الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 95، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ عبد الرحمن السعدي أن الاستفهام في الآية ينفي الاستغراب من قصة أصحاب الكهف لأن قدرة الله تجعل كل آياته عجيبة. ويبين أن الكهف هو الغار في الجبل بينما الرقيم هو الكتاب الذي سُجلت فيه أسماؤهم وقصتهم.
يشرح المقطع المنهج القرآني في سرد القصص بالإجمال ثم التفصيل لتشويق السامع. ويبين أن الفتية لجؤوا إلى الكهف هربًا من فتنة قومهم فدعوا الله بالرحمة والرشد مظهرين التوكل عليه مع الأخذ بالأسباب.
يفسر المقطع آية فضربنا على آذانهم بأنها إلقاء نوم عميق دام 309 سنوات لحمايتهم من الخوف وقومهم ولتكون آية. ويبين كيف حفظ الله أجسادهم بتقليبهم وجعل باب الكهف شمالاً لتجنب الشمس ثم بعثهم ليختبر من يحصي مدة لبثهم.
يختتم المعلم الملخص العام لقصة أصحاب الكهف موضحاً أبرز محاورها. ويعلن أن التفصيل الدقيق لأحداث القصة سيبدأ في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ الإمام المفسر عبد الرحمن الناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه "قصص الأنبياء": قصة أصحاب الكهف ﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا ﴾. فقوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ ﴾، قال: وهذا الاستفهام بمعنى النفي والنهي، أي: لا تظن أن قصة أصحاب الكهف وما جرى لهم غريبة على آيات الله، لأن الله عز وجل على كل شيء قدير، فلا يستغرب من شيء من أفعاله سبحانه وتعالى. فآيات الله كثيرة، ليست هذه الآية فحسب. فقال هنا: ﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ ﴾، يعني: لا تظن، فهو استفهام بمعنى النفي والنهي، بمعنى النفي والنهي، يعني: لا تحسب أن أصحاب الكهف، ولا تظن أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبة، أي: وما جرى لهم ليس بغريب عن آيات الله. قال: وبديعة في حكمته، وأنه لا نظير لها ولا مجانس لها، بل الله تعالى من الآيات العجيبة الغريبة ما هو كثير من جنس آياته في أصحاب الكهف أعظم منها. فلم يزل الله يري عباده من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم ما يتبين به الحق من الباطل والهدى من الضلال. قال: وليس المراد بهذا النفي أن تكون قصة أصحاب الكهف من العجائب، ليس معنى أنها من العجائب لأن قدرة الله عز وجل لا يتعجب منها، فالله عز وجل على كل شيء قدير. فليس المراد بهذا النفي أن تكون قصة أصحاب الكهف من العجائب، بل هي من آيات الله العجيبة، فهي آية من آيات الله العجيبة، وإنما المراد أن جنسها كثير جدًا، ليست هذه وحدها من الآيات العجيبة. قال: قال فالوقوف معها وحدها في مقام العجب والاستغراب نقص في العلم والعقل، كونك تجعل العجب والاستغراب محصورًا ومقصورًا على هذه القصة. بل وظيفة المؤمن التفكر بجميع آيات الله التي دعا الله العباد إلى التفكر فيها، فإنها مفتاح الإيمان وطريق العلم والإيقان. فهذا القصص مما تزيد من إيمان العبد لما يعلم من عظيم قدرة الله عز وجل وعلمه وحفظه لأوليائه ولأصفيائه. قال: وأضافهم إلى الكهف، قال: أصحاب الكهف، أضافهم إلى الكهف الذي هو الغار في الجبل، هذا يقال له كهف. الكهف هو الغار الذي يكون في الجبل، مثل السكن يدخل فيه الداخل فيستكن من حرارة الشمس، ومن برودة الجو، ومن الأمطار ونحو ذلك. وقوله: ﴿ وَالرَّقِيمِ ﴾، أصحاب الكهف والرقيم، ما معنى الرقيم؟ أي: الكتاب الذي رقمت فيه أسماؤهم وقصتهم، فالرقيم بمعنى الكتاب، بمعنى الكتاب، بمعنى الكتاب. رقمت أي: كتبت، رقمت أي: كتبت، فهو من باب وصفهم بالمكان الذي دخلوا فيه وهو الكهف، وبالكتاب الذي رقموا فيه أي: كتبوا فيه، كتبت أسماؤهم فيه، قال: لملازمتهم له دهرًا طويلًا، أي: ملازمة هذا الكهف. ثم ذكر قصتهم مجملة وفصلها بعد ذلك، وهذا من التشويق في العلم وأسلوب من أساليب التعليم، أن المعلم يأتي أولًا بالقصة مجملة فيتشوق الطالب لمعرفة تفاصيلها فينتبه ويتشوق لمعرفة هذه التفاصيل. هذه التفاصيل على سبيل المثال، مثلا: أردت أن تذكر قصة موسى عليه السلام، ترعرع في بيت فرعون، ثم بعد ذلك قتل فرعون على يد موسى عليه السلام، فالمستمع يستغرب من هذا، كيف هذه القصة؟ تربى في بيته ثم كان قتله على يد موسى، ما تفاصيل هذه القصة وكيف وقع ذلك؟ فهو يتشوق إلى تفاصيلها. هذا الآن كالإجمال، هذا الآن كالإجمال، فالإجمال في القصة يشوق الطالب ويلفت انتباه الطالب إلى معرفة تفاصيلها. وهذه القاعدة ذكرها العلامة عبد الرحمن الناصر السعدي رحمه الله في القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن، فهذه القصة من هذه القاعدة، مثل من أمثلة تلك القاعدة بهذه القصة. فذكر قصتهم مجملة وفصلها بعد ذلك. الإجمال: ﴿ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ ﴾، أي: إذ أوى الشباب، الفتية بمعنى الشباب، نعم، الفتى هو الشاب، إن سمعنا فتى يذكرهم أي: شابًا، إلى الكهف، يريدون بذلك التحصن والتحرز من فتنة قومهم لهم، لأن قومهم إذا علموا بمخالفتهم بدينهم آذوهم وربما قتلوهم. فما هو السبب في ذهابهم إلى الكهف؟ التحصن والتحرز من فتنة قومهم لهم. فقال هؤلاء الفتية: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ﴾، أي: تثبتنا بها وتحفظنا من الشر. وهذا فيه أن عند الفتن يكثر المؤمن من الالتجاء إلى الله ومن دعاء الله عز وجل. هؤلاء لجوا إلى الله، دعوا ربهم: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ﴾، أي: بهذه الرحمة تثبتنا وتحفظنا من الشر وتوفقنا للخير. موسى عليه السلام لما جاءه والرجل الذي يسعى، قال: ﴿ إِنَّ الْقَوْمَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ﴾، فخرج منها خائفًا يترقب، قال: ﴿ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾. دعا الله، لجأ إلى الله. هكذا المسلم عندما تضيق عليه الأمور يلجأ إلى الله ويكثر من دعاء الله سبحانه وتعالى، فلا ملجأ ولا منجأ من الله إلا إليه سبحانه وتعالى. واستمروا في الدعاء، فقالوا: ﴿ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴾. ما معنى ﴿ هَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴾؟ أي: يسر لنا كل سبب موصل إلى الرشد، موصل إلى الرشد، رشدنا وهدنا الصراط المستقيم والطريق القويم، وأصلح لنا أمر ديننا ودنيانا. فجمعوا بين السعي والفرار من الفتنة إلى محل يمكن الاستخفاء فيه، فهربوا بدينهم واستخفوا في هذا الكهف، وبين تضرعهم وسؤالهم لله تيسير أمورهم، وعدم اتكالهم على أنفسهم وعلى الخلق، ما اغتروا بشبابهم ولا بتوفيق الله لهم، إنما لجأوا إلى الله سبحانه وتعالى. قال: قال فلذلك استجاب الله دعاءهم، وغيض لهم ما لم يكن في حسبانهم