الدرس في التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 28، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول المقطع معاناة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله في طلب العلم وتنقله بين اليمن والسعودية، حيث تحمل الجوع والمشاق وصبر على تعليم المسلمين. كما يبرز همته العالية في طلب العلم متأخراً وتفانيه في نشر دعوة التوحيد والعلم النافع.
كان الشيخ يجد راحته وشفاءه في العلم والتدريس، حتى كان ينسى آلام المرض بمجرد شروع الدرس، ويعد القراءة في الصحيحين أحلى لذة في الدنيا. كما تميز بثباته على الحق وسعيه الدائم لنفع المسلمين بالعلم في جميع أحواله، سواء في الصحة أو المرض، وفي بيته ومسجده ورحلاته، حتى على سرير الموت كان مشغولا بالعلم والتعليم والإجابة عن الأسئلة.
يصف المقطع تمسك الشيخ مقبل الوادعي بالعقيدة الصحيحة رغم محيطه بالجماعات الحزبية، ورفضه العروض المالية المشروطة، وتحذيره من الجمعيات الخيرية المستترة بأفكار حزبية، وإصداره شريط "البراءة من الحزبية". كما يبرز إنكاره المستمر للبدع والمنكرات منذ دراسته في جامع الهادي مروراً بالجامعة وعودته لليمن، مما جلب عليه عداوة أهل الباطل، على نهج الأنبياء والعلماء الراسخين.
يدعو المتحدث الله أن يغفر ويرحم علماء الأمة السابقين واللاحقين، وأن يجمعهم في أعلى درجات الجنة إخواناً متقابلين. ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله، والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع شذرات البلاتين في تراجم علمائنا المعاصرين، ولا نزال مع حياة هؤلاء العظماء من العلماء الراسخين والناصحين. وكان آخر من تكلمنا عنه - يا حمزة - آخر من تكلمنا عنه، أحسن الله تكلمنا، حول محدث اليمن والجزيرة فضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي بن مقبل الوادعي رحمه الله تعالى. وكم يا إخوان نتعلم، وكم نستفيد من حياة هؤلاء العلماء الذين رفع الله ذكرهم، وهكذا خلد الله أسماءهم بين الناس. وهذا مما يدل على فضل العلم وأهله. والناس لا يأخذون عن العلماء مجرد العلم فقط، وإلا كما سبق معنا فإنهم يأخذون قبل العلم الأدب، وهكذا أيضاً السمت والخلق الذي يكون عليه هذا العالم. ولاحظوا كم هي الفوائد والدروس التي مرت معنا في التراجم السابقة، بدءاً بترجمة العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى، وهكذا ترجمة العلامة أحمد بن محمد شاكر، وهكذا من بعدهم العلامة الشنقيطي، وهكذا ابن باز والعثيمين والألباني، وهكذا العلامة حافظ بن أحمد الحكمي، وهكذا غيرهم من هؤلاء العلماء الذين خلفوا من العلم النافع، وخلفوا كذلك من الآداب التي استفاد منها من استفاد من طلاب العلم وغيرهم. وآخر ما تكلمنا عنه في حياة العلامة المحدث مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى هو تلكم الصفحات المضيئة من مراحل الشيخ التعليمية محصلاً للعلم، وهكذا حال كونه معلماً استفاد منها طلاب العلم. أول ما ذكرنا: الهمة العالية التي عرف بها رحمه الله تعالى، وعرف ذلك من خلال أنه طلب العلم متأخراً، ثم اشتغل ببعض أعمال الدنيا، ثم اغترب وتعلم وتفرغ للعلم، فرجع إلى بلده يحمل دعوة عظيمة، دعوة عظيمة هي دعوة التوحيد، هي دعوة الاتباع، هي دعوة كذلك العلم النافع الذي يتبعه العمل الصالح. وسبق معنا أنه رحمه الله تعالى كان يقول: "لا يفلح أحد من طلبة العلم إلا إذا جعل الدنيا لوقت فراغه". وكان يحفظ طلابه من الأبيات الشعرية والقصائد العربية التي تدل على عناية السلف بالعلم وبذلهم للغالي والنفيس من أجل تحصيل العلم، كقول الشاعر: عنوا يطلبون العلم في كل بلدة شباباً فلما حصلوه وحشروا وصح لهم إسناده وأصوله وصاروا شيوخاً ضيعوه وأدبروا فمالوا إلى الدنيا فهم يحلبونها بأخلافها مفتوحها لا يصرّوا فيا علماء السوء أين عقولكم وأين الحديث المسند المتخير وهكذا من هذه الصفحات: صبره على طلب العلم، وهكذا أيضاً على نشر العلوم. فمر معنا كيف أنه تحمل المتاعب والمشاق في سبيل تحصيل العلم النافع، سواء كان ببلده صعدة والمجتمع الشيعي الذي نشأ فيه، ومحاربة الشيعة ليس للسنة فحسب، بل وللعلم والتعليم. ومع هذا حاول الشيخ رحمه الله تعالى أن يستفيد من مظاهر العلم الموجودة في ذلك المجتمع. وهكذا حين انتقل إلى المملكة، بدءاً بجنوب المملكة، وبعد ذلك انتقاله إلى الرياض، ثم بعد ذلك انتقاله إلى مكة ودراسته بمعهدها، وأخيراً كان انتقاله إلى المدينة النبوية ودراسته في جامعتها. انظروا يا إخوان هذه الفترات التي مرت من حياته رحمه الله تعالى، كيف عانى وكيف صبر على الجوع. كيف صبر على الجوع، يقول: "اليوم الذي يكون فيه الطعام عبارة عن خبز ناشف مع شيء من الطماطم، قال: يعتبر أسعد يوم وأهنأ يوم من حيث المأكل". وهكذا مر معنا أنه كان لربما يشتد عليه الجوع فيذهب إلى خزينة الطعام فيجد كسر الخبز التي قد علاها خيوط العنكبوت، ماذا يفعل؟ يزيل هذه الخيوط للعنكبوت ويمسحها ثم يأكلها. وحتى في مكة كان معه تمر فيأكل من التمر ويشرب من ماء زمزم حتى نفد التمر. وكم هي المعاناة التي عاناها رحمه الله تعالى. ومن هذه الوقفات: صبره على تعليم أبناء المسلمين. كان يا إخوان آية في الصبر على التعليم، كانت حياته إما سائلاً لغيره وإما مسؤولاً يجيب عن أسئلة الآخرين. لما تكون في مجلس الشيخ مقبل رحمه الله مباشرة، إما أن تسأله أو يوجه الأسئلة لكي يستفيد الحاضرون. كان يجد الراحة مع العلم، مع العلم، وكان يقول رحمه الله تعالى: "مع العلم تذهب هموم الدنيا ويذهب التعب والمرض". كان رحمه الله تعالى كثيراً ما يقول: "ليس في الدنيا شيء يماثل العلم". وكان رحمه الله تعالى يقول: "أنا أستشفي بدروسي"، أستشفي يعني يطلب شفاء مرضه بالتدريس. وأحياناً كان يخرج متعباً من بيته إلى المسجد فيصلي ويبدأ في درسه، فما هو إلا أن يشعر بالنشاط ويشعر بالهمة ويشعر كذلك بتناسي هذه الأمراض. وكان يقول رحمه الله تعالى: "إني بحمد الله أحب كتاب ربي والسنة الغراء، سيما الصحيحين، سيما الصحيحين، والقراءة فيهما أحلى لذة في الدنيا". القراءة في الصحيحين يقول: "أحلى لذة في الدنيا". قال: "وإني إذا فتحت صحيح البخاري وقلت: قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا مالك... إلى آخره، قال: أو فتحت مسلماً وقلت: قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قراءة على مالك... قال: أنسى مشاغل الدنيا ومشاكلها، ينسى مشاغل الدنيا ومشاكلها". وهذا إن دل على شيء دل على حب للعلم ليس تكلفاً. يا إخوان، بعض طلاب العلم يحضر الدروس متكلفاً، أول ما ينتهي الدرس كأنه خرج من سجن إلى سعة، ومن ضيق إلى راحة، حتى على الدكة في الشمس يرتاح، انتهى الدرس. لكن هؤلاء العظماء يا إخوان كان العلم عندهم أحب شيء وأغلى شيء، يبحثون