كتاب الصيام 4

الدرس في كتاب الصيام 4، ألقاها

مقدمة في مفطرات الصوم وشروطها

يتناول المقطع مفطرات الصوم وهي الأسباب التي تؤدي إلى فساد الصوم، مع ذكر شروطها مثل العلم والذكر والعمد. جاءت أدلة من القرآن والسنة لدعم هذه الشروط.

تفصيل مفطرات الصائم وأمثلتها

المقطع يفصل في مفطرات الصائم مثل الأكل والشرب عمدا، والجماع، والسعوط، والإبر المغذية، مع شرح الشروط اللازمة لكي يعتبر الصائم مفطرا.

أحكام الجماع في نهار رمضان

ذكر الفقهاء شروطا لحكم المجامع في نهار رمضان، منها أن يكون في نهار رمضان، وأن يكون الصائم ملزما بالصيام، مع بيان الأحكام المترتبة على ذلك.

كفارة الإفطار في رمضان وتفاصيلها

كفارة الإفطار في رمضان تكون بإطعام ستين مسكينا، والأفضل المبادرة بذلك، وإن تأخر حتى بعد رمضان جاز.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس الماضي كلام على بعض الأعذار المبيحة للفطر في رمضان، وهي المسألة الأولى من الباب الثاني في كتاب الصيام من كتاب الفقه الميسر، وهي الأعذار المبيحة للفطر ومفطرات الصائم. وقبل أن ندخل في المسألة الثانية من مسائل هذا الباب، ننبه على أمر وهو ما تقدم معنا في الدرس الماضي في حديث أنس: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة»، أصواب أنه عن أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه وأرضاه. وأنس بن مالك من الصحابة اثنان: أنس بن مالك الأنصاري الخزرجي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، الصحابي المشهور، أحد العشرة أو أحد السبع المكثرين من رواية الحديث، والثاني هذا أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه وأرضاه، وهو المشهور بهذا الحديث الذي هو بين أيدينا. قالوا: المسألة الثانية مفطرات الصائم، ومعنى هذا: ما هي الأشياء التي إذا عملها أو ارتكبها الصائم صار بها مفطرا؟ وقبل الشروع في الكلام على مفطرات الصائم، ننبه على أمر وهو أن العلماء رحمهم الله تعالى ذكروا شروطا ثلاثة للمفطرات الصوم، ذكروا لمفطرات الصوم شروطا ثلاثة: الأول العلم، والثاني الذكر، والثالث العمد. فالعلم يدل عليه عمومات الأدلة الدالة على أن الأحكام مترتبة على العلم، وأن من فعل شيئا جاهلا به أنه لا يؤاخذ بذلك. ويدل عليه على وجه التفصيل في مسألة الصيام خاصة ما سيأتي بيانه بإذن الله جل وعلا. وهو أن العلم كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أنه على قسمين: العلم بالحكم الشرعي، والقسم الثاني العلم بالحال، أي بواقع الحال. ويقابل العلم الجهل، وهو على قسمين كذلك: جهل بالحكم الشرعي، وجهل بواقع الحال. أما القسم الأول وهو الجهل بالحكم الشرعي، فيدل عليه ما جاء في الصحيح من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه وأرضاه، حينما نزل قول الله جل وعلا: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. كان عدي بن حاتم رضي الله عنه لما سمع هذه الآية أخذ عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض، فوضعهما تحت وساده، فجعل يأكل ويشرب وينظر إلى العقالين، فلما لم يكن يتبين الأبيض منهما من الأسود، يأكل ويشرب حتى تبين له الأبيض من الأسود، فتوقف عن الطعام والشراب. فلما أصبح أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الأمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن وسادك لعريض، إنما هو بياض الفجر من سواد الليل» أو كما قال صلى الله عليه وسلم. الشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعذره بجهله بالحكم الشرعي، ولم يأمره بالقضاء، ولم يخبره بأنه أفطر، مع أنه أكل وشرب بعد دخول الفجر الصادق، لكنه لما كان جاهلا بالحكم الشرعي أعذر. فهذا فيه دلالة على أن من فعل شيئا من المفطرات لجهله بالحكم الشرعي، فإنه لا يؤاخذ بها. والقسم الثاني من أقسام الجهل: الجهل بواقع الحال، هو يعلم الحكم الشرعي، يعلم أن الصائم لا يجوز له أن يأكل ولا أن يشرب ولا أن يأتي أهله في نهار رمضان، لكن حصل له أمر طار، مثال ذلك من السنة جاء في حديث أسماء رضي الله عنها وأرضاها قالت: «أفطرنا في يوم ذي غيم، فلما انقشع الغيم قالت: ظهر أن الشمس لم تغرب بعد، فأتممنا صياما» أو كما قالت رضي الله عنها وأرضاها. الشاهد منه أنهم يعلمون الحكم الشرعي، لكن حصل لهم طارئ، ما هو الطارئ؟ جاء غيم شديد، وتعرفون في الزمن الأول ما كانت عندهم ساعات، سيقول: بقي نصف ساعة، بقي ساعة، ما عندهم ساعات، نظروا إلى الحال، فقدروا تقديرا أن الشمس في هذا الوقت تغرب، فأفطروا، فإذا بالشمس لم تغرب بعد. فمثل هذا أيضا لا يكون مفطرا من المفطرات، لماذا؟ لأنه جهل الحال التي يجب عليه فيها أن يصوم، جهل أن الشمس ما زالت موجودة حاضرة لم تغرب بعد. إذن الشرط الأول: العلم، ويقابله الجهل، وكما سمعتم: العلم على قسمين: علم بالحكم الشرعي، وعلم كذلك بواقع الحال. ويقابله: جهل بالحكم الشرعي، وجهل كذلك بواقع الحال. القسم أو النوع أو الشرط الثاني من شروط المفطرات: أي من الشروط التي إذا أكل الإنسان أو شرب أو أخذ أو فعل شيئا من المفطرات يكون مفطرا بها، لا بد أن يكون كذلك ذاكرا، لا بد أن يكون ذاكرا، فإن لم يكن ذاكرا أكل ناسيا، أكل ناسيا، فها هنا عندنا أدلة عامة وأدلة خاصة تدل على أنه غير مؤاخذ. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. هذا دليل عام. ودليل خاص ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نسي فأكل أو شرب فليتم صومه، إنما أطعمه الله وسقاه». إذن من حصل منه شيء من المفطرات ناسيا، أكل أو شرب أو حصل له شيء من المفطرات ناسيا، هذا كذلك لا يكون مفطرا، بل يتم صومه لما تقدم ذكره من الأدلة العامة والخاصة. الشرط الثالث: أن يكون عامدا، أي متعمدا للإفطار، فإن لم يكن متعمدا للإفطار، بل حصل الإفطار إما من غير عمد، وإما بإكراه. قال العلماء: إما أن يحصل له من غير عمد، قال: كأن تدخل فيه حشرة، يفتح فاه فتدخل حشرة إلى فيه إلى جوفه، أو غبار أو ما شابه ذلك. وكذلك على فتوى بعض أهل العلم في أن البخار والأجرام الخارج من البخور ونحوه في نهار رمضان: أن من تعمد استنشاقها يكون مفطرا، فيخرج من لم يتعمد استنشاقها، هذا لا يكون مفطرا، لأنه لم يتعمد. وكذلك المكره، إنسان أكره على الإفطار، أضجع وصب فيه الماء حتى شرب، هذا يتم صوما ولا شيء عليه، لأنه لم يفعل ما فعله متعمدا، وإنما فعله مكرها. فهذه كما سمعتم شروط يذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى في مفطرات الصوم، أي لا بد أن تتوفر حتى يقال لمن أكل أو شرب أو فعل شيء من المفطرات بأنه مفطر. فإذا لم تتوفر أو لم يتوفر شيء منها، لا يكون الإنسان بذلك مفطرا. فدخلنا إلى ما ذكره أو إلى ما ذكر في هذا الكتاب، قالوا: المسألة الثانية مفطرات الصائم. قالوا: وهي الأشياء التي تفسد على الصائم صومه وتفطره. قالوا: ويفطر الصائم بفعل أحد الأمور التالية: الأول الأكل أو الشرب عمدا، لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. قال: فقد بينت الآية أنه لا يباح للصائم الأكل والشرب بعد طلوع الفجر حتى الليل، غروب الشمس. أما من أكل أو شرب ناسيا، فصيامه صحيح، ويجب عليه الإمساك إذا تذكر أو ذكر أنه صائم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». وهذا كما سمعتم دليل أو هذه المسألة قد تقدمت إشارة إليها، فيكون هذا من قسم الناس، فالناسي والذاهل حكمهما سواء، حكمهما سواء. قالوا: ويفسد الصوم بالسعوط، ومعنى السعوط: هو دواء يصب في الأنف، دواء يقطر من الأنف فيدخل إلى الجوف. قالوا: ويفسد الصوم بالسعوط، وبكل ما يصل إلى الجوف ولو من غير الفم، مما هو في حكم الأكل والشرب، كالإبر المغذية. وكما تقدم معنا