أو في حسابهم. قال: ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ ﴾، أي: قال: ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ ﴾، أي: أنمناهم. ضربنا على آذانهم يعني: نومناهم، يعني: ناموا نومة طويلة عميقة، سيأتي تفصيلها، هذا الآن على وجه الإجمال. نعم، فقوله: ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ ﴾، أي: أنمناهم، ناموا سنين عددًا، وهي ثلاثمئة سنة وتسع سنين، كما سيأتي في التفصيل في القصة مفصلة، هذا الآن على وجه الإجمال. قال: وفي النوم المذكور حفظ لقلوبهم من الاضطراب والخوف، وحفظ لهم من قومهم، وليكون آية بينة. يعني: الله عز وجل رعاهم وكلأهم وحفظهم، فمن حفظه سبحانه وتعالى لهم أن أنامهم، فهذا النوم كان بمثابة يعني الحصن الحصين لهم من الخوف والاضطراب، ومن إدراك قومهم لهم، لأنهم لو خرجوا من الكهف لربما رآهم القوم ولحقوا بهم وقبضوا عليهم، فالله سبحانه وتعالى أنامهم في هذا الكهف وحفظهم حتى تكون قصتهم آية. قال: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ ﴾، أي: من نومهم، ﴿ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا ﴾، أي: لنعلم أيهم أحصى لمقدار مدتهم، يعني: من سيذكر الوقت الصحيح في نومهم، من سيحصي مدة نومهم، مدة نومهم، كما قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ ﴾. قال: وفي العلم بمقدار لبثهم ضبط للحساب، ومعرفة لكمال قدرة الله تعالى وحكمته ورحمته، فلو استمروا على نومهم لم يحصل الاطلاع على شيء من ذلك من قصتهم. فأيضًا بعثهم بعد هذه المدة، ثلاثمائة سنة وتسع سنين. انظر: ثلاثمائة سنة وتسع سنين، صاروا على هذه الحال، قد يقول قائل: كيف ستأكل الأرض أجسادهم؟ الله على كل شيء قدير. ثم سيأتي معنا أن الله عز وجل جعل الباب، يعني: باب الكهف جهة الشمال، فلا تؤذيهم الشمس، لا في شروقها ولا في غروبها. مثلا الآن عندنا هنا من أين تطلع الشمس؟ من هذه الجهة، وتغرب من هنا. فالباب الذي يكون من جهة الشروق في أول النهار تدخل منه الشمس، صح؟ والباب الذي من جهة الغرب عند الغروب تدخل منه الشمس، لكن جهة الشمال ما في شمس، ما تدخل الشمس لأن الشمس يعني بعيدة. فكان الكهف باب الكهف جهة الشمال، والله عز وجل يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال حتى لا تأكل الأرض أجسادهم. الجسد إذا كان ثابتًا ومدة طويلة الأرض تأكله، الأرض تأكله، بل ولو كان على فرش بعض المرضى إذا كان مقعدًا لربما يصاب ببعض الجروح بسبب طول مكثه وقعوده على هذا الفرش أو على هيئة معينة، وهي ربما أشهر أو أقل من ذلك، فكيف بثلاثمائة سنة؟ فالله عز وجل هو الذي حفظهم، وجعلهم كأنهم نائمون، كأنهم نائمون. أنت تنام ساعة، ساعتين، ست ساعات، وتقوم خلال هذه الفترة، وهم نومهم الله عز وجل هذه الفترة ثلاثمائة سنة، وقاموا ومن استنكروا شيئًا من أمرهم، حتى كما سيأتي معنا لما بعثهم الله عز وجل، قال قائلهم: ﴿ كَمْ لَبِثْتُمْ ﴾، قالوا: ﴿ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾، قالوا: ﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ﴾، فبعثوا أحدكم بورقكم هذه الآيات. طيب، نكتفي بهذا ونكمل ببقية القصة إن شاء الله في درسنا القادم. إلى هنا والله تعالى. هذا الآن القصة مجملة، ما سيأتي إن شاء الله شروع في تفصيل هذه القصة. الله تعالى.