عنه ويسعون في تحصيله. وكان رحمه الله تعالى يخرج إلى درسه أحياناً وهو في غاية من التعب، وخاصة في أيامه الأخيرة لأن المرض كان اشتد عليه رحمه الله تعالى، قال: "فينسى التعب والمرض". فكانت حياته مع العلم في بيته وفي مسجده وفي طريقه وفي رحلته. حتى إذا خرج رحلة دعوة إلى الله عز وجل تجد الشيخ نشيطاً في الإجابة عن الأسئلة وتوجيه النصائح. فإن لم يكن مباشراً هو الذي يسأل، يقول: "عندك يا أخونا، عندك"، ويوجه له السؤال إما في اللغة والنحو، أو في العقيدة والتوحيد، أو في الفقه ومسائله، أو في غيرها من العلوم المفيدة. قال: "فلا تراه إلا سائلاً أو مسؤولاً، سواء كان مريضاً أو صحيحاً". حتى في أيامه الأخيرة لما أسعف من دار الحديث بدماج إلى مستشفى الثورة بصنعاء، كان بقاؤه في المستشفى شيئاً أثار استغراب الأطباء والعاملين وإدارة المستشفى. أصبح المستشفى كأنه مركز من مراكز العلم، طلاب العلم من كل مكان أتوا لكي يزوروا الشيخ، هذه مجموعة تدخل ومجموعة تخرج. أتى الأعيان والمشايخ والمحبين، كلهم يريد أن يزور الشيخ، والشيخ على سرير المرض، المرض الذي كان سبباً في وفاته، على سرير المرض وهو يرى الزائرين فيجيب على الأسئلة، وعبر الهاتف يلقي النصائح والتوجيهات. وهكذا أيضاً كان يسأل الزائرين: "يا فلان أسألك"، فيقول: نعم، فيوجه الشيخ له بعض الأسئلة. وهذا يا إخوان الذي عرف به الشيخ منذ بداية طلبه للعلم، حين كان بمعهد الحرم المكي، كان يدرس إخوانه في قطر الندى وغيرها من كتب النحو، وهكذا كان في الجامعة الإسلامية كان يدرس إخوانه، وبعد أن تخرج من الجامعة كان الشيخ ممن يطلب العلم عنده، كان حريصاً على تعليم المسلمين. ومن هذه الصفحات: ثباته يا إخوان على الحق، ثباته على الحق. فالذي يدقق النظر في المراحل التي مر بها الشيخ رحمه الله تعالى يرى أنه ثبت أمام أمواج متلاطمة من فتن الأهواء، وهكذا أيضاً ما عليه أهل البدع والتحزبات. فالشيخ رحمه الله تعالى درس عند الشيعة بصعدة وفي جامع الهادي أربع سنوات، وجامع الهادي كان معقل الشيعة الذين عندهم عقيدة الشيعة والمعتزلة وغيرهم من أهل الباطل. درس بعد ذلك حين قامت الثورة، رحل إلى المملكة، وقلنا درس سنتين بنجران عند مجد الدين المؤيد وهو شيعي ومن علماء الزيدية. وهكذا بعد ذلك انتقل إلى الرياض ودرس عند بعض مشايخها، وفي مكة في معهدها، وفي المدينة عند أو في جامعتها الإسلامية. وخلال هذه المراحل كلها كانت تحيط بالشيخ المخالفون، من يحيط حتى في المملكة كان لجماعة الإخوان المسلمين هناك شوكة وانتشار، لأن المملكة استقدمت في فترة الخمسينات من القرن الميلادي الماضي، استدعت جماعة من الدكاترة والعلماء من مصر، وكان كثيراً منهم يحمل فكرة الإخوان المسلمين، ولم يكن حينها قد انكشف أمرهم. ومع هذا كله ثبته الله عز وجل ولم يتأثر بشيء من هذه الإغراءات وهذه الأهواء المخالفة. وهذا يا إخوان يذكرنا بكلام الإمام شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى إذ يقول: "إن العالم الراسخ لو وردت عليه الشبه بعدد أمواج البحر، لو وردت عليه الشبه بعدد أمواج البحر، ما أزالت يقينه ولا قدحت فيه شكاً، ما أزالت يقينه ولا قدحت فيه شكاً". وفي أثناء تدريسه بدار الحديث بدماج أتاه أهل الباطل من المتحزبة وغيرهم، أصحاب الجمعيات، سواء كان في أول الأمر جمعية إحياء التراث بالكويت، وعرضوا عليه العروض، مع أن الشيخ وطلابه أحوج ما يكون إلى المساعدات المالية، وعرضوا عليه المساعدة لكن بشروط، فرفض الشيخ رحمه الله تعالى، وأخبر من حوله أن الرزق على الله عز وجل، وأن الله لن يضيع، أو لن يضيع طلاب العلم. فماذا فعلوا؟ اتجهوا إلى كبار طلاب الشيخ، كبار طلاب الشيخ من المبرزين، فأغروهم بالأموال والدنانير، وأنشأوا هذه الجمعيات الموجودة الآن: جمعية الإحسان وجمعية الحكمة وغيرها من هذه الجمعيات التي اتخذت من الأعمال الخيرية ستاراً وواجهة لما تخفي من أفكار حزبية. وقام الشيخ رحمه الله بالنصيحة لهؤلاء الطلاب، فرجع من رجع منهم، وبقي الكثير منهم، وسكت الشيخ عنهم حتى بدأوا يقولون: "أن الشيخ مقبل معنا، أن الشيخ مقبل معنا". عندها أخرج الشيخ رحمه الله تعالى أول شريط سماه "البراءة من الحزبية"، البراءة من الحزبية، وتبرأ من هذه الطرق الجديدة: طريق ديمقراطية، وكذلك ولاء وبراء ضيق، وغيرها مما عليه أهل التحزب. فكان الشيخ رحمه الله تعالى ثابتاً إلى أن توفاه الله عز وجل. أخيراً من هذه الصفحات المضيئة التي تميز بها الشيخ في مراحل تعليمه: أنه كان لا يسكت عن باطل سمعه، عن باطل سمعه. فعند أن كان يدرس عند الشيعة في جامع الهادي كان ينكر كثيراً من المنكرات التي عليها القوم، التي عليها القوم. ومن ذلكم أنه جاء إلى جامع الهادي رجل مخرف، يعني مخرف أي عنده شعوذة وعنده من هذه المخالفات. فماذا قال الشيخ رحمه الله تعالى؟ قال: "في ذات مرة أتى إلى المسجد محمد حورية، قال: فنصحته أن يترك التنجيم، فنصحهم أن يطردوني من الدراسة، قال: فشفعوا لي عنده، فسكت". يعني بسبب نصحه وإنكاره على هذا المنجم والمشعوذ، أمر أهل المسجد والدراسة أن يطردوا هذا الطالب، لكن شفع للشيخ حتى سكت ذلكم الرجل واستمر الشيخ حتى رحل إلى المملكة. وهكذا كان وهو في الجامعة، فكان ينكر التقليد بشدة، وكان لربما يبقى في نقاش ونطاح مع بعض المدرسين. وهكذا بعد تخرجه من الجامعة، وهكذا في اليمن بعد أن عاد، فكان رحمه الله لا يسكت عن الباطل وعن أهل الباطل. وهذا كان سبباً... لماذا؟ هذا كان سبباً لماذا؟ نعم يا شباب، لو أحد... لما ينصح وينكر على أهل الباطل باطلهم سيكون سبباً لماذا؟ نعم، لكثرة أعدائه وكثرة خصومه، وكثرة خصومه. لكن هذه هي دعوة الأنبياء، ﴿كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ﴾، ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾، ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾. فالعالم إذا قام على أهل الباطل انبروا له أعداءً وخصوماً، وخصوماً. ولا ننسى ما كان مع الشيخ ابن باز والعثيمين والفوزان واللحيدان والغديان وغيرهم من علماء المملكة حين أنكروا على أهل التحزبات ما يتعلق بالثورات وغيرها من الأمور في المملكة. وهكذا العلامة الألباني، كم ثار عليه من ثار حين كان بسوريا في أول وقته حتى اضطر إلى الرحيل إلى الأردن حتى مات رحمه الله تعالى. فهذه بعض الصفحات المضيئة، والصفحات كثيرة يأتي معنا مذاكرة بعض آخر منها في مجالس لاحقة إذا أطال الله في الأعمار وأعاننا. فأسأل المولى تبارك وتعالى أن ينفعنا بما نقول أو نسمع، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. وهكذا نسأله أن يغفر وأن يرحم علماءنا الماضين والباقين، وأن يجمعنا بهم في أعلى الجنة إخواناً على سرر متقابلين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.