الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 109، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع كيف أن القرآن يذكر أوصافاً متقابلة كالأرباب المتفرقة مقابل الله الواحد، والظلمات مقابل النور، فيكفي ذكرها لاستظهار التفضيل دون تصريح. وهذا من إعجاز القرآن البلاغي القائم على فهم المعنى والاستغناء بالواضح عن التوكيد.
يستعرض المقطع آيات قرآنية تستخدم أسلوب المقارنة الضمنية بذكر أوصاف متقابلة كخالق السماوات والأرض والعبد لسيد واحد مقابل أسياد متشابكين. الفرق واضح للعقلاء من مجرد ذكر الأوصاف، وهذا أسلوب قرآني في الحجة والبرهان.
يبيّن المقطع أن القرآن يحذف الجواب في آيات المفاضلة بين الحق والباطل، والعلم والجهل، والهدى والضلال لأن الفرق معلوم والتمييز تام. ذكر التفضيل صراحة يعد عيباً في البلاغة، وإغفاله من كمال بلاغة القرآن.
يختتم المتحدث الحديث بالإشارة إلى انتهاء الشرح عند القاعدة المذكورة ويختم بقوله والله تعالى أعلم. كما يُنسب الترجمة اللغوية إلى نانسي قنقر.
فصل: تباين الصفات التي يعرف العقلاء بالبديهة التفاوت بينها، ويغني ذكرها عن التصريح بالمفاضلة. قال تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾، والآيات التي بعدها. وضرب الله مثلاً: ﴿رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾. ومثل الفريقين: ﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾. قال تعالى: ﴿أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾، ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيهِ﴾، ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾. فهذا الموضع ترك القسم الآخر، كما ترك التصريح بالمفاضلة لعلمه من المقام. فقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ إلى آخرها، يعني: كمن ليس بقانت. والآيات في هذا الباب كثيرة، وهو من بلاغة القرآن وعجائبه العجيبة. وقوله: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. ﴿وَلَمَّا ذَكَرَ أَوْصَافَ الرَّسُولِ وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ، وَعَظَ مَنْ عَارَضَهُ، قُلْ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * فَسَتَبْصِرُونَ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ * لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ * وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾. وذلك أنه إذا ميزت الأشياء تميزاً تاماً، وعرفت مراتبها بالخير والشر والكمال والنقص، صار التصريح بعد ذلك بالتفضيل لا معنى له. والله أعلم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. بعد قوله: ذكر الأوصاف المتقابلات يغني عن التصريح بالمفاضلة، يعني: كوصف الظلمات والنور، أو وصف الأرباب المتفرقة والإله الواحد. هذه أوصاف، فيأتي بسؤال يفاضل بينهما. فذكر هذه الأوصاف المتقابلة يعني المتعاكسة، يغني عن التصريح بالمفاضلة لأن الجواب معلوماً، وهذا من بلاغة القرآن. فاللغة العربية مبناها على الفهم ومعرفة المعنى، فإذا عرف المعنى فلا يحتاج إلى تصريح، خصوصاً في الأشياء الواضحة الجلية فيما يتعلق بالإيمان والكفر والتوحيد والشرك وإلهية الحق وإلهية ما سواه والعلم والجهل. فهذه الأشياء تذكر بأوصافها ويستغنى بهذا الذكر عن المفاضلة. مثل ما مثل هنا: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. الأرباب المتفرقون يعني المتعددون، خير أم الله الواحد القهار؟ أم الإله الواحد الذي قهر جميع العباد؟ فهل هذا يحتاج إلى جواب؟ هذا الجواب معلوم لدى كل من عنده قليل من الفهم والعلم، ما يحتاج إلى ذكر التصريح. فلا شك أن الواحد القهار خير من الأرباب المتفرقة. وهكذا الآية الأخرى: ﴿اللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، هل هذا يحتاج إلى جواب؟ لا يحتاج إلى جواب لمعرفة الجواب، فالفرق هنا معلوماً. فلا شك أن كل عاقل يقول في هذه الآية: الله خير مما يشرك هؤلاء. وهذا قلنا من بلاغة القرآن. ومثله الآية الأخرى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ إلى آخر الآيات، ثم فاضل بها عمن يعبد من دون الله. فلا شك أن الجواب: من خلق السماوات والأرض. ومثله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾. يعني معنى الآية: رجل فيه عدة أسياد، يسمونه العبد المبعض، ربع للسيد الفلاني وربع للسيد الفلاني وربع للسيد الفلاني، فهو يعني عبد لأربعة. فهم متشاكسون فيه، معنى متشاكسون: كل واحد يريد من هذا العبد أن ينفذ أمره، هذا يأمره وهذا يأمره، وهذا يريد تنفيذ أمره وذاك يريد تنفيذ أمره. فكيف سيكون حال هذا العبد؟ سيكون شتى، سيكون يعني ملاماً من قبل أسياده لأنه ليس عبداً لسيد واحد. فهل هذا خير أو ذاك العبد الذي له سيد واحد؟ أي عاقل سيقول ماذا؟ العبد الذي له سيد واحد. وهذا المراد: أن من عبدوا غير الله فقد عبدوا أسياداً كثر، لكن من عبدوا الله فإنهم عبدوا سيداً واحداً وهو الله عز وجل. فالجواب هنا والفرق هنا معلوماً، فاستغني بذكر هذه الأوصاف عن ماذا؟ عن ذكر التصريح بالمفاضلة. نعم، ومثله الآية التي بعده: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾. يعني: هل يستوي الأعمى والبصير والأصم والسميع؟ لا يستويان. إذن هؤلاء الذين تعبدونهم لا يبصرون ولا يسمعون، كما قال إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾. وأما ربنا عز وجل فقد قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فأثبت لنفسه السمع والبصر. فهل يستويان مثلاً؟ الجواب معلوم، معلوم لذكر هذه الأوصاف المتقابلة، فالعمى يقابل البصر والأصم يقابل السميع. واضح؟ نعم، ومثله: ﴿أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾. هل هذا يحتاج إلى جواب؟ الجواب واضح بين، وهو أن الله أعلم منا، فعلمه قد أحاط بكل شيء سبحانه وتعالى، أما علم المخلوق فهو ناقص قاصر. ومثله الآية الأخرى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾. إذن الجواب ماذا؟ أنهم على الله يفترون. هذه الآية ذكرت فيما يشرعه المشركون من بهيمة الأنعام: أن هذا خالص لله، وهذا لذكورهم، وهذا لإناثهم. فقال الله عز وجل: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾، هل هذا شرع من الله؟ أم على الله تفترون؟ الجواب: أنهم على الله يفترون، لأن هذا ليس بشرع. فإذن: ذكر الأوصاف وذكر المتقابلات، ثم بعد ذلك لم يصرح بالمفاضلة لأن الفرق معلوماً. ومثله الآية التي بعدها: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾. يكون هنا في الآية تقدير، الآية فيها تقدير، وهذا التقدير: كما ليس كذلك. إذن الجواب ماذا؟ ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ هو الأفضل وهو الأكمل. واضح هذا الآن. ومثله كذلك: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. هل يحتاج هذا إلى جواب؟ لا يحتاج إلى جواب لأن الفرق معلوماً. فهل صاحب العلم كصاحب الجهل؟ ليس كذلك، فلا يستويان أبداً. وأيضاً في قوله: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. يعني الذي يمشي في ضلال فهو كأنه على وجهه مكب، يعني على وجهه في الأرض، كمن يمشي سويا رافع الرأس يمشي وهو قائم. فأيهما يعني يفضل؟ لا شك أن الجواب معلوم: الذي يمشي سويا على صراط مستقيم. فلم يذكر هنا الجواب، لم يذكر هنا الجواب لأن الفرق معلوماً. وهكذا لما ذكر أوصاف الرسول الداعي وما يدعو إليه، وأعظم الناس معارضة، قال: ﴿قُلْ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. أين المفاضلة هنا؟ يعني من الآن في ضلال مبين، الجواب معلوم. ﴿إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، الآن معنى هدى وضلال وصفان متقابلان، فمن هو على الهدى لا شك الرسول، ومن هو على الضلال من عارضه من المشركين. فهنا الجواب أيضاً ماذا؟ معلوماً. ومثله: ﴿فَسَتَبْصِرُونَ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾. إذن من هو المفتون؟ أهو الرسول أم من عارضه؟ الجواب معلوم، فلذلك لم يذكر هنا، هذا من هذا الباب. وفي قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. نعم، فأيهما أعظم وأفضل: الرشد أو الغي؟ هذان وصفان متقابلان، لا شك أنه الرشد. طيب، فلذلك هنا اكتفي بذكر الوصف عن ذكر الجواب. ومثل: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾. فهنا خرج مخرج التهديد، فيراد بذلك ماذا؟ يراد بذلك أن الله عز وجل دعا إلى الإيمان، لا إلى الكفر. فذكر وصفان متقابلان: وهو الإيمان والكفر. فالآن أيهما نختار: الإيمان والكفر؟ لا شك أن الجواب معلوماً، فلذلك لم يذكر هنا. ثم ذكر الحكمة من عدم التصريح بالجواب بالمفاضلة، فقال في آخر هذا المبحث: وذلك أنه إذا ميزت الأشياء تميزاً تاماً، يعني بحيث لا خفاء فيه، الشيء الواضح الذي لا خفاء فيه، مثل ما مر: إيمان وكفر، رشد وضلال، غي ورشد، هدى وضلال. هذا خلاص، ما عاد يحتاج فيها التباس أو تفكير، لأنها قد ميزت تمييزاً تاماً وعرفت مراتبها، مثل الخير والشر والكمال والنقص. صار التصريح بعد ذلك بالتفضيل لا معنى له، يعني من عدم البلاغة. لما يجاب في شيء فيه مفاضلة واضحة، هذا في اللغة معاب، في اللغة معيب. لو قال لك قائل على سبيل المثال: أتريد أن تشرب عسلاً أم سماً؟ هل هذا يحتاج جواب؟ هذا ما يحتاج جواب، لأن الكل سيقول ماذا؟ عسلاً. ها، فالمفاضلة في مثل الأشياء الواضحة والجواب بذلك هذا من الضعف في اللغة. وهذا من بلاغة القرآن، وهذا من بلاغة القرآن. أراد هذا من ذكر هذه القاعدة. والله تعالى أعلم. وبهذا نكتفي إلى هنا. اللغة ترجمة نانسي قنقر