الدرس في مسائل وأحكام من حديث الرضى بالله والنبي والإسلام 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الدرس بالحديث عن أهمية الذكر 'رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا' وفضائله، مبينا أن من قالها وجبت له الجنة. يشير إلى أهمية تكرارها لتحصيل أكبر قدر من الفضل.
يتناول الدرس فضائل هذه الكلمات في أذكار الصباح والمساء وأوراد الأذان، مبينا رضا الله عن قائلها وغفران ذنوبه وإدخاله الجنة، مستندا إلى أحاديث نبوية مختلفة.
يؤكد الدرس على ثواب قول رضيت بالله ربا بعد الأذان، مبينا غفران الله ذنوب من يقولها وإدخاله الجنة ورضاه عنه، ومنحه حلاوة الإيمان.
يختتم الدرس بذكر بعض الفضائل المتبقية مع وعد بمتابعة الشرح في الدرس القادم، ثم يدعو الله أن ينفع بما قيل في الدرس.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، إن من الكلمات العظيمات والأذكار والأوراد الفاضلات، والتي كان نبينا صلى الله عليه وسلم ما كان يرددها في غالب الأوقات، ما جاء من قوله عليه الصلاة والسلام: «رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا». هذا الورد وهذا الذكر، إخواني في الله، كان من الأذكار العظيمة النافعة الجامعة المانعة، التي من حرص عليها فقد حاز على خيري الدنيا والآخرة. وإنني في هذا المقام، وما سيليه من المقامات، في ذكر ما يتعلق بفضائل هذه الكلمات، وما يكون من معانيها، وما رميها من فضائل هذه الأوراد وهذه الكلمات، أن الشرع جعلها ذكرا من الأذكار تذكره، يا عبد الله، في أي ساعة من ساعات الليل أو النهار، في مقعدك، في مجلسك، في ممشاك، وأنت في مركوبك، وأنت مضجع في بيتك. فعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من قال رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، وجبت له الجنة». بقي أمر وهو: من قالها متى؟ هل لابد أن يقولها يوميا، أو يكفيه أن يقولها مرة واحدة ولو في عمره؟ قال العلماء: يكفيه ولو مرة واحدة قالها بيقين وعقيدة تكفيه هذه الكلمة أن تكون سبيله إلى الجنة. فما ظنك إذا كررها الإنسان في كل أوقاته، وجعلها وردا، وجعلها ذكرا يذكر به ربه سبحانه وتعالى في مجلسه، في مقعده، في منامه؟ فإنه سيتخذ سبيلا من أعظم سبل دخول الجنة. وتتفرع من هذه الفضيلة مسألة، ألا وهي: بأن الدخول والوصول إلى الجنة ليس بالأمان والأمنيات، وليست بالدعاوة والإدعاءات، وإنما دخول الجنة يكون بأقوال وأفعال وأعمال وأحوال تحرص، يا عبد الله، على هذه المقالة تجعلها وردا من أورادك. من فضائل هذه الكلمات، إخواني في الله، أن الشرع جعلها ذكرا من أذكار الصباح والمساء، وذلك لما جاء من حديث أنس بن مالك في سنن بن ماجة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم إذا أصبح أو أمسى قال رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، إلا كان حقا على الله أن يرضيه». فصدر نبينا هذا الحديث: إذا ما من مسلم يصبح أو يمسي، فجعلها نبينا صلى الله عليه وسلم وردا من أذكار الصباح والمساء. فإذا استطعتها، عبد الله، على أن تقولها فيما تأتي به من أورادك الصباحية والمسائية فافعل. وهذا الحديث يحسنه جماعة من أهل العلم. ويتفرع من هذه فائدة: كان حقا على الله أن يرضيه، يتفرع من ذلكم أن الجزاء من جنس العمل، ومفاد هذه القاعدة في باب الثواب: أن من عامل الله بصفة عامله الله بنفس الصفة، من عامل الله بصفة عامله الله بنفس الصفة في الدنيا والآخرة. فمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن نصر دين الله نصره الله، ومن حفظ دين الله فالله جل وعلا يحفظه، يحفظ الله يحفظك، وهكذا من رضي بالله رب وبالإسلام دين وبمحمد رسول، فالله يرضى عنه، الجزاء من جنس العمل، يرضى عنك ربك بل ويرضي عنك كل شيء، فهذه من الفضاء العظيم لهذه الكلمة. ويؤيد هذا المعنى أنها من أذكار الصباح، ما جاء عند الطبراني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أصبح أحدكم فقال رضيت بالله ربا، وبالإسلام دين، وبمحمد رسولا، فأنا الزعيم لآخذن بيده حتى أدخله الجنة». فيدل هذه الشواهد على أن هذه الكلمات من أذكار الصباح والمساء. كذلكم من فضائل هذه الكلمات: أن الشرع جعلها مما يذكر في أوراد الأذان، وذلك لما ثبت في صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من قال حين يسمع المؤذن رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، غفر له ذنبه». من قال حين يسمع النداء، أي الأذان. وهنا مسألة اختلف فيها العلماء: أين محلها هذه الكلمات؟ أين تقال في الأذان؟ على قولين اثنين. فأكثر العلماء يرون أن هذه الكلمات يؤتى بها بعد الأذان إذا انتهى المؤذن من أذانه، حينها تأتي بهذا تقول: رضيت بالله ربا إلى آخره. ومن أهل العلم من المحققين من يرى: لا، أن هذه الكلمات إنما يؤتى بها بعد الشهادتين، إذا قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، تردد معه تقول: رضيت بالله ربا، هنا محله. وهذا قد ذهب إليه جماعة من العلماء المحققين، ومنهم بعض المعاصرين كالإمام الألباني والشيخ عثيمين، على هذا، والأمر في ذلك واسع. الشاهد: أن من أتى بهذا الذكر في الأذان، فالله جل وعلا يغفر له ذنبه، وغفران الذنوب، وهذه الفائدة تفرع من ذلك: غفران الذنوب هل معنى أن كل ذنب يغفر لك إذا أتيت بهذا الذكر؟ الجواب: نعم، فإن هذا الذكر يغفر جميع الذنوب، ما عدا الكبائر، الكبائر تحتاج إلى أمر زائد. إذن، إخواني في الله، في هذه الكلمة خالصنا إلى أن من ثواب وفضيلة هذه الكلمات: «رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا»، أن بها يتنزل عليك رضا الله، أن بها تدخل الجنة، أن بها يغفر لك ذنبك. وهناك وهذه الأجور الثلاثة لو تلاحظ تجد أن فضلها يكون في الآخرة يوم القيامة. وهناك فضل رابع جعل لك في الدنيا، جعل لك في الدنيا إذا قمت بهذه الكلمات الثلاثة، وهو ما رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث العباس بن عبد المطلب قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا صلى الله عليه وسلم». هذه الفضيلة تجد أثرها في الدنيا، تجد أن قلبك مفعما بالإيمان، تجد أنك تتلذذ بالإيمان، تتلذذ بالعبادات والطاعات، لا يأتيك السآمة، لا يأتيك الضجر، لا يأتيك الملل منها، وإنما تزدحم عليها وتأنس بها، وتجد أنك تتلذذ بالإيمان. وهذه حلاوة الإيمان ما يذوقها أي واحد منا، يذوقها أصناف من الناس من أهل الإسلام والإيمان، ومنهم من حقق هذه الكلمات الثلاث. قال عليه الصلاة والسلام: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا». إخواني في الله، هذا مما يذكر لهذه الكلمات من فضائل، وتبقى معنى مسائل وأحكام متعلقة بهذه الكلمات، تترك إن شاء الله إلى درس غد. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.