الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 108، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع قاعدة أصولية مفادها أن اليقين والعلوم المحققة لا تزول بالظنون والشبهات، بل ترد المتشابهات إلى المحكمات. ويستدل لذلك بآيات القرآن في الفرق بين المحكم والمتشابه ومنهج الراسخين مع تطبيقه على حادثة الإفك لرد الشائعة باليقين.
يؤكد المقطع على قاعدة شرعية تقتضي حسن الظن بالمؤمن وعدم تصديق الإشاعات عنه مستدلاً بآية الإفك وقصة موسى عليه السلام. ويشدّد على أن الأصل في المؤمن السلامة والبراءة حتى يثبت العكس بيقين شرعي.
يبيّن المقطع أن وجاهة النبي موسى عليه السلام عند الله تبرئه من كل نقص ويحذر من تصديق الافتراءات على الأنبياء. ويوضح أن رمي المسلم بالباطل حرام وأن الحق لا يزحزحه الباطل فلا يصرف اليقين بالتوهمات.
يختتم الشيخ الدرس مبيناً أن إيراد الآيتين الأخيرتين يهدف لتوضيح مقصد المؤلف في القاعدة. ثم يكتفي بهذا القدر من الشرح ويختم بالحمد لله مشيراً إلى إعداد الترجمة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فهذه القاعدة لقوله: يرشد القرآن إلى الرجوع إلى الأمر المعلوم المحقق عند ورود الشبهات والتوهمات. وهذه قاعدة جليلة، يعبر عنها: أن المتوهم لا يدفع المعلوم. المتوهم: يعني الشيء المظنون فيه، الشيء المظنون، فالظن لا يزيل اليقين. الشيء المعلوم: يعني الشيء المتيقن. وأن المجهول لا يعارض المتيقن. شيء مجهول، ليس يعني معلومًا، فهذا لا يعارض الشيء المتيقن منه، المجزوم به. والفقهاء يعبرون بعبارة أخرى: أن الظن لا يدفع اليقين. وعبارة أخرى أيضًا: اليقين لا يدفع إلا بيقين مثله. اليقين لا يدفع إلا بيقين مثله. هذا أيضًا من العبارات، ولذلك قال: ونحوها من العبارات، ونحوها من العبارات. فأنت مثلًا متيقن أن هذا الإنسان يصدق، لا يكذب. طيب، فأُخبرت أنه يكذب، فلا تزيل ما كنت تعلم منه من معلوم بهذا الظن أو التوهم، بل لا بد من التثبت. فالمتوهم لا يدفع المعلوم، والمجهول: الشيء لا تعلمه، لا يعارض المتيقن: الشيء الذي تجزم به، تجزم به. هذه قاعدة عظيمة، وقاعدة نافعة. أنت تعلم أن أخاك ثقة لا يخون، فإذا أخبرت أنه خان، فلا تصدق هذا، فيه فادفعه بما تعلم من صدقه وثقته وأمانته. هذا معنى هذه القاعدة: الرجوع إلى الأمر المعلوم المحقق، الشيء الذي تحققت منه وجزمت به، فترجع إليه، وما عارضه من شبهات أو توهمات أو ظنون، فهذه ترجعها إلى الأمر المعلوم المحقق. وذكر أمثلة على ذلك، وأنها طريقة الراسخين في العلم، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ ﴾. الآيات المحكمات: يعني أمر معلوم محقق، هن أم الكتاب. ﴿ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾. متشابهات: يعني الشبهات والتوهمات، والتوهمات. ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾. يعني: طريقة الأخذ بالشبهات والتوهمات، وترك المعلوم المحقق منه. هذه طريقة أهل الأهواء. وطريقة الراسخين في العلم: أنهم يردون المشتبه إلى المحكم، والتوهمات والظنون والشبهات إلى المعلوم المحقق. هذه طريقة الراسخين، هذه طريقة الراسخين: ﴿ قَالُوا آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾. فعندهم أمور معلومة محققة لا يمكن أن تتزعزع، ولا يمكن أن تضعف، فإذا جاء ما يضعفها أو ما يزعزعها، ردوا ذلك المشتبه؛ لأن عندهم من اليقين ما يكفي في رده. وقال تعالى في زجر المؤمنين عن القدح في إخوانهم المؤمنين: ﴿ لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ ﴾. قالوا: الظن هنا بمعنى العلم، اليقين؛ لأننا قلنا: الظن يأتي بمعنى العلم، ويأتي بمعنى الظن. طيب، المرجع: فهنا المراد به الظن العلم، يعني: لولا إذ سمعتموه تيقنتم في المؤمنين والمؤمنات خيرًا. ﴿ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ ﴾: ذكرهم بلفظ الإيمان، لماذا؟ لأن المؤمن الأصل المحكم عندنا: أن إيمانه يدفع عنه مثل هذا العمل. هذه الآية جاءت في حادثة الإفك، لما أشيع عن عائشة رضي الله تعالى عنها ما أشيع، فأشاع ذلك المنافقون. فالله عز وجل يقول للمؤمنين: ﴿ لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا ﴾. يعني: عندكم أصل عظيم، وهو أن هذا الصحابي وهذه الصحابية، بل هذه أم المؤمنين، ما قد وقع منها شيء من هذا؛ لأن إيمانها وإيمانه يدفعان عنهما هذا الفعل. فكونوا على هذا الأمر المعلوم المحقق، كونوا على هذا الأمر المعلوم المحقق. فما ورد من شبهات أو توهمات أنهم فعلًا كذا وكذا، فهذا يرجع إلى المحكم، ولا يصدق، ولا يصدق. هذا معنى الآية، وهذا معنى قوله: فأمرهم بالرجوع إلى ما علم من إيمان المؤمنين الذي يدفع السيئات. الأصل أن المؤمن لا يفعل ذلك، هذا الأصل. فإذا جاءك خبر عن أخيك، لا تصدقه مباشرة، بل قل: ما علمنا عنه إلا خيرًا. لذلك جاء أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذه الحادثة جاء إلى زينب بنت جحش، وكانت تساوي عائشة أي في الجمال، وكانت ضرتها، فسألها النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا أعلم عنها إلا خيرًا. وهذا قاعدة ينبغي أن تكون عند المؤمن. الآن جاءك خبر عن أخيك، أخوك مؤمن، تعرف أنه ما يفعل شيء من هذه السيئات، فقيل لك: فعل كذا وكذا، فترد هذا بما تعلم عنه من الصلاح، من الإيمان، من عدم الوقوع في هذه الأشياء. وهو بشر قد يقع، لكن في الأول الأمر تدفع هذا، لا تصدق مباشرة حتى تستثبت. وإلا فالأصل السلامة في كل مؤمن، الأصل السلامة من هذا الشيء، فالآن. فإذا سئلت عن أحد إخوانك أنه فعل شيئًا قبيحًا، قل: لا أعلم عنه إلا خيرًا، لا أعلم عنه إلا خيرًا. بنص هذه الآية، وبفعل الصحابة: ﴿ لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا ﴾، أي: قالوا ما نعلم إلا خيرًا عن هذين الصحابيين. بل ردوا هذا بقولهم: ﴿ وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ ﴾، أي: كذب واضح ظاهر، بين. نعم، فردوا هذا الأمر، ولم يقبلوه، ولم يعتبروا كلام من تكلم مما يناقض هذا الإيمان. ثم ذكر مثالًا ثانيًا: هو قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴾. هذه الآية لها سبب نزول، وهو أن بني إسرائيل أتوا بشائعة عن موسى عليه السلام، فقالوا: إنه أذر. أذر: معنى مقطوع الذكر. طيب، أذر: معنى عنده هذه العاهة وهذه الآفة، وهو كذب، وهو كذب. فالله عز وجل قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى ﴾ بهذا الكلام الكذب. ﴿ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ﴾. برأه الله: خلع ثيابه في مكان لا يوجد فيه أحد ليغتسل، ووضع ثيابه على حجر وهو يغتسل، فهرب الحجر بثيابه، فيجري موسى خلف الحجر وهو يقول: ثوبي، حجر، يعني: هذا ثوبي يا حجر، هذا ثوبي، أو أعطني ثوبي يا حجر، أو شيء من هذا التقدير. طيب، فرآه الناس، رآه الناس، هو إذا به كامل الخلقة، ما فيه شيء عيب في ذكره، ما فيه شيء عيب. ﴿ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴾. يعني: كان نبيًا مرسلًا، ذا جاه وذا منزل عند الله عز وجل. فكيف تصدق مثل هذا القول في رجل له جاه عند الله وله مكان؟ الأصل أنه لا شيء فيه من هذا الذي يقوله الناس عنه، إذ لو كان فيه هذا الشيء لأنكره موسى، وينكر أن فيه هذا الشيء، والناس يرمونه بذلك، وهو لا يكذب، ولا يعني يبرئ نفسه بالكذب. فإذا لوجاهته، ما ينبغي لمؤمن أن يصدق. وهذا خطاب للمؤمنين، وأين يعني المؤمنين من أمة محمد؟ وأين المؤمنون من أمة محمد من عهد موسى؟ إنما المراد بهذا: يعني لا تتشبهوا ببني إسرائيل. فإذا بلغكم عن أحد وجيه كنبيكم محمد صلى الله عليه وسلم شيئًا يخالف ما هو عليه من الإيمان والدعوة والرسالة، فلا تصدقوا، لا تصدقوا فيه، كما أنكم لا تصدقوا ما قال من قال في موسى من هذا الأمر. نعم، فإذا قوله: الشاهد من الآية: ﴿ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴾. ولذا قال: فوجاهته عند الله تدفع عنه وتبرئه من كل عيب ونقص قيل فيه من أذاه. وهذه الآية فيها: أن من رمى مسلمًا بما ليس فيه فقد آذاه. إنسان ليس بكذاب، أنت تقول: هذا كذاب، هذا أذية له. وأن تقول: هذا لا ينجب وهو ينجب، هذا أذية له. فلان تقول: يعني مثلًا يعني يغتاب أو كذا، هو ما يغتاب، هذا أذية له. طيب، فالأذية لا، لا يلزم منها أن تكون حسية، قد تكون معنوية، برمي أخيك المسلم، أو بكذلك الكذب عليه، أو نحو ذلك. نعم، فالشاهد من الآية: ﴿ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴾. قال: فوجاهته عند الله تدفع عنه وتبرئه من كل عيب ونقص قالوا فيه من أذى؛ لأنه لا يكون وجيهًا عند رب حتى يسلم من جميع المنقصات، ويتحلى بجميع الكمالات، سواء كان الكمالات الحسية أو الكمالات المعنوية اللايقة بأمثال من أولي العزم. فيحذر الله أن يسلك مسلك من آذى موسى مع وجهته، فيؤذي أعظم الرسل جاهًا عند الله، وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد قالوا عن نبينا محمد: إنه ساحر، وأنه كذاب، وأنه كاهن، ونحو ذلك من الافتراءات. وأما الآيتان التي ذكرهما في آخر هذه القاعدة: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾. أي: أن المؤمن إذا علم الحق، فلا ينزح عن هذا الحق إلا إذا تبين له الضلال؛ لأن الأمور على قسمين: إما حق، وإما ضلال، ما هناك وسط. فالتوهمات هذه ليست من الحق، بل هي في الحقيقة من الباطل، واضح، فهي من الباطل. فأنت إذا عندك الحق، فلا تنصرف عنه إلى الباطل والضلال، إلى الباطل والضلال. فيريد بهذا: أن الأمر المعلوم المحقق هو من الحق الذي لا ينزح إلا بوضوح الباطل، والحق حق لا يزحزحه الباطل. طيب، فهنا يقول: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾. أي: أن الأمر المعلوم هو الحق، والشبهات والتوهمات هي الباطل، هي الباطل والضلال. والآية الأخرى بمعنى الآية التي قبلها: ﴿ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقُّ ﴾. فإذا علمت الحق، فلا تتزحزح عنه بمجرد شبهة، أو بمجرد أمر متوهم ليس له حقيقة، وليس له أصل من الصحة. فهذا هو مراد المؤلف من إيراد الآيتين الأخيرتين من هذه القاعدة. والله تعالى أعلم. طيب، نكتفي بهذا. والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر