التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 26

التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 26

الدرس في التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 26، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

نشأة الشيخ مقبل الوادعي وطلبه للعلم في ظل الفقر الشديد

يتناول المحور نشأة الشيخ يتيماً وفقره المدقع حيث كان يأكل الخبز الناشف مع الطماطم، وسفره إلى مكة بمال قليل نفد قبل الوصول، وعمله نهاراً ودراسته ليلاً في الحرم المكي. صبر على مشاق طلب العلم حتى أصبح داعيةً ينتشر أثره في صعدة وخارجها محققاً مبدأ جعل الدنيا لوقت الفراغ في سبيل العلم.

استقراره بالمدينة النبوية ودراسته العليا ثم عودته لليمن قبل فتنة جهيمان

يواصل المحور ترجمة الشيخ فيذكر استقراره بالمدينة النبوية ودراسته في الجامعة الإسلامية بكلية الدعوة وأصول الدين وكلية الشريعة، ونيله الشهادة العالية برسالة في تحقيق «التتبع والإلزامات» للدارقطني. ثم يسرد عودته إلى اليمن قبل فتنة جهيمان عام 1400هـ، ونصيحته للمتورطين، وسجنه ثلاثة أشهر ثم ترحيله واستقراره في دماج.

تأسيس مسجد دماج وتوسع الدعوة عالمياً مع مواجهة المعارضين وزهده في الدنيا

واجه الشيخ صعوبات في الإفراج عن مكتبته بسبب معارضة الشيعة، وبُني له مسجد خاص لتجنب الفتنة بدأ بستة مصلين ثم توافد عليه آلاف الطلاب من دول عديدة. واجهت دعوته معارضة شديدة من الشيعة والصوفية والحزبيين الذين افتروا عليه، بينما زهد الشيخ في الدنيا رغم تيسرها له واختار العلم والدعوة.

