 أغسطس 2026م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضيلة الرضا بالله وأثره في نيل الجنة

تستعرض الخطبة فضيلة الرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً، مستدلة بآيات قرآنية وأحاديث صحيحة تربط رضا الله بالعبد برضاه عن ربه. ويوضح المقطع مراتب الرضا الأربع عند ابن القيم، مؤكداً أن تحقيقها يوجب الجنة وأن الرضا بالقضاء والرزق علامة الإيمان الحق.

نماذج الرضا عند الأنبياء والصالحين

يسرد المقطع نماذج عملية لعبادة الرضا من سير الأنبياء والصالحين، كصبر أيوب وتسليم إبراهيم ورضا النبي ﷺ بموت ابنه إبراهيم. ويذكر توصية عمر بن الخطاب وقصة سعد بن أبي وقاص الذي آثر الرضا على دعاء رد بصره.

الدعاء بالنصر والرضا بخاتمة الخطبة

يختتم المتحدث الخطبة بدعاء أن يجعلهم الله راضين عنه وعن رسوله ودين الإسلام، سائلاً المولى أن يدفع شرور الكفار والروافض عن أهل الإيمان. ويطلب العزة والنصر للإسلام والمسلمين في ختام المجلس.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ���يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ���يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ���يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، في هذه الخطبة إن شاء الله تعالى نعيش مع عبادة عظيمة، عبادة - أيها الإخوة الكرام - هي من أعلى مقامات المقربين، عبادة - أيها الإخوة الكرام - هي ينشرح فيها صدر المؤمن لحكم الله وقضائه وشرعه، عبادة - أيها الإخوة - من ذاقها، من ذاقها فذاق طعم الإيمان وحلاوته، عبادة هي مستراح المتقين، عبادة هي باب الله الأعظم، عبادة - أيها الإخوة - تجنب العبد الأزمات النفسية وكذلك القلق والمحن، عبادة لا تجعل العبد يحزن لأمر الدنيا، وكذلك أيضا لا يحزن لأهوال القيامة، وعبادة غايتها جنة الله ورضوانه، وثمرتها الفرح والسرور بالله سبحانه وتعالى، عبادة عظيمة يؤجر العبد فيها وهو نائم على فراش، يسبق بها المقبلون على الله بمراحل. هذه العبادة - أيها الإخوة الكرام - عبادة الرضا، الرضا بالله جل وعلا، والرضا برسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والرضا بدين الإسلام، هي من أعظم العبادات التي تكون في قلب العبد المؤمن، عبادة عظيمة وهي من أعمال القلوب التي تكون ثمرتها في الجوارح. عبادة - أيها الإخوة الكرام - أثنى الله عز وجل عليها وجعلها هي رضوانه سبحانه وتعالى على عباده: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. لما ذكر الله عز وجل أهل المقامات العالية وأهل القرب إلى الله، ذكر رضوان الله عنهم وأيضا رضوانهم عنه جل وعلا، فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. فرضي الله عز وجل عن هؤلاء أهل الإيمان وأهل المقامات العظيمة، الأبرار المقربين، رضي الله عز وجل عنهم لأنهم رضوا عن الله جل وعلا. فالرضا عن الله سبحانه وتعالى المراد به: تسليم العبد الكامل لله سبحانه وتعالى، وهدوء نفسه وطيبها لما يكون من قضائه وشرعه سبحانه جل وعلا. أيها الإخوة الكرام، رضا الله أو رضا العبد هو - كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله - غايته الوصول إلى جنة الله سبحانه وتعالى، لكنه بمتاعب ومشاق وعقبات، وإنما عقباته همة عالية وتزكية نفس وتوطين النفس على ما أمر أو ما قضى الله عز وجل، يوطن نفسه على كل ما أمر الله وقضى، فتكون نفسه ساكنة ونفسه مطمئنة ونفسه أيضا راضية بما اختار الله عز وجل له. وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله أن يقولوا: سمعنا وأطعنا. هكذا أهل الإيمان يرضون بحكم الله وقضائه وبأمره ونهيه. ولهذا جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم رحمة الله عليه عن أبي سعيد الخدري قال: قال نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لي يا أبا سعيد، من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم نبيا، وجبت له الجنة». قال أبو سعيد: فعجبني، فقلت: يا رسول الله، أعده علي. فقال: «كذلك». ثم قال: «وإن من جاهد في سبيل الله فله مئة درجة، كل درجة ما بين السماء والأرض». أيها الإخوة الكرام، بين النبي عليه الصلاة والسلام أن من كان في قلبه هذه العبادة العظيمة وجبت له الجنة. وأخرج كذلك الإمام مسلم عن العباس بن عبد المطلب، عم النبي عليه الصلاة والسلام، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «من ذاق طعم الإيمان، من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم نبيا». وجاء كذلك في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من سمع النداء فقال: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم نبيا، وجبت له الجنة». هذه النصوص العظيمة التي يبين الله - أي يبين النبي عليه الصلاة والسلام - فيها أهمية هذا الرضا. قال الإمام ابن القيم: الرضا بربوبية الله وألوهيته، والرضا بدين الله بدين الإسلام، والرضا بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم والانقياد له، والرضا... قال: فإذا اجتمعت هذه الأربعة في قلب العبد المؤمن وجبت له الجنة، وجبت له الجنة. ثم قال رحمه الله: والرضا بألوهيته أن يرضى العبد بقلبه بمحبة الله جل وعلا وتعظيمه وإجلاله وإقباله عليه وتوبته إليه سبحانه وتعالى. وأما الرضا بربوبيته: فأن يرضى العبد عما قضاه الله عز وجل في خلقه سبحانه وتعالى، وكذلك ما قضاه الله عز وجل من رزقه، فلا يتسخط على رزق الله جل وعلا، ولا يتسخط على عباد الله، ولا يحسد عباد الله، لأنه يعلم أن هذا من الله، فرضي به وقنع. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر، وجاء في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه». ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه. ويقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾. فربنا جل وعلا يبين أن من رضي بما آتاه الله عز وجل، آتاه الله في أحكامه، في أمره ونهيه، وآتاه الله عز وجل في قضائه وقدره، فإنه المؤمن حقا رضي بذلك ورضي وسلم لله، وعلم أن ذلك من الله سبحانه وتعالى. فهذا هو الرضا الذي أراده الله عز وجل من عباده، فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يرضى عنا، وأن يغفر لنا، وأن يرحمنا، والحمد لله رب العالمين. *** الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، ونصلي ونسلم على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أيها الإخوة الكرام، فهذه الرضا وعبادة الرضا حازها الأنبياء والصالحون وأتباعهم، ومن تشبه بهم. فعبادة الرضا تختلف في القلوب، فمن عباد الله عز وجل من عنده الرضا عظيم قد كمله، وهم أنبياء الله جل وعلا، وكذلك بعدهم أهل الصلاح من أتباع الأنبياء وأصحابهم الذين سلكوا مسلك الأنبياء ووقر الإيمان في قلوبهم كالصديقين. ولهذا تجد في كتاب الله جل وعلا عبرة، وتجد كذلك في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عبرة من قصص الأنبياء والمرسلين، ومن قصص الصديقين والصالحين. ومن ذلك ما حكى الله عز وجل عن الأنبياء كيف رضوا بما أعطاهم الله عز وجل من الرسالة، وحملهم هذه الرسالة فبلغوها، ونالوا المشاق، وكذلك صبروا على ما نالوا من قومهم، رضا لله جل وعلا، ورضا بأحكام الله وأمره ونهيه. وكذلك أيضا تجد في الأنبياء من رضي بقضاء الله وقدره سبحانه وتعالى واستسلم له، كنبي الله أيوب، الصابر المحتسب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. وهكذا في عباد الله الصالحين، نبي الله إبراهيم، رضي بقضاء الله ورضي بأمره، لما أمره أن يذهب بابنه وزوجته في مكان لا ماء فيه ولا طعام ولا أنيس. ولهذا قالت هذه المرأة الراضية، قالت هذه المرأة الراضية بقضاء الله وأمره ونهيه: «يا إبراهيم، لمن تتركنا في هذا الوادي الذي لا ماء فيه ولا أنيس؟» فلم يستطع إبراهيم أن يكلمها، فقالت: «آلله أمرك بذلك؟» فأشار إليها: نعم. فقالت: «رضيت بالله»، قالت: «رضيت بالله». انظر إلى الثقة بالله عز وجل والظن بالله الحسن، وهو ثمرة الرضا، وهو ثمرة الرضا بالله سبحانه وتعالى. وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام كان راضيا بأمر الله ونهيه، وكذلك ما حمله الله عز وجل وبلغ رسالته، وشهد له الصحابة رضي الله عنهم. وكان من أعظم الناس رضا بقضاء الله، وقد مات أبناءه عليه الصلاة والسلام ورضي بذلك، وكان يقول عليه الصلاة والسلام لما مات ابنه إبراهيم فدمعت عيناه عليه الصلاة والسلام، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: «إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون». هكذا أيها الإخوة الكرام، كان نبينا عليه الصلاة والسلام من أعظم الناس رضا. فهذا عمر رضي الله عنه يوصي أبا موسى فيقول له: «إن أعظم ما تعبد الله عز وجل به الرضا». وكذلك أيها الإخوة الكرام، ذلك الأواب المنيب الذي استجاب الله عز وجل دعوته، سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، لما جاء إلى مكة هرع الناس إليه، لكي يدعو لهم، فكان يدعو لهم. فقال عبد الله بن السائب: فقلت: يا أبا إسحاق، إنك تدعو للناس، وقد كان أعمى، قد عمي. قال له عبد الله بن السائب: «إنك لتدعو للناس يا أبا إسحاق، فلماذا لا تدعو لنفسك أن يرد الله بصرك؟» فقال: «إني راضٍ بقضاء الله»، قال: «إني راضٍ بقضاء الله». هكذا أيها الإخوة الكرام. فنسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلنا راضين عنه سبحانه وتعالى، وراضين عن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعن دين الإسلام، ونسأله سبحانه وتعالى أن يدفع عن أهل الإيمان وعن أهل الإسلام شرور الكفار وشرور الروافض وأذنابهم، ونسأل الله عز وجل أن يحمي حوزة الدين، ونسأله سبحانه وتعالى أن يعز الإسلام والمسلمين، والحمد لله رب العالمين.