أن جماعة من العلماء يعللون الحكم في الإفطار أو مسألة الأكل والشرب، بعضهم بكونه أكلاً وشرباً، وبعضهم بكونه دخل من الفم، وبعضهم يجعلون العلة مكونة من علتين: من دخوله من الفم، أو يجعلون للحكم علتين: إما الدخول من الفم، وإما الغذاء، أو دخول الغذاء من أي جزء من الجسد. فأما الدخول من الفم، فيقول: كل ما دخل من الفم، سواء كان الغذاء أم لا، فإنه يكون مفطرا، لأنه دخل من مدخل الأكل والشرب، من الفم. ومنهم من يجعل العلة التغذية، فيجعلون كل غذاء أو ما كان في معنى الغذاء، إذا دخل إلى الجسد من أي جزء من الجسد وانتفع الجسم به، فإنه يكون بذلك مفطرا، كالإبر المغذية. الثاني: الجماع، قالوا: يبطل الصيام يبطل الصيام بالجماع، فمن جامع وهو صائم بطل صومه، وعليه التوبة والاستغفار، وقضاء اليوم الذي جامع فيه، وعليه مع القضاء كفارة، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينا، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: هل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا، قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما نحن على ذلك أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، والعرق المكتل، والعرق المكتل مثل الزنبيل، فقال: أين السائل؟ فقال: أنا، قال: خذها فتصدق به، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعم أهلك». طيب، هذه المسألة أو هذا المفطر الثاني وهو الجماع، وهو من المفطرات أيضا بإجماع الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب، فلقول الله جل وعلا: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. الشاهد منه أن الله جل وعلا أحل الجماع في ليالي رمضان بعد أن كان محرما في أول الأمر. وتحت مسألة المجامع في شهر رمضان مسائل أشار إليها هاهنا المؤلفون إشارة لطيفة، فقالوا: فمن جامع وهو صائم بطل صيامه، هذا الحكم الأول. أن من جامع في شهر رمضان بطل صيامه. قالوا: وعليه التوبة والاستغفار، لماذا؟ لأنه ارتكب محرما، بل وكبيرة من الكبائر، بجماعه في شهر رمضان، فيجب عليه التوبة والاستغفار. الثالث: قالوا: وقضى اليوم الذي جامع فيه. وهذا وقع فيه خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى، والأحوط هو هذا، الأحوط هو هذا، أي أن يصام يوما مكان ذلك اليوم، لأن في الباب قد ذكرت جملة من الأحاديث لا يسلم شيء منها مما قال: وهل تتقوى بمجموع طرقها أم لا؟ هذا محل اجتهاد، محل اجتهاد. فمن رأى أنها تتقوى فيجب عليه أن يصوم يوما مكان ذلك اليوم، ومن رأى أنها لا تتقوى بمجموع تلك الطرق، يقول: بأنه يتوب ولا صوم عليه، أي لا قضاء عليه. قالوا: وعليه مع القضاء كفارة، كما ذكر. والعلماء رحمهم الله تعالى ذكروا أيضا لهذا الحكم شروطا، ذكروا لهذا الحكم شروطا، أي لحكم المجامع في شهر رمضان. هذه الأشياء التي ذكرت، ذكروا له شروطا حتى يقال: بأن من جامع في نهار رمضان بأنه يفطر، وأنه يتوب إلى الله عز وجل لأنه ارتكب محرما، وأنه عليه القضاء، وأنه يأتي بيوم آخر ما كان اليوم. ذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى شروطا، من هذه الشروط أو أولى هذه الشروط: أن يكون ذلك الجماع في نهار شهر رمضان. معنى هذا: أن من جامع في صيام واجب، لكن في غير شهر رمضان، كصيام نذر أو صيام قضاء في غير رمضان، جامع في صيام واجب لكن في غير شهر رمضان، هل تترتب عليه هذه الأحكام؟ الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن عثيمين رحمه الله تعالى، ورجحه كذلك من المعاصرين العلامة ابن عثيمين: أن الحرمة للزمن، لا للصوم، أي لحرمة الزمان مع الصوم، لا للصوم فقط. إذن الشرط الأول: أن يكون في نهار شهر رمضان. الشرط الثاني: أن لا يكون ممن لا يلزمه صيام، أن لا يكون ممن لا يلزمهم الصيام، بمعنى أن من كان ممن لا يلزمه الصيام، أي من أهل الأعذار، إما لعدم توفر شروط الوجوب فيه -لما تقدمت- إما مجنون، وإما صغير ليس ببالغ، وإما كذلك المسافر، أو ما شابه ذلك، فهؤلاء إذا جامعوا في نهار رمضان لا يترتب عليهم هذه الأحكام، لأنهم ليسوا من أهل الوجوب، أي لا يجب عليهم الصوم. وكذلك الشرط الثالث الذي ذكره الفقهاء رحمهم الله تعالى، قالوا: أن يكون الجماع في فرج، فإن لم يكن في فرج، كذلك لا تترتب عليه الأحكام المذكورة. الشرط الرابع هو الشرط المتقدم ذكره في شروط المفطرات: أن يكون عالما، عامدا، ذاكرا، أن يكون عالما وذاكرا وعامدا. إذا توفرت هذه الأمور في ذلك الشرط، فإنها تترتب عليه هذه الأحكام الأربعة المذكورة: أنه أفطر ذلك اليوم، ووقع في كبيرة، وتلزم الكفارة، ويلزمه القضاء. قالوا: في معنى الجماع: إنزال المني اختيارا، فإذا أنزل الصائم مختارا بتقبيل أو لمس أو استمناء أو غير ذلك، فسد صومه، لأن ذلك من الشهوة التي تناقض الصوم. وعليه القضاء دون الكفارة، لأن الكفارة لا تلزم إلا بالجماع فقط، لورود النص خاصا به. طيب، وهذا الأمر كذلك بمعنى إنزال المني اختيارا، فإذا أنزل الصائم مختارا، إما بتقبيل أو لمس أو ما شابه ذلك، بعضهم نقل الإجماع على أن من حصل له شيء من مقدمات الجماع: تقبيل أو لمس أو ما شابه ذلك، فأنزل متعمدا، بأنه يفطر بإجماع. وهل تلزمه الكفارة؟ الصحيح أنه لا تلزم الكفارة، لأنه لم يجامع، وإنما فطر لأنه لم يحقق الماهية التي لأجلها أمر الشارع بالصوم، أو لم يحقق حقيقة الصوم، وهو ترك الطعام والشراب والشهوة، بل أتى شهوته، وأخرج شهوته. قالوا: أما إذا نام الصائم فاحتلم، أو أنزل من غير شهوة، كمن به مرض، فلا يبطل صيامه، لأنه لا اختيار له في ذلك. وهذا أيضا كذلك رجل نام فاحتلم، فهل يفطر بذلك الاحتلام؟ الجواب: لا، لأنه لم يكن ذلك الفعل باختياره، ومن شروط المفطرات كما تقدم: أن يكون متعمدا، ذاكرا، عالما. وهذا نائم مرفوع عنه القلم. الأخ يقول: هل إطعام المساكين لابد أن يكون في شهر رمضان، أو يجوز في غير رمضان؟ أما الكبير الذي لا يطيق الصيام، أو ممن وقع على زوجته في نهار رمضان. أما الأول: إطعام المساكين، فالذي جاءت فيه الأدلة أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا يفعلون ذلك في رمضان، يعني جاء في أثر ابن عباس رضي الله عنهما -وهو أشهر ما يذكر في هذا الباب- أنه قال: «يطعم عن كل يوم مسكينا». اليوم الذي ما يستطيع أن يصومه يطعم عن كل يوم مسكينا. قال الفقهاء: لا بأس أن يجمع في كل عشرة أيام، أو في كل خمسة أيام، أو في آخر الشهر، أن يجمع في آخر الشهر ثلاثين مسكينا فيطعمهم مرة واحدة. قالوا: يدل على هذا الفعل أثر أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه: أنه كان في آخر رمضان يجمع ثلاثين مسكينا فيطعمهم في يوم واحد. فهذا يدل على أن الإطعام يكون في هذا الشهر، يكون في هذا الشهر. فمن أخره لأمر أو لآخر إلى بعد رمضان، له كذلك أن يؤخر، أي إن لم يكن عنده طعام في ذلك الوقت، فأخره إلى شوال، فالأظهر -والله أعلم- أنه لا بأس في ذلك. فإذا جاز تأخير الصيام لعدم القدرة في شهر الصيام إلى شهر آخر، فالظاهر: البدل كذلك -والله أعلى وأعلم- لكن الأصل أنه يكون في رمضان، الأصل أن الإطعام يكون في رمضان. قالوا: أما الكبير الذي لا يطيق الصيام -طيب أما الكبير الذي لا يطيق الصيام- أو ممن وقع على زوجته في نهار رمضان -أيش هذا؟ يعني- الشاهد أنه كان لعل السؤال تتمة لما قبله. الشاهد أن من كان كبيرا فقد تقدم الكلام، وأما من جامع أهله في نهار رمضان، فالكفارة تكون على حسب استطاعته، لأن صيام شهرين متتابعين ما سيكون في رمضان، ما سيكون إلا بعد رمضان. وكذلك إطعام ستين مسكينا، إن استطاع في الوقت نفسه، فالمبادرة إلى أفعال الخير هو الأولى، فإن لم يستطع إلا بعد رمضان فعل ذلك، والله تعالى أعلى وأعلم.

شاركنا على