الختام بالدعاء بالرحمة والمغفرة للشيخ والحاضرين

يختتم المتحدث بدعاء يطلب فيه المغفرة والرحمة للمتوفى وللحاضرين ووالديهم، ويتمنى أن يجمعهم الله مع العلماء في أعلى الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء، ويصلي على النبي محمد ويحمد الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع تراجم علمائنا المعاصرين الراحلين رحمة الله عليهم. وقد كنا في الدرس الماضي تكلمنا في أو حول ترجمة شيخنا الإمام العلامة المحدث أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي بن مقبل الوادعي رحمه الله تعالى، وهذا هو المجلس الرابع الذي نتذاكر فيه جوانب من ترجمته رحمه الله تعالى. وآخر ما تكلمنا عنه هو استقراره رحمه الله تعالى بالمدينة النبوية ودراسته في جامعتها الإسلامية، وكونه التحق بكلية الدعوة وأصول الدين، وهكذا أيضًا انتسب في كلية الشريعة. وهكذا أيضًا بعد أن أكمل دراسته في الكليتين، وفتحت الدراسات العليا لنيل الشهادة العالية والعالمية، قدم رحمه الله تعالى واجتاز اختبار القبول، وقدم في ما يتعلق بالحديث النبوي، وقدم رسالته المشهورة التي هي بعنوان «دراسة وتحقيق للتتبع والإلزامات للإمام الدارقطني» رحمه الله تعالى. وهكذا كان مع دراسته يدرس إخوانه، ودعوة عظيمة قامت في المدينة، وهكذا أيضًا في أنحاء من المملكة. وشاء الله عز وجل للشيخ أن يرجع إلى بلده إلى اليمن، قبل أحداث تلك الفتنة التي ظهرت هناك، فتنة جهيمان العتيبي، كما سبق، وأنها كانت في الأول من شهر محرم عام 1400 من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، واستمرت نحو خمسة عشر يومًا. أولئك الذين أدخلوا الأسلحة إلى الحرم المكي، وقام جهيمان العتيبي أمام المصلين يطالب ببيعة البيعة لصهره محمد بن عبد الله القحطاني على أنه المهدي، على أنه المهدي القحطاني. هذا كما سبق لم يدعِ هو من نفسه أنه المهدي، لكن غره الرؤى التي كان يراها الناس فيه، كل من رآه قال: «أنا رأيت أنك المهدي، وأنك كذا وكذا». فاستمر احتلالهم للحرم المكي مدة خمسة عشر يومًا، وبعدها قضي على ثورتهم، وقتل من قتل منهم. والشيخ رحمه الله تعالى كان ينصح لهم ويبين لهم أن هذه الأفعال غير صحيحة، وأنها إنما تؤدي إلى سفك الدماء وزعزعة الأمن، إلى غير ذلك. لكن ماذا؟ أصرّوا على ذلك، وحصل ما حصل. الشيخ رحمه الله تعالى يقول: «لما خرجت بعض رسائل جهيمان العتيبي، وقبض على مجموعة منا، وعند التحقيق قالوا لي: أنت الذي كتبتها، جهيمان لا يستطيع أن يكتب. فنفيت ذلك، قال: والله يعلم أني لم أكتبها ولم أشارك فيها. قال: وبعد سجني ثلاثة أشهر أمر بترحيل الغرباء، ووقع بعد ذلك ما وقع من الفتنة المشار إليها، فتنة جهيمان العتيبي». وهذا يا إخوان يدل على أمر، ألا وهو أن العاطفة وأن الحماسات لا تكفي، إذ لا بد أن تضبط بضابط الشرع، ولا بد أن يرجع فيها للعلماء، أن يرجع فيها للعلماء. وإذا فقدت المرجعية إلى أهل العلم كانت الفتن، وكانت الفوضى التي تكون سببًا لسفك الدماء وغيرها. الشيخ رحمه الله تعالى رجع إلى اليمن، رجع إلى اليمن واستقر في قريته المعروفة بدماج، جلس يعلم الأولاد القرآن. قال: «فما شعرت إلا بتكالب الدنيا علي، لأن المجتمع زيدي، المجتمع شيعي رافضي، فتكالب عليه رحمه الله تعالى. قال: فكأني خرجت لخراب البلاد والدين والحكم». وكان الشيخ حينها لا يعرف أحدًا، لا يعرف مسؤولًا ولا شيخًا لقبيلة، فكان يقول: «حسبي الله ونعم الوكيل». قال: «وإذا ضاقت بي الأرض خرجت دعوة إلى الله عز وجل إلى صنعاء، وإلى حاشد، وإلى الحديدة وذمار وتعز وإب وغيرها، دعوة إلى الله عز وجل وزيارة لإخواني في الله». وبعد أيام وفترة من خروجه، يسر الله بعض فاعل الخير، فقام بإخراج مكتبته إلى اليمن. ولا تسل عن الصعاب، ولا تسل عن المتاعب التي لقاها الشيخ رحمه الله تعالى من أجل خروج هذه المكتبة، من أجل خروج هذه المكتبة. وماذا؟ وكان الشيعة يحاولون منع الإفراج عن هذه الكتب بحجة أنها كتب وهابية تخالف ما هم عليه. وتدخل من تدخل من المسؤولين للإفراج عن المكتبة، للإفراج عن المكتبة. وأخيرًا تم الإفراج عنها بعد تحرك بعض المسؤولين في مكتب التوجيه والإرشاد، وذهبوا وسلموا المكتبة، وقالوا: «هي من اختصاصنا، فنحن ننظرها، فما كان صالحًا سلمناه للوادعي، وما كان يخل بالدين أبقيناه عندنا». قال الشيخ: «وبما أنهم يعرفون أنها كتب دينية، ماذا؟ محضة، فقد سلموها لي من غير تفتيش، فجزاهم الله خيرًا. قال: فأخذتها للبلاد والحمد لله». وهنا قام بعض أقارب الشيخ ببناء مسجد صغير وبناء مكتبة صغيرة. وماذا قالوا؟ «نصلي في هذا المسجد جمعة ذرعًا للفتن والمشاكل، درعًا للفتن والمشاكل». لأن المساجد هناك كان يسيطر عليها الروافض، ومن كان أيضًا على المذهب الزيدي. فإذا ذهب الشيخ وذهب مناصر الشيخ لتلكم المساجد فلربما قامت الفتنة. ولهذا بنوا مسجدًا خاصًا بهم، وكانوا يصلون فيه جمعة، ويصلون فيه الصلوات المفروضة. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «فكنا نصلي في بعض الأوقات قدر ستة نفر». لاحظوا يا إخوان، قدر ستة نفر كانوا يصلون في هذا المسجد. قال: «وبعدها مكثوا في مكتبتي، وما هي إلا أيام فإذا بعض الإخوة المصريين أن يأتي إلى اليمن ويأتي للدراسة على يد الشيخ رحمه الله تعالى. قال: وفتحنا دروسًا في بعض كتب الحديث وبعض كتب اللغة». وبعد هذا ما زال طلبة العلم يفدون من مصر والكويت وأرض الحرمين ونجد، ومن عدن وحضرموت، ومن الجزائر وليبيا والصومال، ومن بلجيكا، وكثير من البلاد الإسلامية وغيرها. أصبح صيت الشيخ يذاع وخبره ينتشر، فمن أنحاء الدنيا وأصقاع المعمورة قدم طلاب العلم للدراسة عنده رحمه الله تعالى وغفر له. فقل لا بلد إلا ومنه من يدرسون عند الشيخ رحمه الله تعالى وغفر له. وبعد أن كانوا ستة نفر أصبح الطلاب ألوفًا مؤلفة، وأصبح أهل وأصحاب العوائل يعني يعدون بالمئات، بالمئات، يقاربون الألف بيت. كل ذلك يا إخوان علم وتعليم ودعوة إلى الكتاب والسنة على منهج سلف الأمة. وحاول أعداء هذه الدعوة من شيعة وصوفية وحزبية، إخوان المسلمون يا إخوان، قامت قيامتهم. وهكذا فروع الإخوان المسلمين من السرورية والقطبية وغيرهم، أصبح شغلهم الشاغل كيف يشوهون دعوة الشيخ رحمه الله تعالى باختلاق الحكايات، وهكذا أيضًا الأقاويل المكذوبة. وهذه سنة الله عز وجل في من دعا إلى الله عز وجل وصدق وأخلص في دعوته، وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من المجرمين، وكفى بربك هاديًا ونصيرًا، وكفى بربك هاديًا ونصيرًا. وحياة الشيخ رحمه الله تعالى كانت مليئة بالصفحات المضيئة، بالصفحات المضيئة، سواء في مراحل الشيخ التعليمية عند تحصيله للعلم، أو كان أثناء تعليمه وإفادته للآخرين. فمن هذه الصفحات المضيئة همته العالية، وتتمثل يا إخوان في نبذه للدنيا مع تيسر جمعها، مع تيسر جمعها. لو أراد الدنيا يا إخوان فماذا؟ قد فتحت أبوابها أمامه على مصراعيها، لكن كان رحمه الله تعالى من أبعد الناس عن ذلك. فقد اغترب كما اغترب غيره، وغيره رجع بالأموال، لكن الشيخ رجع بالعلم النافع والدعوة إلى الكتاب والسنة، فكان ذلك عزًا له وعزًا لأهله وعزًا لبلده، وعزًا لبلده. وكان الشيخ رحمه الله تعالى يحترق يا إخوان، يحترق على حال بلده، أنهم يعيشون في ظلمات التشيع، في ظلمات التشيع. وماذا؟ لكن بارك الله في هذه الدعوة، فبعد أن كان التشيع هو الكاسح والمنتشر، أصبح دعاة الكتاب والسنة ينتشرون في نواحي صعدة، بل إلى خارج صعدة، خطباء ووعاظًا ومعلمين. حتى بعض المناطق التي تمكن فيها التشيع كحيدان وضحيان وباقم وغيرها من المناطق، أصبح طلاب الشيخ يذهبون ويخطبون. وهذا الذي أقضى مضاجع أعداء السنة، أعداء السنة. فالشيخ رحمه الله تعالى كان يرى أن، أو كان يرى أن يجعل الدنيا تابعة للعلم. وكان رحمه الله تعالى يقول: «لا يفلح أحد من طلبة العلم إلا إذا جعل الدنيا لوقت فراغه». يقول: «لا يفلح أحد من طلبة العلم إلا إذا جعل الدنيا لوقت فراغه». وهكذا من هذه الصفحات المضيئة ما يتعلق بصبره على طلب العلم وصبره على نشر العلم، فقد تحمل المشاق والمتاعب في سبيل تحصيل العلم النافع منذ أن كان طالبًا بصعدة، إلى أن توفاه الله عز وجل وهو ماذا؟ صابرًا على العلم وعلى التعليم. فمر معنا أنه نشأ يتيمًا بعيدًا عن حنان الأب ومساندة الأب، وترعرع في كفالة أمه. وهكذا أيضًا صبره على المجتمع الذي الذي فقد فيه علم الكتاب والسنة. ومنذ بداية أيضًا طلبه للعلم، فلم يكن هناك من يساعد الشيخ ويعينه على طلب العلم، بل كان رحمه الله تعالى يعمل ويدرس، يعمل ويدرس. وهكذا أيضًا حين أن كان في جامع الهادي بصعدة يدرس، فذكر رحمه الله تعالى قال: «اليوم الذي نجد فيه خبزًا ناشفًا مع شيء من الطماطم، قال: يعتبر أسعد يوم وأهنأ يوم من حيث المأكل». خبز ناشف مع قليل طماطم، هذا عندهم يعتبر أهنأ يوم من حيث المأكل. ويذكر رحمه الله تعالى أنه في بعض الأيام كان يذهب إلى خزانة الخبز أو المكان الذي يرمى فيه ماذا؟ كسر الخبز التي لا يحتاج أو لا يحتاج إليها، فيخرج تلك الكسر وقد علقت عليها خيوط العنكبوت، يعني خبز مرمي له فترة، ومن طول الأمد والوقت العنكبوت قد نسجت عليها بيوتها. فكان رحمه الله تعالى يمسح عنها ذلك ويأكلها، ويأكلها. وذكر الشيخ رحمه الله تعالى أنه عندما رحل من نجد، أي من الرياض إلى مكة، لم يكن عنده إلا إيجار السيارة وشيء من التمر، وأنه بقي على ما عنده من التمر عند وصوله إلى الحرم المكي حتى نفد منه. كان يشرب من ماء زمزم ويأكل من هذا التمر حتى نفد ما عنده رحمه الله تعالى، حتى نفد ما عنده رحمه الله تعالى. ثم كان يعاني من عدم وجود مال ينفقه، مال ينفقه. وهكذا استمر رحمه الله تعالى يعمل ويتعلم، في النهار يعمل، وفي الليل أو ماذا؟ من بعد العصر إلى بعد العشاء كان يتعلم ويدرس في ماذا؟ في الحرم المكي، حتى التحق بمعهد الحرم المكي وأكمل دراسته، وانتقل بعد ذلك إلى المدينة. فكان رحمه الله تعالى صابرًا على ذلك. وهكذا طالب العلم، وهكذا طالب العلم يحتاج أن يصبر على الجوع، يصبر على الأمراض، يصبر على كذلك الغربة، على مفارقة الأهل ومفارقة الأوطان، لكي ماذا؟ لكي ينال العلم، ولكي يبرز في هذه العلوم، في هذه العلوم. وهكذا صفحات عظيمة في حياة الشيخ رحمه الله تعالى مضيئة، استفيدوا منها طلاب العلم أيما استفادة. يأتي معنا في درس لاحق إن شاء الله عز وجل الكلام حول المزيد من هذه الصفحات المضيئة في حياة الشيخ، وهكذا دروس عظيمة مستفادة من حياة ومواقف هؤلاء العلماء الراسخين الربانيين الناصحين رحمة الله عليهم. فنختم بهذا، وأسأل المولى تبارك وتعالى أن يغفر له وأن يرحمه، وأن يغفر لنا وأن يرحمنا ووالدينا، وأن يجمعنا بهؤلاء العلماء في أعلى الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.